متابعات

«الحكومة الملتحية» والإصلاح المستحيل

محمد بوبكري

ليس الإصلاح مجرد كلمة جوفاء تُطلق على عواهنها، وإنما هو محتوى وفعل وإنجاز ملموس واضح للعيان…
يبدأ الإصلاح بصون وحدة المجتمع وترسيخها عبر نهج الأسلوب الكفيل بالحيلولة دون انقسامه المفضي إلى تمزيق نسيجه وتفتيته، ما يقتضي استلهام الحكومة مضمون سياستها من الحركة الاجتماعية والثقافية المتفاعلة داخل مختلف تيارات المجتمع وتوجهاته المعبرة عن تطلعاته وانتظاراته في فترة زمنية محددة، لا في حدود الزمن بمفهومه المطلق.
يتوقف عمل الحكومة على إدارة الشأن العام، لكنها عندما تستبد وتدير ظهرها للحركة المجتمعية وتستفرد بالقرار، فإنها لا تقوم بتدبير الشأن العام، وإنما تشلُّ حركة الأفراد والمؤسسات والمجتمع، ما يجعل الإصلاح مع هذه الحكومة مجرد وهم لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع.
تتحكم عقيدة احتكار الحقيقة المطلقة في «الحكومة الملتحية» في المغرب، فتحول دون استلهامها لروح الحركة المجتمعية ومفاهيمها وطموحاتها، بل إنها تسوقها إلى إعلان الحرب على نفسها وعلى المجتمع معا، لأنها لا تُشرك هذا الأخير في القرار، حيث لا تحترم شروط ذلك فكرا وممارسة بالمواصفات التاريخية العقلانية المطلوبة. ولا تأتي قوة الحكومة من إضعاف المجتمع، وإنما من إشراكه، لأن إضعاف المجتمع وإهدار طاقاته يفضي إلى إضعاف الحكومة، والعكس صحيح.
لا تقوم شرعية هذه «الحكومة الملتحية» على فوزها الفعلي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بل لقد تم ترتيب هذه الأخيرة بما يُمَكِّن دعاة الإسلام السياسي من الوصول إلى الحكومة. وإذا كانت الشرعية تقتضي تصويت أغلبية الشعب على الحكومة، فإن الشرعية الانتخابية هي مجرد خطوة أولى في اتجاه اكتساب شرعية الاستمرار في تدبير الشأن العام، الأمر الذي لا يتأتى إلا بتحقيق إنجازات تستجيب لطموحات الشعب وانتظاراته في الفترة الزمنية التي انتخب فيها الحكومة في ظل ظروف سياسية، واجتماعية، واقتصادية، ونفسية، لها طبيعتها الخاصة .
لكن بما أن هذه الحكومة تُجهز على المكتسبات الاجتماعية للشعب المغربي، وتستأثر بكل شيء ولا تنجز أي شيء إيجابي يذكر، فإنها تسببت في ظهور حركات مناهضة لها، ما يفقدها الشرعية ويجعل مقاعدها مهدَّدة. وهذا ما جعلها لا تهتم إلا بالدفاع عن كراسيها وإهمال مشاكل المواطنين والوطن وقضاياهما، حيث تعتقد أن امتلاكها للسلطة أهم من أي شيء آخر، وأن حفاظها عليها هو أولى أولوياتها. نتيجة ذلك، اكتشف المواطنون أن شعار التغيير والإصلاح الذي رفعه دعاة الإسلام السياسي في حملتهم الانتخابية هو مجرد كذب وبهتان…
عندما تدَّعي «الحكومة الملتحية» احتكار الحقيقة، فإنها تسعى إلى احتكار السلطة، وفرض السيطرة على مفاصل الدولة عبر وضع رجالها فيها وتجعل ذلك أمرا واقعا، ما يثير غضب المجتمع ويتسبب في الاحتقان…
ويؤدي استفحال مشاعر الإحباط في المجتمع، نتيجة إقصاء الحكومة له واستئثارها بكل شيء، إلى إضعاف الحكومة وتراجع مكانتها، حيث تبدو بعيدة عن المجتمع والدولة، ومُعبِّرة فقط عن جماعات الإسلام السياسي. إنها تستعدي المجتمع لأنها تنظر إليه بالشك والارتياب، وتعامله على أساس أنه عدو لها. ولا يمكن أن يُنسب تراجع «الحكومة الملتحية» إلى عوامل خارجة عن إرادتها، بل إن ذلك ناجم عن قراراتها ورفضها للآخر وإلغائه… وجدير بالذكر أنه إذا انغلقت الحكومة على ذاتها وتقوقعت على فكرها، وردَّت فشلها إلى مؤامرة معارضيها، فإن ذلك يُعمي بصيرتها، ويحجب عنها الواقع، فتسجن نفسها في أوهامها، وتعجز عن فعل أي شيء، وتشل ذاتها، فيحدث النكوص والتراجع، الأمر الذي يهدد الاستقرار..
لا يمكن أن يقود المجتمع من لا يمتلك رؤية أو مشروعا. وينبغي أن يكون هذا المشروع معبِّرا عن أهداف المجتمع وتطلعاته… لكن بما أن الحكومة الملتحية تهمل المصلحة العامة، وتخدم أهدافها الخاصة وتجعلها أساسا لإدارة الشأن العام ومعيارا له، فإنها تعزل نفسها عن المجتمع وتغلق على نفسها في كهف تنظيمها السياسي الذي هو منغلق بطبيعته. وهذا ما يتعارض مع طبيعة الحكومة بمفهومها الفعَّال، حيث يقتضي الأمر أن تكون مفتوحة على الجميع ومتكاملة معهم وبه في آن واحد.
تبعا لذلك، يلزم أن يصدر القرار الاقتصادي والاجتماعي بأسلوب وفي إطار مؤسسين. وأعني بالقرار الاقتصادي والاجتماعي تلك القرارات المتعلقة بوضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مجالات الاستثمار والادخار والضرائب، والأسعار والأجور والدعم والخصخصة وسعر صرف الدرهم المغربي… وبما أن السياسات الاقتصادية في هذه المجالات الحيوية تؤثر علي مستوى معيشة فئات اجتماعية عديدة في المجتمع وتمس مصالح فئات أخرى، فمن الضروري التعرف مسبقا علي رأي هذه الفئات ومعرفة ردود فعلها عليها. وتشمل هذه الفئات رجال الأعمال والموظفين والعمال وأصحاب البنوك والتجار والمستهلكين، والمصدرين والمستوردين… ومن أهم المؤسسات التي ينبغي التعرف علي موقفها من القرارات الاقتصادية والاجتماعية: الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية والبنوك وغرف التجارة والصناعة والسياحة ومنظمات المجتمع المدني… وبدون التعرف علي رأي هذه المؤسسات في أي قرار اقتصادي واجتماعي وقياس ردِّ فعلها عليه، فيكون من الغباء اتخاذه، حيث قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار…
تتسم جماعات الإسلام السياسي بالانغلاق على ذاتها، حيث ينكفئ أعضاؤها بعضهم على بعض، ويردِّدون الأفكار والخطاب ذاتهما، وتستولي عليهم أوهام الدفاع عن قضية مقدَّسة، وينقصهم التكوين والتجربة في تطوير المشاريع وتدبيرها، ويعتبرون خصومهمالسياسيين متآمرين… وهذا ما أدى بهم إلى النظر إلى الصراع بينهم وبين معارضيهم على أنه صراع وجود، ما يدفعهم إلى تكفير خصومهم وممارسة العنف والإرهاب ضدهم. إنهم لا يعرفون شيئا اسمه الصراع السياسي الذي يقتضي ألا تدَّعي أية جهة امتلاكها للحقيقة المطلقة، ما جعلهم يفكرون في ما هو نسبي على أنه مطلق… وبما أنهم يعتبرون خصومهم مرتدِّين يهدِّدون وجودهم، فإنهم يندفعون لمحوهم من الوجود، حيث يعتقدون أنه لا حق لهم في الحياة ولا يجوز التعايش معهم…
يتجسد ذلك في ضرب الحكومة الملتحية للقوة الشرائية للشعب المغربي، ومسِّها بالحريات العامة وممارستها للعنف ضد الحركات الاحتجاجية والشباب المعطَّل، وإصرارها على الاقتطاع من أجور المضربين…، وذلك علاوة على عدم قدرتها لحد الآن على تطوير أي مشروع مُهَيكِل يُمَكِّن البلاد من تجاوز الأزمة في قطاع من القطاعات.

…عن  جريدة الاتحاد الاشتراكي 12/6/2013