الثلاثية الابعاد في الفكر والسياسة والدين …

مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 12 يونيو 2013

يقول تعالى (( يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنان قوم على ان لاتعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون )) المائدة

…عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة»، قال عوف: فناديت بأعلى صوتي ثلاث مرات: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل، وكيف يعدل مع قرابته»؟ رواه الطبراني في الكبير.
وقال: «وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية» رواه الطبراني في الأوسط.

…ان علامات تقدم الامم والحضارات تتجسد بوجود دولة منظمة  ونظامها في الميادين يطمئن له الناس ويزيدهم رفعة  ومكانة وهيبة امام غيرهم …وان مرتكزات ذلك ان يكون الحكام والناس سواسية امام العدالة ومن يمثلها اي القضاة …وان ذلك لايكون ان لم يكن القاضي مستقلا محصنا يتبوا الدرجة المثلى في حياته لاياتمر باوامر من هم اعلى منه مرتبة ولا يتاثر بمحيطه الخاص والعام مع ما  يتطلبه ذلك من علم ورجاحة في الراي  ورزانة واخلاق رفيعة …

 

كما ان امور الناس / الامة/ الشعب في الاقتصاد والمعرفة والتنظيم والادارة والرعاية والتدبير العام …لن تنضبط ان كان اصحاب القرار والشان على النقيض مما يقولون او هم ابعد عن انتظارات الناس واولوياتهم …او هم من الذين  يشتغلون ببعدين ان لم نقل بثلاثة ابعاد تناقض مبدا الوضوح والدقة التي تتميز بها الشاشات والاجهزة التي تحمل نفس الاسم ..انها ابعاد متداخلة يعمها الغبش والضبابية …

..اما اقحام  قدسية وطهارة وهيبة  الدين في منظومة السلطة  ومزاجية السياسيين والحكام والمتحزبين  بميولات و افكار مذهبية ضيقة  للذين يحكمون واحيانا ارضاء لجهة ما بالداخل والخارج فسيصبح الامر الديني مزاجيا توظفه الدولة والاحزاب للمصالح الانانية  والسياسوية التي تضمن لهم  بسط نفوذهم واضفاء صبغة القداسة على قرارات ادارية او مالية او سياسية   من اجل اطالة عمر حكمهم وتسلطهم وسيطرتهم …ولنا عبرة في بعض دول شرق افريقيا وشمال و شرق العراق التي اعتلى كراسيها البعض باسم الديموقراطية فحبسها على نفسه وحزبه  وعشيرته او وصل اليها باسم الاصلاح الديني فانفرد بها واعاد انتاج ما غير بفارق بسيط هو التغير في الوجوه والشخصيات نوعا وعقلية وخطابا …وما يتم تركيزه في دول اخرى خلال الاشهر الاخيرة  بكل الطرق التي ينهى الشرع عنها لدليل اضافي على الانفصام الذي نراه في مكونات المشهد السياسي بين ما قبل وما بعد التحكم بالحكم …

قال ابن تيمية في كتاب الحسبة (( ان الناس لم يتنازعوا في  ان عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة .ولهذا يروى ..الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة ))

…لهذا فعندما يطالب الحكماء والعقلاء عبر التاريخ ويسعون لتحصين العدالة وابعادها عن العناصر والاسباب  المفسدة لها ماديا ومعنويا  فهم على صواب ..لانه لايصح وخاصة في زماننا هذا ان نجمع كل السلط في يد فرد واحد او ان نجعلها متداخلة بين اكثر من يد تحكم …وبعض الدول اليوم لاتجد عندها وزارة للعدل  بالمفهوم التقليدي بل تجد نظاما ومؤسسة للعدل تشكل سلطة تضمن للدولة ان تكون محترمة عند شعوبها وعند غيرها ..ومن هنا غرابة الامر عندما تطالب الحكومات  التي ننتمي لها اي الاسلامية او العربية او … ان تستلم متابعا او متهما للمثول امام محاكم بلده  سواء كان المتابع   يساريا او يمينيا  مسلما معتدلا او متطرفا ترى انه يطالب  بان يحاكم بالغرب لان العدالة عندهم اضمن من عدالة دولته  حسب ما يفهم او يدلى به من تصريحات …

…كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رسالة يقول فيها ..اما بعد فان مدينتنا قد خربت .فان راى امير المؤمنين ان يقطع لها مالا يرمها – بضم الراء والميم -به فعل . .فكتب اليه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ..” اما بعد فقد فهمت كتابك وماذكرت ان مدينتكم قد خربت فاذا قرات كتابي هذا فحصنها بالعدل وفق طرحها  من الظلم  فانه مرمتها – بفتح الميم مع تشديدها – ..والسلام ” فاين حكام اليوم من فقه عمر بن عبد العزيز ..

…ان كل عمل او نظام حكم  اداري لضبط مؤسسات الدولة يضمن حقوق الاغلبية والاقليات وحقوق الحكام والمعارضين وحرية القبول والاختيار  والرفض … لابد ان  يجعل لمؤسسة العلم و العلماء والفقهاء  مكانة وحضوة عند الجميع ينصحون ويرشدون ويكونوا ضميرا للامة ودعامة  للاتزان والتوازن والتسامح واليسر والتيسيير وتفريج الكرب وان لايكونوا طرفا في منظومة الحكم وخلق الفتن والكراهية بين الناس وبين المسلمين …

….ان ما نراه اليوم في مشارق الارض ومغاربها في امتنا الاسلامية يجعل الجميع ياسف على ما الت اليه الامور ومتابعة العديد من القنوات الفضائية وكذا القنوات الرسمية وشبه الرسمية وخروج البعض من المحسوبين على حقل الفقهاء والعلماء يدبجون خطب التكفير والتحريض وبث الفتن بين مذهبين يشكلون جزءا من العالم الاسلامي وتواجدهم مختلط ومندمج في اكثر من دولة اسلامية وتمتد تشعباته لدول اوروبية وافريقية واسيوية وامريكية و…تلك  الخطب التي تجيش الناس وتدفعهم الى ردود افعال قد تشعل حروبا لاشك انها ستزيدنا ضعفا ووهنا وتخلفا …بدل ان ينبري هؤلاء الى الصلح بين الناس والفصل في المختلف فيه والتاليف بين القلوب …فكيف نفهم فتاوى العديد منهم الذين يحرمون في الشهر ما يحللونه في الشهر الموالي ويصادقون في المساء من عادوه وكفروه في الصباح ؟؟…فاي ثقة نعزز واي نظام نبني بهذه الرؤية ” الثلاثية الابعادفي الفكر / السياسة والدين والعدل “؟؟؟….انها ثلاثية تقوم على (*) جعل الحكام يتحكمون باسم الدين ليلزموا الناس بسياساتهم الخاصة وافكارهم وقناعاتهم وجعلها من اصول الدين والايمان  مع ما يتطلبه هدا من السيطرة على  المؤسسات ذات الطابع الديني والمنابر والجمعيات المتخفية وراء الدين والاحسان ويوهمون الناس انهم ينطقون باسم السماء …(*)..وتقوم على جعل الحكام يبسطون سيطرتهم على منظومة العدل والعدالة بدعوى حمايتها واصلاحها مع ابقاء القضاة الذين هم اخلاقيا وشرعا يجب ان يكونوا  اعلى مرتبة في الحكم من الحكام انفسهم تحت سيطرة الوزير او الحكومة التي تكون كل قراراتها سياسية وذات خلفيات سياسوية …(*)…وتقوم بفرض منظومة فكرية غير ديموقراطية واقصائيه تسفه كل اراء الناس  لتجعل “فكرة هم” هي الوحيدة الاحق بالبقاء والاستمرار والالزام …

اخرج الديلمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ان الله يحب الامراء اذا خالطوا العلماء .ويمقت العلماء اذا خالطوا الامراء .لان العلماء اذا خالطوا الامراء رغبوا في الدنيا . والامراء اذا خالطوا العلماء رغبوا في الاخرة ” …والامراء هنا اي الحكام باي صفة كانوا …والرغبة في الاخرة اي ان يكونوا عادلين في كل مجالات العمل  ويسعون لمرضاة الله…

ان السلطة الثلاثية الابعاد لم تكن حتى في زمن الانبياء عليهم الصلاة والتسليم …لانهم بامر الله لم يلزموا الناس بشرع الله بل عرفوهم عليه وفسروه لهم ودعوهم باللتي هي احسن بل وحموا ورعوا ودافعوا عن مخالفيهم وادمجوهم في المجتمع الاسلامي وبنوا معهم الحضارة والعلوم والمعارف التي تنسب الى لغة القران العربية في الادب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلسفة والفقه والعلوم و…..

قال تعالى ” فاستقم كما امرت ومن تاب معك ولا تطغوا” هود

وعن ابن مسعود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “….اياكم والكذب فان الكذب لايصلح بالجد ولا بالهزل .ولا يعد الرجل صبيه ثم لايفي له ..”

وقال رسول الله (ص) …الا من ظلم معاهدا او انتقصه او كلفه فوق طاقته او اخذ منه شيئا بغير طيب نفس فانا حجيجه يوم القيامة ” …فاين هم كل هؤلاء من قول الله وقول رسوله الكريم وقول افاضل العلماء الربانيين …

وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعامله على مصر قائلا : “أن أفسح للقاضي في البذل ما يزيل علته, وتقل معه حاجته إلى الناس

وروي ان القاضي شريح يقضي ليهودي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, في درع لعلي وجدها اليهودي, ولا بـينة لعلي, ولكن القاضي يكنِّي علياً, وينادي علياً باسمه فيقول: (( قف يا أبا الحسن بجوار خصمك!)) فيعترض أمير المؤمنين قائلاً: ((هذا أول الجـور, أكنَّيتـني وتنادي اليـهودي باسمه!)) فلما رأى اليهودي وسمع وعايش هذا الموقف أسلم وقال: ((الدِّرع عندي ولا أتهم أمير المؤمنين!)).

فكيف هي احوالنا …؟