دستور جديد هو الحل

 

نبيل بكاني

 

بعد مرور ما يزيد عن السنتين على الإقرار الرسمي للوثيقة الدستورية (المختلف بشأنها)، وما يزيد عن السنة والنصف على تعيين الحكومة، وهي فترة كافية لتبلور النتائج، ولتقييم “المسار الإصلاحي”، الذي تبنته الدولة مرغمة، تحت ضغط الحركة الإحتجاجية، ودشنته بدستور 2011. فإن الواقع يثبت بالملموس فشل المشروع الرسمي، ووصوله إلى الباب المسدود، بعد أن تفاقمت الأزمات، التي مست جميع مناحي الحياة، اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، حقوقيا. وتبدد كل الآمال، التي حملها مشروع الدستور، وانفضاح زيف الوعود، التي ظل حزب الإخوان المسلمين بالمغرب ينفخ فيها، كمن ينفخ بالونات الكريستماس الملونة، طيلة أيام الحملة الإنتخابية البرلمانية.
لقد كان المخزن ينتظر صعود الحزب الاسلامي، الذي قدم نفسه، من جهة كحام متخوف على الملكية، ومناصر لنظرية “الاستثناء”، التي أبدعها المخزن، ومن جهة أخرى مارس الضغط على الدولة، بدفع شبيبة حزبه إلى تأسيس ما اصطلح عليه بحركة “باراكا”، التي ظلت موازية لحركة 20 فبراير، في مسيراتها، حتى يوم 9 مارس 2011، الذي أعلن فيه عن استعداد القصر منح دستور للشعب المغربي، حيث اختفت حركة “باراكا” من الشارع، وتحولت إلى نصرة الدستور. و كما هي عادته، كانت خطة المخزن جاهزة، قبل الإنتخابات، للاستفادة من الحزب الاخواني، وتوظيفه في المرحلة، باعتباره آخر “كارت” سليم متبقي في يد الدولة، من بين “الكروت” المحروقة، التي استُنفِذت شحنتها.
هكذا، وفي ظرف وجيز، يكون المخزن، ولوبيات الفساد، التي تعيش من ريعه، أبانوا عن قدراتهم العجيبة، والفعالة، في تطويع الجسد الحكومي، وتليينه، حتى تحول إلى ما يشبه جسد الراقصة، في انسيابيته، ، وتكسرات حركاته، وتعبيراته على إيقاع المعزوفة، التي تطرب مسامع المخزن، بعدما أوهم منتخبيه بأنه ماض إلى الحكومة، حاملا سلاح التغيير، وإرادة تطهير الادارة العمومية من هذا المخلوق الهلامي، الذي يسمى ـ مجازاـ “الفساد”.
ولأن الإرادة الحكومية والنية الحسنة، وحدهما، غير كافيتان، لإسقاط الفساد، وتفكيك منظومته، دون توفر الصلاحيات الكافية للمؤسسة المنتخبة من طرف الشعب، ودون فصل حقيقي للسلط، وتحصينها من أي تداخل بين الاختصاصات أو تمركزها في يد واحدة. فلا غرابة، إذا، إذا ما رأينا الحكومة تنهار شيئا فشيئا، مستسلمة تحت أقدام قوى الفساد. وبدل أن تقاومها؛ نجدها تسعى إلى التحالف معها، باعتبارها القوة المتحكمة في مؤسسات الدولة، وفي الاقتصاد “الوطني”، مستبدلة شعارات الإصلاح، التي اقتبسها “الإخوان” من صرخات المحتجين، بالاندفاع الجامح نحو سحق ما تبقى للمواطن من حقوق، وضرب قدرته المعيشية والإنتقام من الحركات الاحتجاجية؛ متحولة إلى مجرد أداة تقنية، في يد منظومة الفساد، لتسيير قطاعات عمومية واسعة، بما يراعي مصالح لوبي الفساد؛ كضريبة البقاء في الحكومة.
وما شهدته الساحات العمومية خلال الأيام الفارطة، من قمع وحشي طال الأشكال الإحتجاجية السلمية لكل من حركة 20 فبراير و مجموعات مناهضي مهرجان موازين، والأطر المعطلة واستهداف لرموز الجمعية المغربي لحقوق الإنسان، التي شكلت تقاريرها الفاضحة، حول انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، هاجسا مخيفا للمخزن، أمام تنصل كل من رئيس الحكومة، ووزيره في “العدل و الحريات” من تحمل مسؤولياتهما؛ ليس إلا دليلا على فشل الخيار الرسمي الإنفرادي، الذي تمثل في مشروع الإصلاح الذي تبنته الدولة و دشنته بدستور 2011. و هو ما يترجمه التوجه العام نحو اللجوء إلى الأساليب الإنتقامية في مواجهة الأصوات المعارضة لإستبداد المخزن وكل ما يرافق ذلك من تدخلات وحشية في حق المتظاهرين السلميين، والاعتقالات السياسية التعسفية، التي تطال المعارضة المغضوب عليها، وممارسة التعذيب والحط من الكرامة الإنسانية.

إن إشكالية الديمقراطية في المغرب؛ إشكالية دستورية بالدرجة الأساسية، أكثر منها إشكالية مؤسسات أو أحزاب أو عقليات أو غياب خبرة التسيير أو برنامج حكومي. فالديمقراطية، و كي تتمأسس، لابد لها من أرضية تأسيسية ترسم معالمها، و تحدد لها المؤسسات القائمة على حمايتها و تمنحها الصلاحيات الكافية، دون استقواء إحداها على الأخرى. فمثلا؛ الإعلام، و كي يقوم بوظيفته كسلطة رقابية، لابد له من استقلاية تامة. و نفس الشيء بالنسبة للقضاء وباقي السلط والمؤسسات الاستراتيجية.
وبقراءة متجردة لأهم الفصول المحددة لمعالم شكل الحكم في دستور 2011، الذي عُهد بكتابته للجنة عينها القصر، ورُسمت لها خارطة طريق، تحدد لها مناطق الإشتغال، والمناطق المحرمة، يمكن أن يتضح لنا بشكل جلي، أن هذا الدستور لم يوازي تطلعات المجتمع السياسي، والحقوقي، الذي كانت له الشجاعة لكسر جدار الخوف المقدس، والنزول إلى الشارع؛ والمطالبة بإجراء إصلاح عميق في بنية الدولة. و هنا نستدرج أهم الفصول المحددة لطبيعة نظام الحكم في المغرب ـ شمولي أم ديمقراطي ـ حيث:
يَعتبر الفصل 42 من الدستور الملك رئيسا للدولة، و في نفس الوقت الحكم الأسمى بين مؤسساتها؛ ما يطرح تناقضا بين تولي المسؤولية و ممارسة التحكيم في الآن نفسه.
يمنح الفصل47 الملك حق تعيين رئيس الحكومة، من الحزب المتصدر للإنتخابات، وأعضاءها باقتراح من رئيسها، كما يمنح نفس الفصل الحق في إعفاء أعضاء من الحكومة، من مهامهم، بعد استشارة رئيسها.
ويبيح الفصلين51 و96 للملك حق حل مجلسي البرلمان.
ويجعل الفصل 52 خطاب الملك فوق أي نقاش؛ ما يظفي بشكل غير مباشر طابع القداسة على كلام الملك، بعدما أزيلت القداسة عن شخصه من الدستور السابق..
ويمنح الفصل 56 رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية للملك.
ويقر الفصل 107 بأن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.
ويمنح الفصل 115 رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
ويمنح الفصل 130 الحق للملك في تعيين رئيس المحكمة الدستورية.
وكما أعطى الفصل 49 للملك صلاحية تعيين كل من الولاة و العمال، والسفراء و مدراء المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية، باقتراح من رئيس الحكومة، ما يعني، آليات ممارسة الحكم وسلطها، من قضاء و مخابرات والأمن الداخلي و القومي والجيش و الإعلام والمجالس المعينة والمنتخبة كلها متمركزة في جهة واحدة؛ الشيء الذي يقود المؤسسات المنتخبة إلى عزلة ويجعلها أقل قدرة على تفعيل برامجها، و يضيق من دائرة سلطتها كجهاز تنفيذي على قطاعات عمومية واسعة. و سواء بقيت حكومة بن كيران أو تم تعويضها بحكومة أخرى؛ فلن تنتج أي حكومة جديدة؛ كانت منتخبة أو تكنوقراط، أكثر مما أنتجته الحكومة الحالية من بؤس وتيئيس وملل شعبي من لعبة السياسة الفولكلورية المفلسة.
صحيح أن دستور 2011 جاء متقدما على الدساتير السابقة، بدأ من دستور 1996 إلى دستور 1962. لكن، هذا لا يعطيه صفة الدستور الديمقراطي، الذي يلبي طموح المجتمع، واختياراته بتنوعها واختلافاتها. و يبقى بعيدا كل البعد، عن تطلعات المنادين بتطبيق نموذج “الملكية البرلمانية” التي مثلت نموذج تفوق و إشراق حضاري في أوربا الملكية.
لقد ضيع النظام السياسي القائم سنتين من عمر المغرب، مراهنا على خياره الانفرادي، وهو الوقت الذي كان بالإمكان الاستفادة منه، خاصة في فترة مميزة، خرج فيها الملايين من المغاربة إلى الشارع، دافعهم شرارة أمل و ثقة في الذات، بإمكانية حدوث تغيير في حايتهم الاجتماعية والحقوقية؛ جمعتهم ووحدتهم مصلحة الشعب والوطن. ولم يعد من الأجدى، أمام مستقبل غامض ينتظر البلاد، الإستمرار في الخلط بين الديموقراطية كمؤسسة مجتمعية وبين لعبة الشطرنج، بتغير حزب بحزب وحكومة ليبرالية بأخرى اسلامية أو يمينية.
لقد تم تجريب كل الخلطات الجاهزة، والوصفات الممكنة، وأبانت كلها عن فشلها في إيجاد حل حقيقي للإشكالية التي يعاني منها الوضع السياسي بالمغرب، الذي يرخي بظلاله على الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية. والسبب دائما هو الإنفرادية في التخطيط والقرار وعدم إشراك باقي القوى الحية داخل المجتمع، والطريقة المعتمدة في صياغة الدستور، خير دليل على استمرار سياسة الإقصاء هاته. و أمام المشهد الحكومي والحزبي وما وصل إليه من ميوعة و انحطاط، بعد انسحاب النخب السياسية الحقيقية والنخب المفكرة أو الإنتلجنسيا المنتجة للحلول و النظريات، أصبح لزاما، ومن مصلحة الاستقرار في البلاد، الإمعان والإنصات إلى الشارع والمعارضة الحية، والتصالح مع الذات عبر إقرار دستور جديد، ديمقراطي و شعبي، تشارك في كتابته جميع التمثيليات الشعبية في المغرب عبر مجلس تأسيسي منتخب.
هذا هو الحل المتبقي أمام صناع القرار.
نبيل بكاني

عن موقع الالكتروني لجريدة “اناس”

13 يونيو 2013