في الحاجة لجبهة اجتماعية بأفق سياسي .. الشارع أم المؤسسة؟

* زهير ماعزي

لأن المغرب ليس استثناء, تراجعت نسبة المشاركة في الإنتخابات، وأعداد المواطنين المنخرطين في الأحزاب السياسية، على غرار باقي الدول، حتى أضحى الجميع يتكلم عن أزمة الديمقراطية التمثيلية. كما تقلصت جحافل العمال المشاركين في تظاهرات فاتح ماي وتدنت نسبة التنقيب إلى مستويات مخيفة.
لم تعد المشاركة السياسية تقتصر على النشاط الذي يقوم به الأفراد والجماعات في إطار التنظيمات الحزبية، والتصويت او التمثيل والتعيين في الهيئات التشريعية والحكومية، فكثيرا ما تكتشف الجماعات أن هذا الإطار لا يستطيع الإسهام في تحقيق أهدافها ومقاصدها (*)، أي أن المؤسسات التقليدية (حزب، نقابة..) لا تستطيع في شرطنا الحالي انجاز مهام التغيير الاجتماعي والسياسي.
من جهة أخرى، وفي مقابل طريق الإصلاح والعمل من داخل المؤسسات، هناك طريق الثورة، أي الحركة الجماهيرية الواسعة والمنظمة، بهدف إحداث تغيير جذري سريع، يؤدي الى استبدال نظام بنظام آخر. غير أن الثورات صعبة الحدوث، وذات كلفة غالية، وغير مضمونة النتائج، لذلك لا يحقق الثوريون أي توسع ملحوظ وسط الجماهير.
وبين أزمة المؤسسات ورفض الجماهير للعمل الثوري، تسللت الحركات الاجتماعية وتعاظمت أدوارها، نتيجة لعجز المؤسسات التقليدية وقصورها عن التصدي لأشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية (*) كانتشار الأسلحة النووية وتهديد البيئة وانتهاك حقوق الصحة والتشغيل وسرقة الثروات المحلية، ونتيجة أيضا لضعف وسائل الدفاع الذاتي للمجتمعات أمام انعكاسات العولمة ونفوذ الحكومات البرجوازية والتحكم في الإعلام ومخاطر التسلط.
إن الحركات الاجتماعية عبارة عن مجموعات ليست بالضرورة متجانسة، تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة أو الوصول إلى أهداف مشتركة من خلال العمل خارج المؤسسات التقليدية التي نامت في عسل الوساطة بين الدولة والمجتمع. إنها تقترح نفسها، بل تفرض نفسها طريقا ثالثا بين الثورة والمؤسسة، وتذكرنا ان لا معنى للإصلاح ان لم يكن جذريا.
فهل بوسع الحركات الاجتماعية أن تكون بديلا للمؤسسات التقليدية؟
في المغرب، تنمو هذه الحركات الاجتماعية بسرعة خارج الوصاية الحزبية والإديولوجية، ذات تنظيم مرن، من الصعب مراقبتها او توقع حدوثها، استدامتها غير مضمونة، وأحيانا تنتج نقيضها ومعارضيها، كما قد تكون فئوية أو مناطقية أو عابرة للطبقات ومعولمة.
إن الحركات الاجتماعية اليوم تصيب الفاعل المؤسساتي، حزبيا كان أم نقابيا، بالقلق، فبالنسبة له قيادتها هم مجموعة من الشباب «الإفتراضي»، عديم الخبرة وبلا ذاكرة ولا مشروع، من السهل تطويعه و»شراؤه». كما لا يرى فيها إلا منافسا بسبب قدرتها على التعبئة والحشد الجماهيري وتوجيه طاقة المجموعة، إنها مرآة تفضح أوهام التمثيلية والقدرة على ممارسة التأطير والتأثير والإستقطاب، وتكشف عورته أمام الدولة التي يخاف أن تستغل هذا الحراك للتخلص منه ومن مطالبه، وحتى من خدماته.
من الجهة الأخرى، تتعمق أزمة الثقة، ويرى قادة الحركات الاجتماعية أن الزعامات التقليدية بيروقراطية ومنتهية الصلاحية بيولوجيا، وأنها تشكل عائقا مزاحما أمام تحقيق الذات والتموقع، فيبدأ التدافع. كما يعتقدون في الحركات الاجتماعية أن الزعامات التقليدية متواطئة، وتواطؤهم هو سبب ضياع مصالح المجموعات وحقوقها، وأن المؤسسات تحولت إلى (كوميساريات)، أي أداة طيعة في يد منتهكي الحقوق (مخزن، حكومة، باطرونا، إقطاع، شركات متعددة الجنسيات..) تقوم بأدوار الضبط والإحتواء، وبالتالي, فالمؤسسات القائمة ليست صالحة إلا لتأجيل التغيير، أي خدمة النقيض.
وفي نظرنا، يجب فتح المزيد من قنوات الحوار وإعادة التفكير في العلاقة الممكنة بين المنظمات الديمقراطية والحركات الاجتماعية، وهذه بعض الأفكار التي قد تساعد على ذلك:
أولا: الخصام بين الفاعلين التقليديين والحركات الاجتماعية (أصحاب الحقوق) لن تفيد إلا النقيض الرئيسي (منتهكي الحقوق).
ثانيا: ضعف المؤسسات التقليدية ليست بسبب تنامي الحركات الاحتجاجية، بل ان ظهور الحركات الاجتماعية هو نتيجة (أو مؤشر) لضعف المؤسسات التقليدية.
ثالثا: أن الحركات الاجتماعية غالبا ما تتطور في اتجاهين، إما ان تنشأ مؤسساتها ومنظماتها، وإما أن تتنظم في إطارات موجودة.
رابعا: وحتى لا تكون الحركات الاجتماعية بديلا، المطلوب الآن من الفاعلين التقليديين هو توفير بيئة استقبال مغرية لقادة الحركات الاجتماعية، وربح رهانات الدمقرطة والمأسسة والتجميع من اجل مؤسسات قادرة على التأثير والتأثر.
واليوم، وفي ظل نظام اقتصادي مجحف يغتال العدالة الاجتماعية في المغرب وحكومة رجعية تحميه، تبدو الحاجة ماسة لجبهة اجتماعية بأفق سياسي (**)، تمكن من تأطير وتنقيب العمال وتعبئة الحركات الاجتماعية وانتخاب سياسيين مدافعين عن حقوق العمال ومنتجين لبدائل ومشاريع مجتمعية جديدة.
ويبقى شرط إنجاز هذه المهمة، إلى جانب تحديث المؤسسة، هو العودة إلى الرسالة المؤسسة والموحدة لمنظماتنا الديمقراطية، أي المطالبة بتوزيع عادل للثروة والسلطة داخل المجتمع عبر الاستمرار في التعبير عن مصالح الفئات والشرائح المستضعفة داخله.
> مراجع:
(*) sociology, Antony Gidens, 4th edition
(**) تقرير الندوة الدولية حول الاقتصاد العادل والحركات الاجتماعية على ضوء الربيع العربي، المؤتمر الوطني الثاني للمنظمة الديمقراطية للشغل ODT.
* عضو المجلس الوطني للمنظمة الديمقراطية للشغل

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي

6/14/2013