الشباب من يصنع المستقبل

فتح الله رمضاني*

إن فتح نقاش الشباب وارتباط قضاياه بمستقبل المغرب يقودنا نحو ضرورة فهمه كفئة عمرية لها من الخصوصيات ما يميزها عن باقي فئات المجتمع، ولكن من دون عزله عن محيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي باعتباره العمود الفقري للتغيير الذي يمكن أن يخدم الصالح العام، ومن تم وجب التفكير معه وليس الإقتصار على التفكير له فقط.
فلم يعد مقبولا اليوم إعتباره جزءا من مشكل أو عبئا يؤدي إلى أي مشكل، بل أصبح لزاما الإقرار كون الشباب هو الأمل، وبيده حل مشاكله بنفسه، يكفي فقط فهم سلوكياته وإختياراته الناتجة طبعا عن ثقافته .
فكيف يمكن إدماج الشباب في الفعل الاجتماعي والسياسي لكي يساهم من موقعه، وحسب فهمه لمعالجة القضايا والاشكالات التي يطرحها الواقع المتغير باستمرار؟ وكيف يمكن أن نحول الشباب إلى طاقة منتجة اقتصاديا لا أن نعتبره عالة على المجتمع؟ كيف يمكننا أيضا أن نقف على محددات ثقافته كي نفهم طرق تفكيره و أفعاله ؟
دائما كان الشباب المغربي يشكل ذلك النموذج الملتزم تاريخيا بقضايا وطنه ،ولخير دليل على ذلك انخراطه سنة 2011 في دينامية العشرين من فبراير، مفندا بذلك لأطروحة إنعزاله وإستسلامه السياسي، ومعلنا عن رغبته في الخروج من حالة الإحباط واليأس التي وجد نفسه يتخبط فيها نتيجة سيطرة خطاب وسياسة يُمَيعان ويُبَخسان كل قيم العمل السياسي النبيل .
فبانخراطه ذلك أعلن أيضا عن إستعداده للمشاركة في صنع القرار المرتبط بمستقبل بلده، شريطة إشراكه بشكل جدي ومباشر في السياسات التي تؤسس له ( أي المستقبل) . فالشباب كفئة عمرية الرهان عليه كبير خصوصا في الدول النامية،والمغرب يحتاج لتلبية طموحاته في التقدم والنماء لكل الطاقات المنتجة والواعية والحاملة لمشروع ديمقراطي حداثي وتقدمي،والتي يمكن أن تدافع عنه من خلال نشر قيم العلم واستحضار العقل وتوظيفه بشكل يعود بالخير على مستقبله
والملاحظ أن الإهتمام بالشباب وقضاياه أصبح يأخذ مساحة أكبر من نقاشات الفضاء السياسي المغربي وذلك نتيجة تَكَوُّن قناعة لدى الفاعلين المؤثرين في السياسات المغربية،ولدى كل مكونات المجتمع المدني ، كون أمل المغرب رهين بشبابه، واستحضار تطلعاته وتلبية طموحاته.
ولعل ما يعكس هذه القناعة هو التوجه نحو ما تضَمََّنه دستور فاتح يوليوز القاضي بدسترة المجلس الأعلى للشباب، الذي يفرض على الدولة المغربية والمهتمين بقضايا الشباب، العمل على إقرار إستراتيجية وطنية للشباب كألية جديدة في تناول الشأن الشبابي والتعاطي مع مستجدات الواقع المعقد الذي يعيشه( بطالة ، تعليم، فضاءات ترفيه، مخدرات……). إستراتيجية وإرادة تجدر الإشارة أن نذكر أنها غابت عن برامج كل الحكومات المتعاقبة باستثناء برامج حكومة التناوب التوافقي التي كانت تصب في إتجاه تحقيق تراكمات لصالح الترقية الإجتماعية للفئات المحرومة من الشعب المغربي عامة ولصالح الشباب المغربي على وجه الخصوص.
فهل فعلا استوعب القائمون على وضع وتسطير السياسات العامة للمغرب، الثقافة المؤثرة في اختيارت الشباب المغربي، روافدها و تمظهراتها؟. هل فعلا إستحضروا ضرورة أن النهوض بأوضاع الشباب لا يمكن أن يكون دون تحديث المشهد السياسي المغربي وتخليقه عبر دمقرطته ليغويه ويستقطبه ( أي الشباب) ، وهل فعلا التنظيمات الشبابية الجادة في المغرب قادرة على إيصال صوت الشباب لجعلها أولوية في البرامج الحزبية ؟. وهل هذه التنظيمات مستعدة لفتح نقاش جدي وملتزم لخوض معركة نضال مفتوحة ضد محاولات بعض الجهات – المصلحاتية والجماعات التي تتخد من الدين مطية للوصول لأغراض سياسية – خونجة المجتمع ودفعه إلى تبني اختيارات رجعية ضد واقع الشباب ومستقبله؟
الأكيد أن الشباب المغربي تأثر بشكل مباشر بالثورة الإلكترونية وما تحدثه المواقع الاجتماعية من تحولات على عاداته وتقاليده، وبنفس القدر على قيمه ومبادئه، مما أصبح يصعب معه تحصين وضبط هويته. وهو ما يفرض على المؤسسات الاجتماعية، ومختلف مؤسسات المجتمع المدني الانفتاح على هذه الآليات الجديدة في التكوين والتأثير والتعبئة، ومحاولة الاستعانة بالأبحاث والدراسات المنجزة في هذا الشأن لتسهيل عملية استغلال طاقات الشباب وتوجيهها بما يخدم مستقبل دولة الحق والقانون.
إننا نقف يوميا على الفوارق التي تميز فيما بيننا كنوع إجتماعي واحد لكن ليس موحَدا للأسف، حيث نجد بيننا جزءا محظوظا ينتمي لطبقات برجوازية يستغل إنتمائه الطبقي في تكوين ذاته وتطويرها، وبالمقابل هناك أجزاء غير محظوظة تتوزع بين طبقات متوسطة وفقيرة عاجزة حتى عن ولوج مجموعة من الأوساط الإجتماعية والتعليمية التي يتطلبها الوقت الراهن، كما أننا نلاحظ الفرق الشاسع جدا بين ما تقدمه المدن للشباب في مقابل ما تأخذه منهم البوادي و الأرياف والهوامش، يوميا ودائما نقف كذلك على التمايز الذي يتعامل به المجتمع المغربي اتجاه هوامش حريات شاباته وشبابه. وهو ما يلزمنا على التطرق لقضايا الشباب بشكل شمولي لكن بأكثر تدقيق وبإعمال المقاربة الشبابية والتشاركية في طرح البرامج التي قد تجيب عن المشاكل التي يطرحها الواقع المتغير
إن الرهان على الشباب في المساهمة في تنمية الدولة ودمقرطتها شرط أساسي ولا يمكن استصغاره أو الاستهانة به ، واستغلال الخطاب الموجه للاستهلاك الشبابي والمجتمعي سرعان ما ستنكشف نواياه الحقيقية، ولإخراج الشباب من حالة التيه والضياع والاستيلاب الذي يعيشه وجب علينا كتنظيمات الإنصات إليه والتفاعل معه والوقوف إلى جانبه ومواكبته في الفعل والاحتجاج.
إن جدول أعمال الشباب المغربي واضح وصريح ومباشرانعكس بشكل جلي في الشارع المغربي من خلال شعارات حركة 20 فبراير التي طالبت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإسقاط الفساد، و يكفي فقط إعطاؤه حسن النية للسير في نفس الطريق لكي يضمن الحد الأدنى لطموحاته و لكي يشارك بقناعة وبفعالية في التغيير، وبالتالي في صنع مستقبل بلده.
* عضو اللجنة الإدارية للحزب

…عن موقع جريدة ا.ش 6/15/2013