الى أين يتجه المشهد السياسي المغربي ؟ 

 عبد الرحمن العمراني  العمراني

 

   دستور متقدم موضوع على الرف ينتظر تفعيلا بالقوانين التنظيمية لا يبدو، بالنظر للمؤشرات الراهنة، أنه تفعيل قادم  بعد شهور أو حتى – على الاقل- قبل متم الولاية التشريعية الحالية. حكومة انفرط بشكل واضح عقد تماسكها، بما أنتج وضعا كافكاويا في غرابته أصبح فيه المكون الثاني في الحكومة أكبر المعارضين لرئيس هذه الحكومة .
مشاريع استحقاقات معلقة من زمن ما بعد المصادقة على الدستور الجديد ، مثل الانتخابات الجماعية وانتخاب مجالس الجهات بناء على الصلاحيات الجديدة والتقطيع الجديد المقترح، لا أحد يعرف متى سيتم إجراؤها ولا أحد قادر على التكهن بأسباب إرجاء حتى مجرد التداول في شأنها .
أداء حكومي يعطي الانطباع يوما بعد آخر بأن الأمر  في هذا الأداء أشبه ما يكون بأعمال تنجز  خلال تلك الفترات الفاصلة بين انتخابات وأخرى، حيث يقتصر عمل الحكومة عادة على تصريف الأعمال دون  حماس أو تصميم أو نفس تخطيطي مستقبلي،
انخفاض في منسوب البيداغوجيا السياسية الى مستوى  يقارب الصفر، نقصد هذا التدهور المريع في قدرة  المتحالفين / المتصارعين على  وضع الأفكار والبرامج  أمام الناس بصورة واضحة للموازنة أو المفاضلة بين الحجج ،   والاستعاضة عن ذلك بحروب  كلمات لا تهدأ إلا لتبدأ  من جديد.
إعلام عمومي اختلطت عليه الألوان والظلال فلم يعد يعرف ، في حمأة الصراع الدائر وخواء المعنى في ظل هذا الصراع الدائر ، لمن يصفق وبمن يحتفي ولمن يعلق النياشين .
صحافة مكتوبة استلذت في معظمها  موقع التفرج  على ما يجري، على شاكلة المتفرجين وراء حبال قاعة ملاكمة حيث لا تسمع إلا عبارات التشجيع على الضرب واللكم، وحيث يندر أن تسمع في النهاية ما يتجاوز الاعلان اليومي عن تنقيط المتصارعين ، تشجيعا لهم على المضي قدما في حروب داحس والغبراء .
طيف سياسي إسلامي تفرقت به السبل  فصار ينتج مرحلة بعد أخرى أطيافا فرعية يتنازع أدعياؤها  بالألقاب  ويتشاكسون حول من يكون أقرب الى النبع الصافي، ومن يكون أكثر التصاقا بمتطلبات الممارسة السياسية الشرعية  المجدية،  وذلك بعد أن أسلمت اليوتوبيا أو الطوبى ( بلغة العروي) زمام أمرها للحساب السياسي البارد.
خلل واضح في الفكر الاستراتيجي لدى  تلك الأوساط والدوائر التي أناطت بنفسها التقرير والتخطيط للتوجهات الكبرى والتوازنات الكبرى ، حيث لا يبدو أنها حقاً حمالة تصورات تجعلنا تطمئن الى أننا نسير باتجاه مستقبل واضح المعالم ، محسوب الرهانات . التردد سيد الاستراتيجيات  وهو يذكرنا بمقطع قصيدة  مديح الظل العالي للشاعر الفلسطيني الراحل  محمود درويش:
يجب الذهاب الى اليسار ، يجب التوغل في اليمين ، يجب التمترس في الوسط ، يجب الذي يجب.
ثم هناك أخيرا ضمن هذا المشهد مجتمع ورأي عام يرى ويتابع ويقارن فصول الزمن السياسي المغربي  منذ أن دخلنا معترك ما أسميناه في السابق بالمسلسل الديمقراطي . يرى ويتابع   وجزؤه المصوت الذي صنع بتصويته الخريطة السياسية الحالية يتخلص يوما بعد يوم فيما يظهر من إغراء تصديق الطهرية السياسية التي ألصقها  البعض بنفسه في السابق  ، تخلص يشبه في مفعوله  عملية انقشاع الحماس  Desenchantement التي تحدث عنها عالم الاجتماع الالماني الشهير ماكس فيبر ( معذرة  لشراح فيبر عن سوء الترجمة) .
على ضوء كل تلك  المعطيات  الناطقة بألف خلل ومجهول ،ترى الى أين يتجه المشهد السياسي الوطني ؟ وهل من مبرر لاستمرار الاستكانة  للتحليلات النمطية للوضع؟، ألم يحن الوقت   لنرتب نوعا من الخروج الجماعي  من الصخب والضجيج الذي نملأ به الساحة  الإعلامية  ، ونسميه  خطابا سياسيا،  فيما هو في الحقيقة أقرب  الى الجعجعة بدون طحين،  وأن نأخذ ، بدل ذلك، قسطا  من الوقت للتأمل والتفكير الهادئ في كيفية فتح آفاق  مستقبلية جديدة حقاً ، يتصالح فيها الناس مع السياسة قولا وفعلا. ؟

 

…عن موقع جريدة الاتحاد ش..6/21/2013