صراع الذهنيات
الشبكة العربية العالمية: عبدالباري مايح الحمداني
أفكار ودراسات
الأربعاء, 05 يونيو 2013

 

يحاول علم النفس المعاصر أن يفهم العصر بكل تحولاته وتعقيداته، وقد برزت في الآونة الأخيرة وتحديدا منذ عام (2003) محاولات لمعرفة أثر التمثيلات العقلية للفرد حول الواقع والأحداث وما يجري للعالم الحالي من حراك وتفاعل وصراع، على الطريقة التي ينظر فيها لنفسه والآخرين ويكون له مفاهيم تنسجم مع محيطه الفردي – المادي والاجتماعي، وأخذ اهتمام البحوث يتزايد حول قضية “الذهنية الجماعية والتمثيلات العقلية” لشعب أو مجموعة عرقية، لأحداث العالم، ومواقف هذه المجموعة أو الشعب من تلك الأحداث باعتباره كفرد يتصرف بفاعلية نحو ما يجري من حوله، وهكذا نستطيع أن نقول أن هناك ذهنية غربية وأخرى شرقية، وهناك عقلية تجريبية وأخرى شفاهية.

ويقصد بالموقف من الأحداث العالمية ما يجري منها على الصعيد العلمي والسياسي والاقتصادي والثقافي وغيرها، وتعمل مؤسسات علمية عالمية في أمريكا وبريطانيا وروسيا وغيرها من خلال البحوث التجريبية أن تدرس متجه السلوك الجمعي لجماعة تجاه أخرى خصوصا ما يختلف منها في المعتقدات والإيمان والمواقف، على اعتبار أنها تمثيلات ذهنية وصور معرفية تتناول الواقع وتحاول فهمه من خلال المنظومة المعرفية التي يحملها شعب أو جماعة عرقية أو دينية أو طائفية وهي إن تلامست مع نقيضاتها خارج إطار حوار الحضارات والفهم المتبادل، ستحيل نفسها من المستوى الذهني إلى المستوى السلوكي -لتتخذ أشكال من الأفعال والتصرفات- تتمثل في عدم التقبل والتكفير والشعور بالتهديد من وجود الآخر -أو محاولة تدميره معنويا بربطه بالجهل والإرهاب، أو تدميره ماديا بوسائل اقتصادية أو عسكرية-؛

وهكذا يتجه العالم الآن واعتمادا على نتائج تلك الدراسات أن يفكك المعتقد والرؤية والمواقف لشعب ما -هدف التغيير- ليحيلها إلى ما ينسجم أو يتناغم مع التيار العام العالمي، وتبقى الجماعات أو الشعوب المغلقة أمام هذا التغيير مصدر تهديد بحسب المفهوم السياسي المعاصر (باستثناء الجماعات التي تقع خارج التاريخ)، والتي بحسب تلك الدراسات تدرك بعد (المكان بزمان آخر)، (وتقع تمثيلاتها الذهنية في نصف الكرة الأيسر من الدماغ) (وهي مجتمعات شفاهية) -والإدراك وفق تلك الدراسات هوا لعملية التي تتوسط تلك التمثيلات الذهنية-والمعروف أن الزمــــن مفهوم تجريدي يتم إدراكه عن طريق ربطه بمفهوم المكان –الذي له خصائص ثابتة فيزياوية- بتعبير آخر له خصائص مادية تمكن الإنسان والجماعات من بناء الصور البصرية التي يتم معالجتها في الذهن لتتحول إلى كودات أو شفرات معرفية تستدخل في البناء المعرفي للفرد لتشكل فيما بعد معتقدات الفرد وجوهره الروحي ووعيه، والذي تريد تلك الدراسات قوله:

أن الشعوب المتثبتة في عقد الماضي والتركيز على صراعات الجماعات السالفة، ومواقف أشخاص أو نماذج أو أبطال -دون هضم وتمثيل تلك الصراعات على أنها صراعات قيم وتوجهات قيمية يمكن ربطها بالمكان الحالي والاستفادة منها في تحريك الواقع ولا يمكن اعتمادها لوحدها خصوصا في النظرة إلى الآخر المختلف -تحيلها تلك التثبيتات إلى إدراك بعد المكان بزمن آخر- ترى ذاتها خارج المكان وتصبح بدون صورة أو رؤية منظمة للعالم، وبدون تلك الرؤية تفقد تلك الشعوب مقدرتها على التوجهات الهادفة وهي لا تقدم للوجود أي حضارة أو ثقافة -وبتعبير آخر أي منظومة قيمية عملية- لأن القيم عندها لا ترتبط بالفعل والتصرف فهي تعتقد بشيء وتتصرف بنقيضه، فهي تدعوا إلى الصدق وتمارس الكذب وتتكلم عن محاربة الشر والفساد وتشاطر الشيطان ذات الرغيف (يصلي بيمينه ويسرق بشماله).

وقد اتجهت الدراسات التجريبية لدراسة السلوك الجمعي، من خلال تحليل العادات والطقوس والتي هي مواقف معرفية لشعب من الشعوب أو جماعة أو طائفة ويتم تحليلها على أنها إحدى مكونات (فرضيات العالم) التي تثير السلوك وتوجهه نحو وجهة دون غيرها، وهي محاوله للتكيف للعالم وقد تتخذ من قبل ممارسيها لإيصال رسائل (نحن) مقابل (هم)، ومفهوم (نحن) فرضية ذهنية، لا واعية تتضمن وجود عنصر متأصل في الجماعة العرقية يعبر عن تمثيلاته بالفلسفة والأدب والأساطير، وتكشف نفسها خلال تصرفات الناس ومقاصدهم ونواياهم، وبطبيعة الحال إن هذه الذهنية المعبر عنها (بنحن) لها تاريخ طويل من التكيف يجعلها غير مرنة للتهديد، ولا تتغير بسهولة، وما شهده العالم من صراعات بين الجماعات العرقية أو الدينية أو المذهبية خير دليل؛

وقد طرح مؤخرا -مفهوم الثابت الذهني- الذي له مفهوم رياضي أكثر مما هو نفسي أو فلسفي -وهو ما يميز المجموعة العرقية أو شعب من الشعوب– ففي دراسة حديثة مثلا أظهرت أن “الإلحـــاد” كثابت ذهني أفرز مجموعة وقطاع كبير من البشر لا يثقون بالمؤسسات وينظرون إلى أن العالم تحكمه شريعة الأقوى وأن السياسة المبنية على سرقة الآخر واستغفاله هي التي تضع العنب في السلة، في حين يظهر “الإيمـــان” كثابت ذهني الاعتقاد بوجود عالم عادل وهو إن لم يوجد الآن فلا بد من إيجاده آخر الزمان —وهكذا فالتمثيلات الذهنية الجمعية لا تنشأ بمعزل عن سياقها التكيفي التاريخي. وقد ظهر مؤخرا مفهوم (الوعي العرقي) والذي هو (الوعي بنحن)، والذي له قسمان:

1- الوعي النمطي
وهو اعتماد قيم (نحن) بتقبل أو قبول (هم) وبتعبير آخر أن يحكم الفرد على الآخر المختلف عنه بشكل نمطي غير موضوعي -كأن نقول كل أوربي كافر- وفي المقابل كل مسلم إرهابي، وهذه التمثيلات النمطية هي أمزجة وعواطف معقدة كامنة تطلق كتعميمات بفعل سحر إيحاءات وإشارات (نحن)، وعلى هذا الصعيد تتوقع الدراسات الحديثة أن تكون الحروب القادمة هي حروب دول مسلمة مع أخرى يهودية أو مسيحية وسنية مع أخرى شيعية -آخذة بنظر الاعتبار الصراع على التسلح والنفط والماء-.

2- أما القسم الثاني فهو الوعي النظري ويتضمن:
صورة أو رؤية العالم: وهي بكل تأكيد إذا اعتمدت على الوعي النمطي فقط فإنها تنتج التطرف والتعصب تجاه الآخر، ولذلك يعد الاحتكاك والتعايش مع الآخر بهدف التلاقح الثقافي أفضل وسيلة للتخلص من الأحكام المبسترة والنمطية، ويخلص المتحاورين سلوكيا أو فكريا للتخلص من المفهوم المتدني أو المتضخم لمفهوم الذات الجمعي (نحن مقابل هم) -كما يتضمن الوعي النظري (الوعي بنحن)، وهو أحد شروط النشاط الهادف- والوعي بالذات الجماعية -نحن- باعتبارها كائن فاعل غير منغلق تجاه (هم) -هو أيضا من مؤشرات قيام عالم مسالم خالي من الشك بالآخر واتهامه لأنه لا ينتمي ل (نحن)-.

وفي السياق التجريبي للدراسات النفسية الحالية يؤخذ بنظر الاعتبار دراسة -أثر العلم والدين والعرف أو التقاليد- في تشكيلها مجتمعة وبشكل متوازن في صياغة صورة أو رؤية العالم وبالأخص عند طلبة الجامعة كونه خبرها جميعها باعتبار أن هذه العوامل الثلاثة تجتمع في تأثيرها على الفرضيات المعرفية التي يبنيها الشاب الجامعي والذي هو في نهاية الأمر سيصبح المعلم والمربي والمهندس والطبيب والمفكر، وقد اتجه علم النفس المعاصر لدراستها لأن التفكير العلمي والالتزام الديني الواقعي لا التسلطي المغذي للتطرف والكراهية والأعراف المساهمة في تكيف الفرد لا حبسه في قوالب نمطية ثابتة تحد من نموه ونضجه، جميعها يمكن أن تسهم في تشكيل تمثيلات ذهنية متوازنة تساعده في تقبل الآخر وتبني في ذهنه وإدراكه عالم موحد خالي من التطرف ومن توصيات تلك الدراسات بناء مناهج تنمي التفكير العلمي والتسامح الديني ولا تغذي الكراهية والعنف وتحاول أن تخلق لدى الأجيال القادمة بمساعدة الاتصال بالتكنلوجيا أهمية التخلص من رواسب التقاليد والأعراف البالية التي تهدد بنائهم السوي.