كسر الخاطر … درس الثورة المصرية المستمرة: النظام اللاهوتي والنظام السياسي

عبد الحميد جماهري

 سنة واحدة فقط من حكم محمد مرسي كانت كافية لكي تنتفض مصر انتفاضة غير مسبوقة ضد حكم الإخوان. وينزل ملايين المصريين والمصريات إلى الميادين، بقوة غير مسبوقة لإعلان رفض التحالف الإخواني الحاكم.
ولعل أبرز شيء يمكن أن تلتقطه المتابعة هو القوة الجماهيرية الكبيرة التي عادت إلى الشارع من أجل استعادة الثورة المصرية، في أكبر بلد عربي، وأكبرها محورية في التاريخ الحديث للمنطقة. واستعادة الثورة تبدو اليوم ملخصة في تحريرها من النتائج الانتخابية التي تذرعت بها الحركة الإخوانية لكي تعطي للدولة والفضاء السياسي لونا وحيدا وفكرا وحيدا وتركيبة وحيدة..
وهو تحرير يعطي للعملة وجها آخر، نفترض من خلاله أن المد الجماهيري، والذي اعتقدنا جميعا، ومعنا كل المراقبين الدوليين، أنه حكر على التيار الإخواني تحديدا، والتيار الإسلاموي عموما، هو قصة نسبية، وأن الخزان الثوري ليس بالضرورة نابعا من الحركية الأصولية.
ويتضح من جهة أخرى، بالنسبة لمن يتابع تفاعلات السجال والحركية المجتمعية في بلاد الكنانة أن ضعف المعارضة، الذي يعود إلى أسباب عديدة بعضها إلى استقواء أنظمة مصر السابقة بالتيار الديني ضد التيار الديمقراطي والتقدمي وخلق فضاءات الفراغ حول السلطة في عهد مبارك للاستفراد بالحكم، لا يعني البتة ضعف الحصانة المجتمعية، ولا يعني استسلام القوى الحية في المجتمع للاستبداد السلطوي المتلفع بالدين.
لقد كان التيار الحاكم، وهو حاكم يخضع للتشريح كسلطة وليس لتشريح آخر، يعتقد بأنه سيجد نفسه أمام المنتسبين إلى حركة معارضة ضعيفة، وأن القوى الثورية إما معه بالفعل أو بالقوة، وأنه سيفرض الزمن الإخواني النهائي، وسيعلن وفاة المعارضة في البلاد .. وربما يسخر منها في المستقبل.
وهو نزوع شمولي كلياني تتميز به عادة الأنظمة الحالمة بالدكتاتورية.
غير أن المفاجأة كانت قوية، وبدأت قوى التيارالإخواني والمتحالف معه، تبحث عن تعليلات أخرى، والحديث عن «ثورة مضادة يقودها فلول النظام السابق».
ليست هناك ضرورة لكي نطرح السؤال: إذ كان النظام السابق قادرا على تعبئة كل الملايين التي نزلت في الميدان وفي الاسكندرية والمحلة والاتحادية، فلماذا سقط؟
والحقيقة التالية في السؤال التالي: متى التحق الإخوان بالثورة ؟ تفيدنا بأنهم ترددوا، وأن الثورة، «التي سموها لعب عيال» في البداية، لم تجد بنية سياسية توجهها فوجهوها.
وبالرغم من الجيش الإعلامي، الذي تبرع فيه القوى الأصولية عادة، فإن هناك حقيقة لم تغب عند المتتبعين، هنا وفي العالم، تقضي بأن «الإخوان» وحلفاءهم لم ينظموا سوى مسيرة مركزية استقدموا إليها أنصارهم وأتباعهم من المحافظات الأخرى إلى القاهرة.
أنصار مرسي فشلوا في امتحان آخر أكثر تعقيدا وخطورة، وهو التخويف باسم الدين.
فقد ربطوا، وبطريقة فجة، بين النظام اللاهوتي، الذي يفكرون من داخله وبواسطته، وبين النظام السياسي. وهو ما يجد ترجمته في شبه عبادة الرئيس وإعطائه الحق الإلهي في قيادة مصر واعتبار معارضته خروجا عن الحاكم.
وبالرغم من أن شيخ المفتين الكبير يوسف قرضاوي تراجع عن جنون العظمة ودعا إلى الحوار (ربما بسبب الحشود الرهيبة الني نزلت)، فإن جوهر التفكير لدى الأصولية هو التفكير بالإصطلاح اللاهوتي، ويختلف عن التفكير بالمصطلح السياسي. تفكير يجعل من العمق الاجتماعي عقدا … إلهيا.
بالنسبة لهذا الأخير، يعتبر العقد الاجتماعي والسياسي والدستوري، بالرغم من كل عيوبه، ترجمة مؤسساتية للثورة، ويجعل الحاكم والمحكوم شبيهين ، بنفس مستوى المواطنة والوجود، أما العقد الإلهي، في العرف الأصولي فهو يجعل الحاكم… سيدا.
وبالتالي فهو لا يطيق المعارضة، ولا يطيق المساءلة، ولا يحب أن يكون بجانبه مواطنون، بل أتباعا طيعين.
إنه الاستبداد، الذي يريد من المواطن أن يتحول إلى عبد .
فحتى ولو كان الحرية تهطل من السماء، فإنهم سيطالبون من المواطنين بأن يشتروا.. باراسول!!
لم يكن التاريخ بمثل هذه السرعة أبدا في محاولة إصلاح انحرافه عن السكة، وهو انحراف تم بشكل تراجيدي، وربما «سحري»، وتتم الآن إعادته إلى السكة، بمحض إرادته، وهذه الامكانية هي التي تسمى ديموقراطية …
في حالة الحكم الإخواني، هناك سعي إلى وضع الجمهورية .. ضد الديموقراطية، فلهذا عندما تطرح الشرعية، فهم يرونها «كاملة» ومكتملة ونهائية في حالة الانتخابات الرئاسية، ويقبلون بها، عندما يتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية.
إنها شرعية صندوق أقل من الآخر.

2 يوليوز /2013