كسر الخاطر : المطلوب خارطة .. تاريخ!

عبد الحميد جماهري

حدث ما انتظرته جماعة الإخوان في مصر، ووقع الاحتكاك الدموي بين أنصارها المسلحين وبين الجيش المصري، وخلفت الحادثة أزيد من 40 قتيلا.
هو أكبر عدد من الضحايا يسقط في حادث واحد منذ يناير 25 ، في الثورة الأولى، وهو أول عدد هائل يفتح الطريق إلى تنفيذ وعد محمد مرسي، بإطلاق الثورة في مصر وانطلاق موجة العنف، الذي كان نائما تحت الشرعية.
انتهى زمن صناديق الاقتراع، وجاء زمن صناديق الدخيرة الحية.
وبذلك دخلت مصر دوامة العنف الأولى، بعد أن قررت جماعة الإخوان التصعيد المسلح في الرد على انحياز الجيش لأغلبية الشعب المصري. ودعت الجماعة إلى المواجهة المسلحة العلنية والرسمية.
لم تعد جماهير رابعة العدوية و ميدان النهضة هي الوجه الذي يمثل الرد المشروع والمنطقي لجماعة الإخوان على ترتيبات الجيش القاضية بتعليق الدستور وخلع الرئيس محمد مرسي.
بل انتهت صلاحيتها في تعبئة الرأي الداخلي، وانتظار تحرك الرأي العام الخارجي، وأمريكا على وجه الخصوص.
وتنحى الرئيس المنتخب شرعيا ليترك المجال لأمير الجماعة الذي يعلن «الجهاد».
وبعد المواجهات المسلحة في سيناء (وما أدراكم ما سيناء )، بدأت عمليات اختطاف الجنود، وجر الجيش إلى معارك الشوارع والحارات، والدفاع عن المقرات العسكرية، واستنصار قوات الجيش الحر في سوريا وإدراج حركة حماس، لا باعتبارها ممثلا لجزء من الشعب الفلسطيني، بل أساسا باعتبارها رافدا وفرعا من حركة الإخوان … وخلق الأجواء التي تعد بالحرب الأهلية.
منذ أسبوعين، قال الصحفي والمتخصص في قضايا الشرق الأوسط، طوماس فريدمان، إن «المصريين يدركون بعد أيام بأنهم دخلوا الحرب الأهلية، بدون أن يشعروا بذلك».
ومنذ 48 ساعة نبه الروسي بوتين إلى مزالق الحرب الأهلية، في إشارة إلى ما تعرفه سوريا وتعميم نموذجها، الجيش الحر والجيش النظامي في معركة السلطة.
والشعب المصري الشقيق؟
يعيش أخطر لحظة اختيار: إما الانقلاب وإما الفاشية!!
ويكون الحل الأمثل: الحرب الأهلية.
الانقلاب، لم يحدث إلى حد الساعة بمواصفاته التي دأبنا عليها، لكنه سيكون له أكثر من مسوغ الآن، عبر إعلان حالة الطواريء.
والفاشية، كانت تبني نفسها، صندوقا صندوقا وصوتا صوتا.
وتم تأليه الصندوق، إلى حين وضع على كعبة الديموقراطية مثل هبل أو اللات.
لأن الصندوق الذي يوصل الإسلامي إلى الحكم، صندوق إلهي، بمنزلة الوحي والملائكة.
في بلغاريا، التي خرجت من معطف ربيعي بعد سقوط الجدار إياه، لا شيء دراماتيكي في الانتخابات السابقة لأوانها، حتى أن الرئيس نفسه يطلبها بعد 8 أشهر فقط من سابقتها.
لا شيء مأساوي، لأن بلغاريا حسمت ذات ربيع في اختيار ديموقراطي، لا يصنف في أية خانة طائفية.
في مصر اليوم يعاد كتابة الديموقراطية، بعد إلغاء التاريخ.
والتاريخ هو أولا وقبل كل شيء، علاقة توتر كبيرة وصدامية بين الجيش .. والإخوان.
كانت حادثة المنشية أيام عبد الناصر، والتي فتحت أبواب جهنم على الجماعة، والتي كانت في البداية قد احتضنت عبد الناصر نفسه في بشبابه، ثم شاركت في الثورة.
وحادثة المنصة والصراع مع السادات بعد كامب ديفيد.
ومع مبارك، بين الجزرة والعصا، موزعة بين القبول والتشدد..
وعادت العقارب إلى .. بداية الصراع، أي التشكيك في وطنية الجيش، والتشكيك في نواياه وتربيته .. والدخول به في أتون حرب أهلية، في منطقة هي بؤرة الشرق الأوسط.
الأخطر اليوم هو دخول حركة حماس من بوابة الجماعة، لا من بوابة القضية: حماس ربما تلعب آخر أوراقها، فهي قد خسرت الحليف الإيراني حزب الله، بعد أن انضمت إلى معارضين للنظام في سوريا، بعد أن كانت قد فكت الارتباط معه، في بداية الصراع وتوجهت إلى قطر.
وقطر اليوم ليست هي قطر الأب، في العلاقة مع قيادة حماس.
ولهذا تلعب الجماعة الإسلامية في غزة أوراقها كلها في دور إقليمي أكبر بكثير منها (لهذا حذرت حركة فتح حركة حماس من التورط في الشأن المصري ..).
ولهذا يمكن أن تتحول سيناء، منطقة الجوار الفلسطيني، إلى ساحات معركة تستغل المناخ والجغرافية الصحراوية في الحرب، لإنها ستمثل بالنسبة للجماعة الإخوانية في مصر، كما مثلته جبال الاوراس بالنسبة للفيس في الجزائر.
من عناصر الضعف، أيضا، الحدود المصرية، والتي أصبحت حدودا مفتوحة من جهة غزة، ومن جهة ليبيا، ومن جهة السودان. وهي عناصر يمكن أن تغرق البلاد في صراع لا تعرف دائما خيوطه ومن يمسك بها.
لن يطرح الجيل القادم ولا المحللون بعد شهر، من بدأ، سيطرحون كيف ستنتهي الأشياء.
ولا شك أن خارطة الطريق التي وضعتها القوات المسلحة مع عموم القوى الشعبية التي أطلقت الثورة الثانية، ستصبح وثيقة من وثائق كثيرة، إلى جانب الوثائق التي ستظهر ضد الإخوان وما يتعلق بالأمن القومي المصري، لكن من المؤكد أن الجميع سينتظر خارطة .. تاريخ، تعيد ترتيب التفاعلات والصراعات ضمن منظور للتاريخ وليس منظور للسياسة.

9/7/2013