لفهم ما يجري  … أحمد ولد داداه رئيس حزب التكتل الديمقراطي الموريتاني: الإسلام مرجعيتنا المُشتركة، لا يجوز أن يُحتكر من طرف حركة أو حزب أو جهة معينة

حاورته بديعة الراضي وجبران خليل

بدعوة من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انعقد بالرباط يومي 24 و 25 يونيه، الاجتماع التأسيسي للمنتدى العربي الديمقراطي الاجتماعي .
و قد شارك في أشغال هذا المنتدى، السيد أحمد ولد داداه، رئيس حزب التكتل الدمقراطي الموريتاني، و زعيم المعارضة الديمقراطية، الذي اغتنمنا فرصة تواجده لإجراء الحوار التالي حول عدة مواضيع من ضمنها آثار الحراك العربي على دول المغرب العربي و الوضع في موريتانيا وقضية الصحراء المغربية و تداعيات الأزمة المالية على دول المغرب العربي و دول جنوب الصحراء.

{ السيد الرئيس، ينعقد المنتدى العربي الديمقراطي الاجتماعي في لحظة تاريخية مهمة..

،كيف تقرأون اليوم المشهد بعد ما يسمى بالحراك العربي؟

> بسم الله الرحمان الرحيم. بادئ ذي بدء نشكر جزيل الشكر، و بصدق حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب، ذا التاريخ المشرف، الحزب الذي ناضل بانسجام و بتمسك كامل بمبادئه من أجل التغيير السلمي و الديمقراطي. نشكر هذا الحزب و نشكر المغرب عموما على توفير هذه الظروف الطيبة التي يمر بها هذا اللقاء.
و بالطبع نحن على حذر من الخطابات و من العروض التي تعودناها في ساحتنا العربية، و نصبو إلى أن نكون عمليين أكثر، و ننشد الفعالية و ننشد خطوات تدريجية عملية على أرض الواقع تأخذ بعين الاعتبار ظروف الناس من أجل تغييرها تغييرا حقيقيا بدون عنف، من أجل التغيير الحقيقي في المناهج و في التسيير الصالح و تغيير الظروف المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية للناس و الأخذ بعين الاعتبار التنوع الحاصل في كل بلد، و أنا كنت مرتاحا جدا لما تفضل به ممثل العراق الكردي لأن هذا التنوع في ساحتنا العربية المسلمة أمر يدعو للاعتزاز.
و أنا أشعر بنوع من الحياء بالنسبة للإسلام، حيث أرى أنه لا يجوز أن نترك الإسلام احتكارا في يد ما يسمى بالحركات الإسلامية، لأنه يجمع الجميع في الساحة العربية و لأنه يستوعب كل ما نصبو إليه من دمقراطية « و أمرهم شورى بينهم» و من سياسة اجتماعية متقدمة و حرية و حداثة… و لذلك فنحن نرجو أن يكون اجتماعنا هذا، اجتماع الرباط عمليا و أن يتعاطى مع الأوضاع الحقيقية بطريقة عملية و فعالة و أن يشكل قطيعة مع ماضينا الحاشد بالطموحات و الأهداف التي لا تتحقق

{ ذهبت كثير من المداخلات هذا الصباح في اتجاه أن الأحزاب الإسلامية كان لها مشروع منذ الثلاثينات يستهدف الأنظمة، لكنها لم تكن تملك مشروعا لبناء الدولة و بالتالي تطبيق العدالة و الديمقراطية و الكرامة و الحرية لشعوبها و اليوم بعد أن تسلمت الأحزاب الإسلامية الحكم في بعض البلدان العربية و لم تف بوعودها لأنها لا تملك الآليات.
سؤالي أستاذ، هو…

هل بمقدور الأحزاب الاشتراكية و الديمقراطية استعادة شعوبها و العودة إلى مراكز القرار من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

> نحن بقدرما نعتبر أن الإسلام مرجعيتنا في الساحة العربية، بقدرما نعتبر أنه لا يجوز أن يُحتكر من طرف حركة أو حزب أو جهة معينة. الإسلام مشترك. و من جهة أخرى نعتبر أن الشعوب المسلمة لا تأكل الإسلام و لا تشربه، لذلك علينا أن نكون على اتصال يومي بالناس و بأوضاعها و بتطلعاتها، و علينا أن نصل الخطاب بالفعل، و هذا ما نفعله نحن كأحزاب اشتراكية و ديمقراطية، و لا يجوز أن نترك هذا المجال لأي جهة أخرى لأننا نحن أقدر و أجدر بهذا العمل و بالتغيير. هذا هو شأننا و هذا طريقنا.

{ ننتقل بكم، أستاذ إلى حقل آخر، كيف ترون مستقبل الوحدة المغاربية في المستقبل المنظور؟

> لا مفر، و أدرك ما أقول، لا مفر من الوحدة المغاربية. و لكن هذا ليس معناه أن الوحدة ستتم بين عشية و ضحاها و نصبح دولة واحدة، حبذا لو كان هذا ممكنا. و لنا أسوة حسنة في المسار الأوربي، فقد كانت بين الدول الأوربية قرون من العداء و أنهار من الدماء، و راح ضحية الحرب العالمية الثانية وحدها عشرون مليون قتيل من الأوربيين. و رغم هذا كله تمكن الأوربيون من القيام بعمل قوي جذري و تدريجي بدءا بست دول في السوق المشتركة إلى اليوم حيث بلغ عددها 17 دولة متحدة اقتصاديا تملك عملة واحدة و إلى 27 دولة أوربية في فضاء مشترك، يتحرك فيه الشخص من لشبونة حتى استوكهولم ببطاقة تعريف فقط ، يقيم حيث يشاء و يعمل حيث يشاء، و هذه قفزة نوعية كبيرة.
علينا نحن المغاربيون، الذين يجمعنا كل شيء – أو كما قال الرئيس الراحل بورقيبة يجمعنا الإمام مالك و الكسكس- أن نضع خطة عملية تدريجية و نهائية.

{ هل تعتقدون أن مشكل الصحراء المغربية يشكل عائقا أمام وحدة المغرب العربي؟
> كل المشاكل العالقة لا يمكن تجاوزها إلا بمشروع أكبر منها و أهم

{ في هذا الإطار، تقدم المغرب بمشروع الحكم الذاتي الذي صفقت له مجموعة من الدول، من أجل طي صفحة هذا المشكل،

ما موقفكم من هذا المشروع؟

> أنا لا أشك في حسن نية المغرب و لا أشك في أن كل المبادرات التي قام بها كانت طيبة و إيجابية، لكن المشكل الأساسي اليوم في الاتحاد المغاربي هو بين الجزائر و المغرب، الدولتين القطبين. فعلينا جميعا أن نسعى في تضييق هذه الفجوة بين المغرب و الجزائر، و من مصلحة الدول الصغيرة و أحزابها أن تبذل كل جهد من أجل تضييق الهوة و تسوية الخلاف بين البلدين الكبيرين. و عندما نخلق مناخا جديدا و أهداف مشتركة متوسطة أو طويلة الأجل، تذوب هذه القضايا و تُحل.

{ فأنتم تدعون إذن إلى طاولة حوار بين الجزائر و المغرب؟

> أنا أدعو إلى طاولة حوار بين المغاربة جميعا، بين الدول المغاربية و الأحزاب المغاربية، على أن يكون دور الدول و دور الأحزاب، من غير المغرب و الجزائر، هو تسهيل التقارب. و أضرب لكم مثلا عن الوحدة الأوربية ، فقد كانت هناك عداوات تاريخية تمتد لقرون بين ألمانيا وفرنسا و بين فرنسا و بريطانيا و بين فرنسا و إيطاليا و …و كانت دول البينيلوكس، أي بلجيكا وهولندا واللكسمبورغ، الدول الأوربية الصغيرة، هي التي تلعب الدور الخفي والهام جدا من أجل التوافق، و نتيجة للصبر و المثابرة والحنكة السياسية وتحديد الأهداف والمحطات استطاعوا تجاوز خلافاتهم و بناء وحدتهم.

{ هل هذا يعني أن لموريتانيا دور؟

> طبعا لموريتانيا دور و لتونس و لليبيا دور. و لكل مواطن عربي في المنطقة دور..

{ هل في برنامج التكتل الديمقرطي الموريتاني مشروع لدور يلعبه على غرار الدور الذي لعبته دول البينيلوكس؟
> نحن و بكل تواضع و بكل نكران ذات، نعتبر ذلك واجبا، و مصلحة لنا، فلنتصور لا قدر الله، لو حصلت اشتباكات بين المغرب و الجزائر، من يكون ضحيتها؟ موريتانيا و جميع دول الجوار. إذن فدور كل مواطن مغاربي أن يبذل جهدا من أجل تذليل هذه المشاكل، و أكثرها نفسي لأن كل ما يخدم مصلحة المغرب يخدم مصلحة الجزائر.

{ ما هي قراءتكم لما يحدث في الساحل و الصحراء من إرهاب و تدفق للسلاح بعد سقوط نظام القذافي و من تدخل أجنبي في مالي؟

> الكل يتضرر و سيتضرر أكثر مما يحدث في الصحراء المالية، لكن موريتانيا بصورة خاصة تضررت الضرر الأعظم ، لأنها ترتبط مع مالي ب 2230 كيلومتر من الحدود المفتوحة، حيث لا توجد حواجز جبلية و لا أنهار و لا أي حاجز طبيعي يمنع المرور من جهة إلى أخرى.
و قضية الصحراء ليست بالقضية البسيطة، فإضافة إلى مشكل التهريب بأنواعه، هناك احتضان الصحراء لثروات ضخمة جدا من جميع أنواع المناجم و خصوصا – حسب التنقيبات الأولية و صور الأقمار الصناعية- كميات كبيرة من النفط و الغاز، علاوة على اليورانيوم الذي تنتجه حاليا النيجر و الموجود بكميات هائلة في موريتانيا أيضا. و أنا كمحافظ للبنك المركزي الموريتاني سنة 1975 ، وقعتُ معاهدة للتحويل مع مجموعة من الشركات المنجمية من بينها «المفوضية العليا للطاقة النووية» و «أجيب» و «بريتيش بتروليوم» و مجموعة يابانية، كانت تعتزم في حينها إنتاج 2000 طن سنويا من اليورانيوم من موريتانيا وحدها. ناهيك عن المعادن الثمينة مثل الذهب و النحاس و الحديد ناهيك عن الفوسفاط….

{ هل من الممكن أن يشكل الحوار الحزبي السياسي، مانعا ضد من يلوحون بالمزيد من التدخل العسكري في مالي؟

> لا شك أن الجانب السياسي مهم، لتنوير الرأي العام و الحيلولة دون الحرب و دون التدخل بصورة مفرطة، لأنه لو كنا نصاحب القول بالفعل لما حصل التدخل في مالي، فأنا أعتبر التدخل في مالي تدخلا في موريتانيا، لأنه حسب المعلومات التي لدي، هناك الآن مائة ألف لاجيء مالي في موريتانيا، و أنتم تعرفون الظروف الاقتصادية الهشة لموريتانيا، و إسناد الضعيف على الضعيف يؤدي إلى سقوطهما، هذا يعني أننا كمواطنين مغاربيين و أفارقة و كأحزاب و حكومات مسؤولين و علينا أن ندرك مصلحتنا التي لا ينبغي التهاون بشأنها

{ نفهم من كلامكم أن الوضع في مالي أثر بشكل سلبي على الوضع في موريتانيا؟.

> التأثير ليس فقط على موريتانيا، بل أيضا على المغرب الذي يبدو بعيدا إلى حد ما، ناهيك عن الجزائر و عن ليبيا. لقد تم الحديث عن تدفق السلاح الليبي عبر الحدود إلى مالي، لو كان هناك سياسة موحدة لو كان هناك مغرب عربي واحد لما وقع هذا الشيء. فالرئيس النيجري «يوسوفو ممادو» مثلا، كان ذكيا و واجه القوات التي أرادت أن تدخل التراب النيجري من ليبيا و نزع منهم بالقوة أسلحتهم، هذا معناه أن هناك دولة في النيجر، لكن أن تكون البلد في سبات ثم يُكتشف أن أسلحة دخلت من ليبيا فهذا يعني أن ليس هناك دولة بمعنى الكلمة.
{ تقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، في إطار قيادته الجديدة، بمقترح لتأسيس تجمع للأحزاب الاشتراكية في دول الساحل و الصحراء و هو يقوم بالاتصالات من أجل إنجاز هذا المشروع. فما هي وجهة نظركم في هذا المشروع باعتباركم شريكا لنا في هذا المقترح، و هل من الممكن أن ينجح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في هذا التوجه الجديد لجمع شتات الأحزاب الاشتراكية في منطقة «سين صاد»؟
> لا ننسى أني بدأت بالقول أن المهم هو العمل و ليس القول فحسب. نحن ننوه بمبادرة حزب الاتحاد الاشتراكي و نشكره عليها، و أضيف بأن فكرة «سين صاد» جيدة و لكنها على غرار ما سبقها ظلت حبرا على ورق. نحن نريد قطيعة إيجابية مع الماضي تكون سندا للمستقبل تتمثل في أن نقول ما نفعل و نفعل ما نقول.
نحن نعتقد بأن أي مشروع لا يمكن أن ينجح إلا إذا تضافرت جهودنا جميعا، كل حسب جهده و قدرته، فللمغرب فضل المبادرة و لكن الجزائر أساسية في هذا المشروع و التقارب المغربي الجزائري أساسي في هذا المجال.

{ أخيرا، أستاذ، هل لكم أن تحدثونا عن الوضع الداخلي في موريتانيا؟

> الوضع في موريتانيا مُزر جدا. فنحن لدينا حكم عسكري جاء على متن دبابة و يتصور أن تسير الشعوب في القضايا السياسية الكبرى، و العلاقات الدولية على غرار الأوامر العسكرية: يمين يسار أمام. و هذا ليس ممكنا فالشعوب أصبحت اليوم تتطلع لكرامتها أولا و ترفض «الحُكرة» كما يقول إخواننا الجزائريون.

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 7/10/2013