يقول تعالى ” ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ..”سورة الرعد

مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 10يوليوز 2013

…ان الحديث عن التغيير والاصلاح في المجتمعات البشرية عامة والاسلامية خاصة تتقاسمه العديد من المرتكزات والاهداف خاصة في الشق المادي منه وحتى في العديد من المناحي الفكرية والروحية اضافة الى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والسياسية …ذلك لان متطلبات العيش الكريم وبناء المجتمعات والحضارات هي ضرورات حياتية ووجودية مرتبطة بالطبيعة البشرية فطرة وتطبعا وبناء ……..مع وجود الاختلاف في المرجعيات وفهم  المقاصد والدلالات …وبقراءة تاريخ البشرية سنقف على حقيقة التكامل والتلاقح والتشارك في العديد من المجالات فمثلا الجزيرة العربية قبل الرسالة المحمدية تم وصفها بانها تعيش في جاهلية رغم وجود العديد من القيم والفنون والاداب والحضارات القديمة وكانت تحيط بها شعوب ودول وامم اكثر تحضرا وتمدنا وتقدما في العديد من العلوم الانسانية والطبيعية  والصناعات ….سواء باليمن او فارس او الشام او اسيا او اوروبا ….

وكل هذا التباين والتنوع هو نتاج لعمليات التغيير واعادة تشكيل الوعي وتجدده  التي يقوم بها الانسان بشكل متدرج عبر عصور وقرون بالاعتماد على قدراته الشخصية واجتهاداته او بدعم وتوجيه من الديانات التي تجعل لكل ذلك العمل اهدافا وترتب عليه اثارا وجزاءات ليصبح التغيير البناء منتجا للمصلحة العامة  للناس على العموم ولمصلحة الفرد  باعتباره جزءا من الجماعة ينعكس عليه ما ينعكس عليهم وباعتباره  فردا مستقلا بسعيه للمكانة التي ترفع شانه بين الناس .. وامام الاله بالفوز برضاه ورحمته  وجناته ..

لهذا لنا ان نجزم بان الاسلام جاء ليخرج الناس وليس المسلمين فقط  من ظلمات الجهل بكل انواعه الى انوار المعارف والعلوم والحقائق …وجاء ليغير واقعنا في كل الازمنة والامكنة مادام الانسان موجودا  واشترط لذلك تغيير  الفرد  لنفسه قبل الدعوة لتغيير فرد اخر  اومجتمعه او العالم ..لان فاقد الشئ لايعطيه ولان من فسدت نفسه وتلبستها الكراهية والحقد والبغض والنفاق لايمكن ان يصدر عنه الا ما يبث ما في نفسه بمجتمعه …لهذا اصطفى الله الانبياء المطهرين الصالحين باطنا وظاهرا والمعصومين ليقودوا التغيير والاصلاح بتعليم الناس وهدايتهم وفتح طريق الفهم الصحيح للعلوم الدينية والشرعية والطبيعية ..ولهذا اشترط الله سبحانه  لانجاح العملية في شموليتها التغيير الذاتي بتقويم النفس ونقدها واصلاحها وتنويرها وتعليمها وتهديبها وتجسد ذلك في ممارسات صاحبها ومواقفه وقراراته …….

فعندما يقول تعالى ” ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ” فان المعاني المستنبطة من النص تقتضي ان تكون هناك ارادة ونية صادقة في التغيير ..وان عملية التغيير تتطلب الانطلاق من الانا نفسا وفكرا وقلبا وسلوكات وعلاقات عامة ..وان نجاح التغيير بالمجتمع  نحو الايجاب والاصلح  والافضل  لايمكن ان يـيسر الله حصوله الا بعد التغيير الذاتي …………..وفي هذا السياق قال شيخ الاسلام ابن تيمية  في ” الفتاوى” في” رسالة  في الحسبة  ما نصه .”فان الناس لم يتنازعوا في ان عاقبة  الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى ..” الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وان كانت مؤمنة “

وقال الإمام الذهبي في ” السير ”  :” قُلْتُ: فَرِحنَا بِمَصِيْرِ الأَمْرِ إِلَيْهِم ، وَلَكِنْ – وَاللهِ – سَاءنَا مَا جَرَى ؛ لِمَا جَرَى مِنْ سُيُولِ الدِّمَاءِ ، وَالسَّبْيِ، وَالنَّهْبِ – فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ – فَالدَّولَةُ الظَّالِمَةُ مَعَ الأَمنِ وَحَقنِ الدِّمَاءِ ، وَلاَ دَوْلَةً عَادلَةً تُنتَهَكُ دُوْنَهَا المَحَارِمُ ، وَأَنَّى لَهَا العَدْلُ ؟ بَلْ أَتَتْ دَوْلَةً أَعْجَمِيَّةً خُرَاسَانِيَّةً جَبَّارَةً، مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ”

….لهذا نجد امما غير مؤمنة بديننا خطت خطوات مهمة بفهما لهذه القاعدة ولو انها لم تطلع عليها  فبنت وشيدت دولتها وحكمها واعمالها بالديموقراطية وارساء دولة المؤسسات والحقوق والنمو والمعرفة وتفوقت علينا في العديد من المجالات وسبقتنا زمنيا بمدد كبيرة واصبحت تتحكم بسبب ذلك في مصائرنا وسياساتنا بل حتى في مستوى تقدمنا وتخلفنا وامتلاكها  القدرة على توجيه وضبط سياسات العديد من الدول …ان التغيير الذي لايستطيع ان يجعل  الحقائق العقدية الروحية الايمانية مجسدة في السلوك المجتمعي والرسمي للحكام وسياسات الدولة وممارسات الافراد داخل المجتمع والاحزاب والهيئات  والمؤسسات …ولا يستطيع ان يترجم كل ذلك في العدل والحرية والكرامة والتماسك الاجتماعي والتضامن  اقتصاديا ومدنيا ..واطلاق كل المبادرات العلمية والتقنية والفكرية للابداع والرقي …لايمكن ان يحقق اية قيمة مضافة مما  تحمله الاية الكريمة من دلالات التغيير ……بل يتعسف في الفهم ويضيق افقه الرحب ويكرس الجمود والتقوقع والانهزامية ويدعي انه على صواب فيصنف كل من لم يعتمد رايه او فهمه بانه خارج عن الملة …فهل الامة التي دعاها الله لتغير نفسها وتغير واقعها وتبني مجدها تصل لذلك بما نراه في مضامين العديد  من القرارات  _ حتى لا اسميها فتاوى _ وبالعديد من الممارسات التي اوصلت  مناطق  كثيرة الى متاهات التكفير والتكفير المضاد والاقتتال والاحتراب واشعال نيران الفتن والحروب مما ادى الى خراب البيوت والاسر والاقتصادات والتشرد واتلاف ما بناه الاجداد من حضارات عبر قرون في ايام واشهر  …ليقدموا بذلك صورا عن امتنا يستنكرها كل اهل الدار من ملة سيدنا محمد “ص”- الا من ابى وتعصب لرايه- كما يستنكرها ويتبرا منها امم اخرى ..وتوظفها ملل لمحاربة الاسلام والمسلمين واظهارهم على نقيض  حقيقة ما جاء به الكتاب والسنة من اننا جئنا لنخرج الناس من الظلمات الى النور ولننشر العدل ولنحمي المظلوم ولنرعى البشرية ونضمن لها حرية المعتقد والايمان مع الكرامة …وليصورونا وكاننا الخطر القائم والظلم البائن والعنصرية البغيضة و المطلقة وباننا نعشق الدماء ونتلدد  بانتهاك حرمات وخصوصيات الناس …؟؟ولعياذ بالله

يقول تعالى ” ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم ”

وسئل الشيخ عبد العزيز بلباز رحمه الله عن الاية ففسرها قائلا ” الاية الكريمة اية عظيمة تدل على ان الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته لا يغير ما بقوم من خير الى شر ومن شر الى خير ومن رخاء الى شدة ومن شدة الى رخاء حتى يغيروا ما بانفسهم …”

 

… قد اعتبر الكواكبي  العمل  التربوي الموجّه إلى محاربة الجهل بمثابة أساس للتغيير باعتبار أن جهل الناس هو الذي يخلق شروط بقاء الاستبداد، وأن تحسين الأخلاق هو الذي يعيد إلى الإسلام بقاءه.

 

وقال الكواكبي في ((طبائعه)): “إنَّ المستبدين لا يهتمون بالعلوم المدنيَّة، بينما يتركون الناس يدرسون العلوم الدينيَّة لأن المستبد “لا يخاف من العلوم الدينية لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهَّى بها المتهوسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور؛ فصاروا لا يرون علمًا غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شر السكران إذا خمر”.

اننا ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك لابد ان ندرك انه شهر للتامل والتغيير بامتياز ومرحلة لتربية النفس والروح وتهذيبهما وليس اضرابا عن الاكل والشراب لساعات محدودة …انه يذكرنا بعظمة الخالق وعدلة ويذكرنا باخطائنا وانزلاقاتنا ..انه يذكرنا بالجشع والاثراء السريع وغير المشروع ..انه يذكرنا بالفقراء والحيف الذي يطالهم والتهميش ..انه يذكرنا بالظلم والانتهاكات وترويع الناس ..انه ينبهنا لضعفنا وضرورة تواضعنا …انه مدرسة للتغيير والتهذيب ومراجعة النفس وتصحيح الاخطاء والاقلاع عن كل ما يسئ للفرد والجماعة والامة …ليس في هذا الشهر فقط بل في سائر ايام السنه …
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة  ان يدع طعامه و شرابه “…صدق رسول الله