من يتآمر على رئيس الحكومة …؟

حسناء أبو زيد

يتداول الرأي العام الخافت صراحة عن مؤامرة تُحاكُ ضد رئيس الحكومة؛ وتكاد تُنسج خيوط شبكة متداخلة من الأحداث والمستجدات والتخمينات وأدوات الربط بينها من أجل الإقرار باستفحال طعم التآمر على الحكومة؛ فمن يتآمر على رئيس الحكومة أو على الأستاذ بنكيران؛ ولم لا على حزب العدالة والتنمية .
أعتقد أن النمط السردي للأحداث والمواقف والخرجات لمختلف الفاعلين واعتبارها شاهد إثبات؛ لا يشكل وحده المدخل الأمثل لاكتشاف الجهة التي تتآمر على رئيس الحكومة وحزبه؛ إذ تحمل كل الأحداث في ثناياها تركيبة متشابكة متناقضة؛ يستحيل عبرها استخراج خيوط المؤامرة أو أدلة أو إثباتات مجردة وموضوعية؛ تؤكد أو تنفي التآمر؛ إذ لا يكفي في اعتقادي أن نستشهد بأزمة الأغلبية أو بالفورة القياسية للاحتجاجات والإضرابات؛ أو بالانتقاد اللاذع المضطرد للاختيارات الحكومية؛ أو صراعات المعارضة والأغلبية وجولاتها التي لا تكاد تنتهي إلا كي تستأنف؛ أو التعنت النقابي الذي يشكل هوية النضال العمالي؛
مع التسطير بقوة تحت النيران المتواترة التي توجهها مكونات فاعلة في القطب العمومي والإعلام عموماً وفي اتحاد مقاولات المغرب؛ مبوبة في الامتدادات التابعة للمستشارين الملكيين؛ لا يكفي أن ندفع بأن هذه الدينامية التي تتخللها لحظات تجاوز من كافة الأطراف؛ تشكل دليل التآمر على رئيس الحكومة وحزبه المحترم، منطق التعاقد السياسي قائم بالأساس على تنظيم الصراع؛ وفي اللحظات التأسيسية بعد الدساتير؛ وفي لحظات كتابة القوانين المؤسسة؛ يتأجج الصراع ويأخذ مناحي أقوى وأكثر حيوية ويتحول إلى صراع بقاءٍ ووجود، يتناحر فيه الفاعلون من أجل البقاء والإمساك بخيوط التحولات بقيادة المبادرات وافتعال الأحداث  وشحن الساحات العمومية بالحضور الذي أصبح يأخذ في أحيان كثيرة شكل اللغط والعنف والصدامية.
أعتقد أن التشابك والتضارب الذي تحمله كل الأحداث والخرجات والمواقف، والتي تشل مرجعيات التحليل والقراءة؛ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسؤال الاستقلالية؛ والذي يجد امتداداته في ترسبات ماقبل الحسم في الخيار الديمقراطي كخيار لا رجعة فيه؛ والتي لا تزال متجذرة ونشيطة وممسكة بالأذرع الفاعلة في المنظومة المجتمعية؛ فإذا أقدم الدستور الأخير على فتح الباب أمام تصور متقدم لبعض السلط والمؤسسات ونص على مجموعة من المبادئ والمفاهيم الكونية، فإن البنية المجتمعية والسياسية لم تغير وسائلها أو أسماءها أو آليتها ولم تمحو عناوين صانعيها وأسماء أولياء مصيرها وعتبات ولاءاتها؛ ولعل الخرجات الصدامية التي قادتها أسماء القطب العمومي في تجاوز لصلاحياتها وأدوارها، تشكل أخطرها وأكثرها دلالة على طبيعة الصراع إذا ما ربطناها جدلا بالقرب من المحيط الملكي .
يبقى سؤال الاستقلالية؛ الذي سيقض مضجع العملية السياسية برمتها؛ والذي ينخر الهيئات السياسية من الداخل؛ ويطرد السكينة من التجمعات النقابية والجمعوية ويرفع الطهرانية عن النضال والعمل الجماعي؛ ويكاد يحول الصالونات والميادين والمقاهي والجامعات وكل مستويات التجمعات البشرية؛ إلى مكاتب تحقيق وشرطة علمية مكلفة بكشف المؤامرات مع متهمين بدون قرينة البراءة؛ ولا شروط المحاكمة العادلة؛ لقد استشرت أورام التآمر داخل الإرادة السياسية في المغرب؛ وأضحت آلة فتاكة في يد السلطوية توظفها بالاستعمال المباشر أو بتخوين المبادرات المستقلة وتسميم الأجواء الطبيعية؛ وتنميط الخلافات والمواقف والمستجدات كآليات مقاومة وتشويش أبداً ودائماً؛ لا يستطيع أحد أن يجزم بأن قرارانسحاب حزب الاستقلال من الحكومة؛ خرج من رحم مجلسه الوطني أو من هاتف أمينه العام؛ لا يستطيع أحد أن يجزم هل تعيينات الولاة والعمال التي تبناها رئيس الحكومة كُتبت بمبادرته وباقتراح مستقل من الوزير المعني أم من مقربين مخلصين للدوائر العليا، كما لا يستطيع أحد أن يجزم أو ينفي  تبعية النيابة العامة لغير وزير العدل، ولا يستطيع أحد أن يفهم السرعة والمكوكية في استصدار قانون التعيينات في المناصب السامية قبل غيره وحشره في دورة استثنائية  انعقدت أصلا لمناقشة قانون المالية؛ والأمثلة لا منتهية ومستمرة في التشعب.
الذي يتآمر على رئيس الحكومة في اعتقادي ؛ هو الأستاذ بنكيران نفسه، حين يقر بمناسبة وبدون مناسبة أنه طالب بإصلاح وليس طالب بسلطة أو بحكم؛ وهنا يجر البساط بيديه من تحت قدميه؛ إذ كيف سينفذ دفاتره الإصلاحية دون سلطة أو حكم وإدارة وصلاحيات؛ وحين لا يدافع عن موقع وسلطة رئيس الحكومة المنتخب والشرعي؛ وحين يغرق في الحسابات ودفتر التحملات الحزبي والكثير مما لا نعرف؛ فاته أن عمر الهيئات السياسية في البلدان التي لم تحسم بنيويا ومؤسساتيا في الديمقراطية ؛ هو كعمر الفراش؛ قصير حالم مؤثر واندفاعي، كنزوات العاشقين؛ تمر مسرعة خاطفة إلا أنها تعصف بالجوامد والنصب والأسوار؛ وتبذل الأيام مكتسباً في دفاتر أوجاع المحرومين؛ الذي تآمر على الأستاذ بنكيران هم المؤمنون بالإصلاح أنفسهم ؛ حين جلسوا كالكبارليحلموا كالأطفال؛ أن التغيير يمكن أن يكون سلساً أو انسيابياً أو هادئاً؛ الأستاذ بنكيران المحترم وعبره حزبه المحترم؛ ونحن جميعاً؛ ارتجلنا أن المرحلة الجديدة ابتدأت مع الدستور الجديد والسياق الثوري العربي والإقليمي ؛ وأن الدولة المغربية بشعبها و بمحيطها الملكي ومؤسساتها وإدارتها وأمنها وهيئاتها؛ اغتسلت من خطاياها وأطماعها وعثراتها وممناعتها يوم 29 يوليوز؛ وانبعثت داخلها روح طاهرة مصلحة ملائكية؛ سيرفل معها الإصلاح في ثوب الممكن؛ وسندخل في بيات وئام جماعي؛ لا يتخلله إلا التهليل لمنجزات الحكومة المصلحة؛ والابتهال بالدعوة لها؛ في حين ستترفع هي عن الاستفراد بالوحي الإصلاحي؛ وستعترف لسلفها الصالح من الهيئات التي دبرت قبلها بأبوة الإصلاح وبالارتباط الجيني به دون خبرة بيولوجية؛ يعتقد الأستاذ بنكيران أنه بوليصة تأمين على الاستقرار؛ وطالما وشى بالمجهول الذي يُرابط في الثنايا الخلفية للشارع المغربي؛ وأنه والمجهول مرتبطان بانتفاء التساكن؛ وأنه وحده يمكن أن يطرده من الأفق المغربي…. ؛ لعله ولعلنا لم نسترق السمع لأنين الشارع في أيام الآحاد من كل أسبوع؛ يقول أريد حلا …!!!

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 11/7/2013