في الذكرى 56 لطريق الوحدة: حدث طريق الوحدة حدث رابط بين مسار الحركة الوطنية والتوجه نحو تثبيت الوحدة الوطنية و الترابية

الدكتور مصطفى الكتيري


يجسد الحدث التاريخي لبناء طريق الوحدة أسمى صور العمل التطوعي وأروع مواقف التعاون والتشارك والتضامن من أجل تجسيد فعلي لوحدة المغرب المستقل.

يتغيا قراءة هذا الحدث التاريخي المجيد والنوعي في ذكراه 56 لاستقراء قيمته التاريخية وإبراز منزلته الوطنية ثم تحديد حمولته الفكرية والسياسية والاجتماعية والخروج بخلاصات واستنباطات لتوضيح من خلاله الرسائل الكامنة بين ثناياه لإشاعة دروسه وعبره وقيمه في أوساط الناشئة والأجيال الجديدة لتتقوى فيها الروح الوطنية والاعتزاز بالانتماء الوطني والهوية المغربية.
فما هو التطوع وما هي أهدافه؟
فالتطوع هو المجهود الذي يقوم به الفرد بصفة اختيارية تلبية لرغبة ذاتية أو قناعة شخصية أو لنداء عام،من أجل إسداء خدمات للمجتمع دون مقابل مادي؛ وهي خدمات قد تتخذ أشكالا وصيغا متعددة من قبيل العمل أو العلم أو الرأي أو التمويل رغبة من الفاعل أو الفاعلين في مساعدة المجتمع وتنميته عن طريق استخدام الموارد الخاصة البشرية منها أو المادية.
ويدل الوعي بأهمية التطوع وممارسته على التفاعل الإيجابي للأفراد تجاه مجتمعهم، كما يعكس مدى تطور القناعات الوطنية الحقة لديهم ويحدد مقدار تجدر مبادئ المواطنة الإيجابية في أفكارهم مما يولد الرغبة في نفوسهم للنهوض ببلدهم وتنميته في كافة المجالات. ولا يمكن حصر الآثار الإيجابية للعمل التطوعي على المجتمع فحسب، وإنما يعد التطوع من أهم الوسائل المساعدة على بناء شخصية المتطوع وتطويره مهاريا ودمجه اجتماعيا وتهذيبه أخلاقيا، إذ تكمن أهمية الأوراش التطوعية في نشرها لقيم مدنية ولسلوكيات حضارية ولمفاهيم وإيديولوجيات جديدة بين المتطوعين والتي يمكن حصرها فيما يلي:
– احترام الفرد لمبادئ ومقومات وثوابت مجتمعه ووطنه وهويته وأرضه وبيئته
– إدراك الفرد لوجوده كعضو داخل جماعة (وهنا أتحدث عن الجماعة بمفهومها الواسع الحديث التي تبدأ بالأسرة والمدرسة والمعمل والحقل وتنتهي بالمجتمع الإنساني)
– استحضار الوازع الأخلاقي
– الالتزام بالواجبات واحترام الحقوق
– اعتماد مبادئ العدالة والديمقراطية والإنتاجية والتضامن اجتماعيا وسياسيا وتربويا
– ممارسة الحرية في إطار المسؤولية
– احترام الأفراد والجماعة لمبادئ وقيم حقوق الإنسان.
يحيلنا ما سبق ذكره على سؤال شبه فلسفي وتاريخي  عن دور الأوراش التطوعية في البناء الوحدوي وهو: إلى أي حد تستطيع الأوراش التطوعية أن تصبح عاملا حاسما لإحداث الفرق أو التغيير بين المغرب المستعمَر والمغرب المستقل؟ أو بمعنى آخر هل يمكن اعتبار الورش التطوعي آلية مساعدة على تجاوز مخلفات الفترة الاستعمارية ؟ إذا ما عدنا لفترات سابقة من تاريخ الدولة المغربية فسنجد أن للعمل التطوعي مكانة خاصة في المجتمع المغربي الذي لعبت فيه المؤسسة الدينية (الزوايا والرباطات والمساجد) دورا بارزا إن لم نقل حاسما في تحديد ورسم ومن ثم تحصين الهوية الثقافية للأفراد والجماعات، وهي هوية وُسمت بمفاهيم وممارسات متصلة ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالدين الإسلامي وحمولته من قبيل (الصدقة الجارية)، (التويزة)،( عمل الخير) وغيرها من الأعمال والأشغال والأفعال التي يتم القيام بها بشكل جماعي أو فردي ودون مقابل ويتوخى منها تحقيق المنفعة العامة أوَّلاً ويُبتغى منها الأجر والثواب ثانيا.
وخلال مرحلة الكفاح الوطني من أجل الاستقلال سار رجال المقاومة والفداء والحركة الوطنية المتشبعين بتلك الأفكار والمغترفين من معينها على نفس النهج والمنوال وهم يواجهون الاستعمار، إذ استرخصوا أنفسهم ووهبوا أموالهم وقدموا بنيهم فداء للوطن غير مبتغين جزاء ولا شكورا وإنما دافعهم في ذلك وحافزهم؛ غيرتهم الوطنية وأنفتهم وعزتهم وكبرياؤهم.
كما عمل بعض من مجاهدي الحركة الوطنية وأعلامها وهم يواجهون مسخا ثقافيا للهوية والشخصية المغربية من قبل المستعمر على نشر الأفكار والقيم المغربية الأصيلة المتأصلة عن طريق التطوع ببناء المدارس الحرة أو التطوع للاشتغال بها، خاصة وأنها عُدت خير سند للمسجد والزاوية لبث الوعي الفردي والجماعي بالحواضر لمواجهة تحديات المرحلة أوَّلاً وثانيا لإعداد اللبنات البشرية التي ستشكل حجر الزاوية للمجتمع المغربي المستقل الموحد.
أما في السنوات الأولى للاستقلال فقد شكل الورش التطوعي محور اهتمام رجال الفكر والسياسة المغاربة الذين اعتبروا أن مثل تلك الأوراش هي وحدها الكفيلة برص صف المجتمع المغربي وشد لُحمته، وأنها الطريق الأمثل لمتابعة مسيرة التحرير في أفق وحدة كل تراب الوطن بعدما أن قُطِّعت أوصاله من طرف قوى استعمارية متكالبة لم تجد من وسيلة غير ذلك لإخضاعه والتمكن من مقدراته. وأنها، أي الأوراش التطوعية، السبيل الأنجع للاقتراب من قاعدة المجتمع وقواه الشابة العاملة والالتحام بها والإنصات إلى نبضها، وأنها الطريقة الأمثل لدفع فئات وطبقات المجتمع لتمتزج عناصرها عموديا وتنصهر مكوناتها أفقيا مقدمة منظومة متكاملة في بوتقة بشرية وجغرافية واحدة اسمها المملكة المغربية، وهذا ما جسده بوضوح مشروع طريق الوحدة .
لقد كانت صيانة المكتسبات التي تم تحقيقها عبر الفداء والمقاومة والعمل الوطني، والانتقال بها إلى صرح البناء والوحدة مطمحا غاليا لدى العرش والحركة الوطنية ورجال المقاومة وجيش التحرير، ذلك الانتقال الذي يترجم انعتاق البلاد من الجمود والاستكانة والتواكل لمجابهة البؤس والتخلف وبلوغ التمدن والرقي، وهو ما كان يعبر عنه بالجهاد الأكبر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بالتعبئة الشاملة والعقلانية، واستغلال الرأسمال البشري المتمثل في طاقات شباب المغرب وقواه العاملة.
لقد آمن جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه بأن إنجاز أي مشروع مجتمعي حاضرا أو مستقبلا لن يتأتى إلا بتضافر الجهود الشعبية بالجهود الحكومية. حيث قال في إحدى خطبه: »إننا نحث المسؤولين في مختلف أنحاء البلاد أن يستفيدوا من استعدادكم للتجند في سبيل مشاريع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي تتوقف عليها البلاد، ولا تنسوا أبدا أن المغرب سيظل دائما في احتياج إليكم وأنه سيصبح بفضل عزيمة الأمة المغربية ميدانا واسعا لمشاريع تتطلب تجنيد الشباب«.
وتحدث صاحب السمو الملكي وولي العهد آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه في نفس السياق خلال درس تعبوي بعنوان «تعبئة الشباب لبناء المغرب الجديد» عن أهمية المشاركة في الورش التطوعي، والتي ستكون إقليمية حتى يأخذ الكل نصيبه من التجربة والخبرة، والتي يتم استغلالها في القيام بمشاريع محلية مماثلة. كما شدد على أن الورش فرصة لبناء وحدة روحية بين شباب المغرب تجعلهم يتجاوبون ويتعاضدون كلما دعت المصلحة الوطنية إلى ذلك، هذا بقطع النظر عن العقيدة أو النزعة أو الاتجاه السياسي أو الديني. وأكد هذا التوجه وتلك الفلسفة الملكية أيضا الشهيد المهدي بن بركة بشكل تفصيلي في الكلمة التي ألقاها في جموع متطوعي المرحلة الأولى عند زيارته التفقدية للأوراش يومي 21 و 22 يوليوز 1957، و التي عدد فيها الخصاص الكبير الذي لازال المغرب المستقل يعانيه على مستوى البنيات والكفاءات، وضرورة تلاحم كل القوى من أجل رفع التحدي وبناء المغرب الجديد، مقدما مشروع طريق الوحدة كنموذج ومبادرة يمكن إنجازها بنجاح وأن تشكل جسرا أساسيا لنقل آثارها ونتائجها الإيجابية إلى مختلف جهات الوطن، وفي ذلك يقول: « لم يمض على استقلال المغرب إلا سنة وبضعة شهور حتى بدأنا في التفكير الجدي للبحث عن كيفية بناء الاستقلال، ونحن لا زلنا لم نتشبع بالعلم، ولا زلنا في طور البناء، ولا زال عدد الفنيين يحصى على رؤوس الأصابع، وما زال اتصالنا ببعضنا ضعيفا نظرا للحواجز والسدود التي كانت موجودة بيننا، وقد وجدنا المهمة شاقة، والبناء مستعجلا، والمغرب لا يمكنه أن ينتظر، خصوصا وأن النظم الاستعمارية في جميع البلدان لا يتسرب إليها يأس الرجوع إلى البلاد التي نالت استقلالها . ونرى من الواجب علينا في الوقت الذي نحصن فيه استقلالنا على أسس صحيحة، وأن نسرع في بناء المنزل الجديد، الذي هو المغرب الجديد، بالوسائل والإمكانيات رغم قلتها.» لقد كانت الأفكار الواردة في خطاب جلالة المغفور له محمد الخامس وولي عهده آنذاك وجل المتدخلين في الدروس التوعوية المصاحبة للورش التطوعي ترجمة للشعور الوطني الثاقب، حيث كان الكل يرى أن اندحار الاستعمار لم يكن مطمحا أوحدا ونهائيا للعرش والشعب، وإنما مرحلة أولى ولَّدت تحديا جديدا متمثلا في صيانة المكتسبات والانتقال بها إلى صرح الاستقلال الحقيقي المترجم في انعتاق الوطن من ربقة الجمود، واستنهاض قواه الحية لمجابهة البؤس والتخلف وبلوغ التمدن والرقي، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بالتعبئة الشاملة والعقلانية، واستغلال الرأسمال البشري المتمثل في طاقات الشباب.
بدأت إذا العملية بتوجيه نداء للشعب المغربي من قبل جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يوم 15يونيو 1957 من مدينة مراكش، دعاه فيه إلى التعبئة العامة للمساهمة في مشروع طريق الوحدة، الذي عُد التجربة الأولى والنواة الأساسية لعدة مشاريع اجتماعية وتنموية أخرى كان يُعتزم أن يتجند لها مواطنون ومواطنات شباب وشابات عمال وعاملات ليشاركوا في بناء الوطن وتدعيم أركان الاستقلال. وقد كان تطوع ولي العهد آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله مثواه بمثابة فاتحة عهد جديد تجعل الوطن ومصلحته فوق الجميع وتؤكد على ضرورة نكران الذات والتشبث بصرح الوطن. لقد أعطى رحمه الله مصداقية كبيرة لذلك الورش التطوعي، إذ ما لبث أن التحقت به مجموعة من رجالات الحركة الوطنية، الذين أبوا إلا أن ينخرطوا بدورهم في المشروع إلى جانب الطلبة والموظفين والعمال والفلاحين ورجال المقاومة وجيش التحرير والحركة الوطنية. إنه نداء الوطن الذي يتردد صداه في كل القلوب الحية السليمة التي تتنفس أوكسجينا إسمه حب الوطن. ودون أن ندخل في تفاصيل الأعداد الكبيرة لطلبات الانخراط التي زادت عن 50 ألف طلب، نشير فقط إلى أن تلك الطلبات لم تنحصر في الحدود الوطنية، وإنما تعدتها لترد من بلدان شمال إفريقيا تعبيرا عن الروابط المغاربية وتجسيدا لوحدة شعوبها ومصيرها المشترك، وهكذا بلغ عدد المسجلين من الشباب الجزائري على سبيل المثال في نهاية شهر يونيو أزيد من 300 شاب ممن توفرت فيهم شروط التطوع.
لقد وجد الشباب المغربي في ورش طريق الوحدة ميدانا لتفجير طاقاته وتعويد نفسه على خدمة الأمة والتضحية في سبيلها، كما اعتبره فضاء تعليميا وتكوينيا بما وفره على هامش الأشغال البدنية من محاضرات ودروس بلغ عددها 27 درسا ألقيت من طرف رجال الفكر والسياسة والتقنيين والفنيين ورجال الحركة الوطنية والذين نذكر منهم إلى جانب ولي العهد والشهيد المهدي بن بركة: عبد الرحيم بوعبيد، علال الفاسي، قاسم الزهيري، المحجوب بن الصديق، عبد الكريم غلاب، المهدي بن عبد الجليل، محمد الحبابي، كي مارتيني، من بين آخرين. فكان من نتائج ذلك أن آمن الشباب المغربي بأهمية وفاعلية المشروع وبحقيقة الحياة الشريفة عن طريق تحرير الشعب من عبودية الاستعمار ومن الحصار الذي ضُرب عليه لمدة طويلة. ولعل العبرة من شق وفتح الطريق بسواعد الشباب المغربي، لهي التدرب على إنجاز الأعمال وتحقيق التنمية والرقي للبلاد اعتمادا على الطاقات المحلية، خصوصا في البدايات الأولى لبناء المغرب الجديد، حيث ساهم الورش ودروس التكوين المفتوحة على هامشه، بشكل كبير في إعادة الشباب إلى مسقط رؤوسهم مزودين بدروس كان لها تأثيرها وأثرها البارز في تكوينهم الوطني والاجتماعي، وتفتحت أبصارهم وبصائرهم على واجباتهم بصفتهم أبناء وطن أخذ يشق طريقه نحو الحياة الديمقراطية العصرية.
لقد كان الإيمان المتواصل بمجهودات الشهداء الأبرار والأبطال الأحرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إحدى المحفزات التي جعلت العاهل المغربي جلالة المغفور له محمد الخامس يؤكد على الشعب المغربي غير ما مرة بأن يكون أهلا لوراثة تلك الفئة المجاهدة والمناضلة من المجتمع المغربي والسير على خطاها وهديها، لأن اتحاد الأمة وإيمانها بنفسها هما الدعامتان الأساسيتان لفلاحها. ولذلك تم التأكيد على ضرورة شق طريق تربط مباشرة بين شطري منطقتي الحمايتين الفرنسية والإسبانية كتجسيد للوحدة الترابية وإعلان للتضامن الاجتماعي وشروع في التأسيس للتكامل الاقتصادي بين مختلف جهات ومناطق المغرب المستقل.
ففلسفة ورش طريق الوحدة وخوض تجربة العمل المدني الوطني، هي تأمين التمازج بين الشباب المشارك. فكان كل ورش صورة مصغرة من الصور الحقيقية للمجتمع المغربي، حيث كان أهل البدو والحضر يجالسون بعضهم بعضا، وسكان جبال الأطلس إلى جانب ساكنة الصحراء المغربية. لقد كان المغرب حاضرا وكل أقاليمه ممثلة. كما تركت المساهمة في طريق الوحدة بصماتها في نفوس المشاركين فيها، وفطن الكل إلى المرامي البعيدة لهذا المشروع النموذجي باعتباره مدرسة يستوجب استثمار دروسها وتوجيهاتها في تأهيل المدن والقرى التي انحدروا منها كلبنات جزئية يتمم بعضها بعضا في بناء صرح المغرب الجديد المتحرر؛ ومؤطرا تأهيليا يحسس المواطن المغربي بمدى أهمية انخراطه في خلق الوطن الموحد المتساوي بين مناطقه وربوعه والذي لا يمكن بلوغه إلا بالتضحية الجماعية ونبذ الفردانية .
وعلاقة بالحدث التاريخي لبناء طريق الوحدة، غداة استقلال بلادنا في صيف 1957، فإن من المحطات التاريخية البارزة التي توحي بالطموحات والتطلعات الوحدوية ما ينبغي استحضاره للتأكيد على جدلية الحركة الوطنية والوحدة الترابية، نذكر أهمها وأبرزها:
1-حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 حيث كان مطلب الاستقلال مرتبطا بالحفاظ على الوحدة الوطنية ومطلب البناء الديموقراطي.
2-الرحلة التاريخية لجلالة المغفور له محمد الخامس إلى طنجة في 9 أبريل 1947 والتي جسدت موقف التأكيد على المطالبة بالاستقلال جهارا وإيذانا بتثبيت وحدة البلاد شمالها بوسطها وجنوبها، بعدما شهد واقع الاحتلال الأجنبي وضع التقسيم والتجزئة إلى أطراف ومناطق نفوذ أربعة:
-منطقة الحماية الفرنسية في النفوذ الترابي لوسط البلاد وجنوبها؛
-منطقة الحماية الاسبانية في شمال الوطن
-منطقة الاستعمار الاسباني للأقاليم الجنوبية الصحراوية
-منطقة الحكم الدولي بطنجة.
وعليه شكلت الزيارة التاريخية لطنجة وقفة تشبت بالوحدة الترابية للوطن عبر عنها عاهل البلاد عندما خاطب وفد الصحفيين والإعلاميين بقوله: ‹›ها أنتم ترون أن المغرب أمة واحدة، بل عائلة واحدة وأن أمنية الأمة المغربية التي ستتحقق بعون الله، هي أمنية جميع الأمم العربية››.
3-زيارة جلالة المغفور له محمد الخامس لمدينة تطوان في 9 أبريل 1956 ليزف منها بشرى استقلال المنطقة الخاضعة للنفوذ الاسباني وتوحيد البلاد شمالها بجنوبها، في أعقاب عودة جلالته من مدريد بعد أن أجرى مفاوضات توجت بالتوقيع على معاهدة 7 أبريل 1956 القاضية باستكمال الاستقلال الوطني بشمال الوطن. ومما جاء في الخطاب التاريخي لجلالته بهذه المناسبة قوله رحمه الله: ‹›بالأمس عدنا من ديار فرنسا ووجهتنا عاصمة مملكتنا رباط الفتح لنزف منها إلى رعايانا بشائر الاستقلال، واليوم نعود من رحلتنا من الديار الاسبانية ووجهتنا تطوان قاعدة نواحي مملكتنا في الشمال، وتحت سماء هذه المدينة، قصدنا أن يرن صوت الإعلان بوحدة التراب إلى رعايانا في جميع أنحاء المملكة، وذلك رمزا إلى تتميم هذه الوحدة، وتثبيتها في الحال››. وتواصلت الرحلة الملكية إلى مدينة العرائش ثم بعدها إلى مدينة القصر الكبير التي خصها جلالته بوقفة تاريخية خالدة بعرباوة لتحطيم الحدود المصطنعة التي خلفها الوجود الاستعماري للفصل بين شمال المملكة وجنوبها .
4-الزيارة الملكية الميمونة لجلالة المغفور له محمد الخامس لمحاميد الغزلان حيث أعلن في خطابه التاريخي في 25 فبراير 1958 بالمناسبة عن حرص المغرب على استرجاع أقاليمه الجنوبية السليبة قائلا : ‹› سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لممتلكاتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة…››.
5-المسيرة الخضراء المظفرة لاسترجاع الأقاليم الجنوبية:
توج هذا المسار الوحدوي بالمسيرة الخضراء المظفرة التي أبدعتها العبقرية الفذة لجلالة المغفور له الحسن الثاني والتي شكلت حدثا جيليا متميزا ونوعيا استأثر باهتمام الملاحظين والمحللين والباحثين والمؤرخين لتنظيمه اللوجستيكي المحكم والإقبال الكبير الذي شهدته مراكز تسجيل المتطوعين للمشاركة في هذا المعلمة الكبرى التي شدت أنظار العالم وحظيت بتغطية إعلامية استثنائية جعلته يطغى على مختلف الأحداث التي كان العالم آنذاك مسرحا لها .
ففي 6 نونبر 1975، انطلقت حشود المتطوعين بنظام محكم وانضباط بديع أثار الإعجاب والتقدير، حاملين بأيديهم كتاب الله الكريم والأعلام الوطنية قاصدين أعماق الصحراء المغربية محطمين الحدود الوهمية التي فرقتهم لعدة عقود عن أهلهم وذويهم بهذه الأقاليم التي ظلت متشبثة على الدوام بمغربيتها، ومتمسكة بروابط البيعة . وقد واكب العالم بإعجاب وانبهار المراحل التي قطعتها حشود المتطوعين صوب الصحراء المغربية إلى أن تحقق الهدف المنشود واسترجاع المغاربة للأقاليم الصحراوية وانضمامها إلى حظيرة الوطن الأب، حيث سيتم إجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية في 28 فبراير 1976 ليرفرف العلم المغربي في سماء عيون الساقية الحمراء ثم ليتحقق استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 ويكتمل بذلك توحيد شمال المملكة بجنوبها وانغمار الأقاليم الصحراوية في مسيرة البناء والنماء التي تشهد منذ استعادتها نهضة اقتصادية واجتماعية وعمرانية وبشرية وثقافية كبرى.
وهاهو صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يواصل مسيرة البناء والنماء والتكافل الاجتماعي والتضامن وتحقيق المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي لكسب رهان التنمية الشاملة والمستدامة.
ويحق لنا أن نتساءل ونسائل الضمائر الحية والعزائم الصادقة:
هل ما زلنا على أفكار الورش التطوعي « طريق الوحدة»؟
إذا كان الشباب قد أحجم عن المساهمة في الأوراش التطوعية فما السبب؟
ما دور الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني في إحياء هذا التقليد الوطني؟
وما دور المدرسة والأسرة في زرع بذرة العمل التطوعي في نفوس الأطفال والناشئة؟
هل للنظم الاقتصادية الحالية دور في انحسار المساهمة في الأوراش التطوعية؟
وهل فتح الأوراش التطوعية هي مسؤولية مجتمع أم مسؤولية حكومة؟
إنها أسئلة وأخرى تكون الإجابة عنها كفيلة باتخاذ خطوات عملية لتنمية التطوع بين الشباب الذين يعدون من أهم الموارد البشرية ومن أقوى عوامل وعناصر التنمية الشاملة والمستدامة.
ومن هنا، فإن الكثير من الجهود التي يجب أن يقوم بها المجتمع ككل كي يعمل على إحياء مفهوم التطوع كسنة وطنية حميدة وخاصة بين الشباب: إذ أن انحسار العمل التطوعي يفقد الوطن الكثير من موارده التي من المكن أن تحقق نقلة حقيقية في التنمية والإصلاح، في الوقت الذي يعد فيه العمل التطوعي والإرادي معيارا ومؤشرا على تطور وأداء المجتمعات ورفعتها وارتقائها في مدارج التقدم والتنمية.

12/7/2013