كيف يعيش الشباب المغربيّ تحوّلات مجتمعه؟

رحمة بورقية ترجمة مصطفى النحال

I. مجتمعات متحوّلة
ما هي التحوّلات الكبرى التي يعرفها المجتمع، والتي لها تأثير على الشباب؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي إبراز خاصيتين اثنتين تميز شباب اليوم.
أ?. لقد كان الشباب دائما في قلب التحوّلات الاجتماعية، باعتبارهم فاعلين ومتفاعلين مع هذه التحوّلات. إن الذي بات يطبع زمننا اليوم، هو أنّ الشباب، الذي كان يعتبر بمثابة مرحلة عابرة في الحياة، وقوسا انتقاليا نحو سنّ البلوغ، أصبح أكثر اتساعا في دورة الحياة، وذلك بفعل عوامل اجتمتعية واقتصادية، مثل تمديد التربية ودمقرطتها، وارتفاع سن الزواج، وصعوبة الانخراط في سوق الشغل. طول مدة فترة الشباب هذه، تعمل على تأخير الاندماج في النظام الاجتماعيّ. وهذا ما يدل على أنّ ما نطلق عليه «مرحلة الشباب» باتت تطول أكثر فأكثر.
ب?. إنّ التحوّلات التي تعرفها المجتمعات النامية، وبالخصوص المجتمعات المغاربية، تمسّ في العمق نمط التطبيع الاجتماعي. ذلك أنّ ظواهر متعددة والتحوّلات المجتمعية يعيدان تشكيل نمط التطبيع الاجتماعي هذا.

1. ظاهرة العولمة:

لا يمكن للمرء، على الصعيد الماكروسوسيولوجي، أن يحيط المرء بمختلف التحوّلات التي يعرفها المجتمع بدون أنْ يستحضر سياق العولمة الذي أدى إلى خلق تعالق وترابط اقتصادي واجتماعيّ وثقافي بين المجتمعات.
وهذا التعالق يضع المجتمعات النامية داخل دينامية مزدوجة، إحداهما داخلية مرتبطة بتطوّرها الخاص وبتحوّلات بنيتها الاجتماعية والثقافية، في حين أن الثانية خارجية ترتبط الثانية بأثر ومفعول العولمة. ومن ثمّ إذن، فإن الشباب يتأثّرون بهذه الدينامية المزدوجة، ويجدون أنفسهم داخل مظاهر ثقافية معقدة للانتماء والانتساب الهوّيّاتيّ. وهذا ما يجعل شباب اليوم مختلفا عن الجيل السابق.
بهذه الكيفية وجد شباب اليوم نفسه خاضعا لتطبيع اجتماعيّ في إطار عولمة تطبع بطابعها العلاقة بسوق الشغل، مثلما تطبع نمط الحياة ونمط الاستهلاك والانتماء الثقافي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فإنّ السوق العالمية للشغل بإمكانها أنْ توفّر فرص العمل للشباب الحاصل على شهادات، والمتوفّر على كفاءات ومؤهلات لغوية. أما بالنسبة للشباب غير الحاصل على شهادات، فإن سوق الشغل تمارس عليه جاذبية، وبالتالي يدفعه دفعا إلى الهجرة الشرعية والسرّيّة. توفّر العولمة الفرصَ عبر انفتاح حدود سوق الشغل، غير أنّ التراتبيات الاجتماعية في صفوف الشباب تختلف بين أولئك الذين يتطلّعون إلى الهجرة السرية بحثا عن العمل في الغرب، وبين الذين يتوفّرون على كفاءات ومؤهلات لغوية تخوّل لهم إمكانات الحصول على الفرص التي توفّرها السوق العالمية للشغل.إنّ ما يميّز الشباب في سياق العولمة هو «وعيهم وحساسيتهم تجاه الظرفية»، (غالان، ص.5). ذلك أنّ الأزَمات المُجُتمعية، سواء أكانتْ أزمات سياسية أمْ اقتصاديّة أمْ ثقافية يكونُ لها مفعول وصدى على الشباب. ونحن نرى اليوم كيف أنّ الأزْمة الاقتصادية، التي تجتاح بلدانا في أوربا وجنوب حوض البحْر الأبْيض المتوسط، تؤثر على الشباب في نمط حياتهم، كما أنّ البطالة التي طالتْ وأخّرت انخراطهم في الحياة النشيطة أدّت إلى سُخْط شامل.
والحالُ أنّ الشباب باتَ يشكّل هدفا للإنتاج ولاستهلاك السوق. إن الاقتصاد يدور حول صناعة « الشباب الدائم». إنتاج واستهلاك الألبسة وأدوات التجميل والمنتوج الثقافي والموسيقيّ، والألعاب الإلكترونية، مع عرْض بهيّ-الجميل للمنتوجات وعلاماتها التجارية. أمام هذه المنتوجات، المصنوعة من أجل استهلاكه، يشعر شبابنا بإحباط سببه أوضاعهم الهشّة وصعوبة الولوج إلى الاستهلاك الجامح الذي توفّره السوق العالمية والمحلّيّة التي تستهدفهم.
هكذا ساهمت العولمة في التحوّلات التي تعرفها مجتمعاتنا، وهي تحوّلات لا تحدث بدون أنْ يكون لها مفعول على الشباب.

2. اللاّيقين وخطر
التقهقر الاجتماعي

يجد الشباب نفسه تحت وطأة وضغط نظام اقتصادي وسياسيّ لا يطمئنه، بل إنه يخلق لديه وضعية عدم رضى دائم أمام انعدام اليقين.
وتتجلى مؤشرات وعوامل أشكال اللايقين فيما يلي:
* العولمة تبعث برسالة أزمة: أزمة مالية، اقتصادية، أزمة دول جهوية…
* الدولة الراعية تفقد سيادتها. إن الارتباط المتزايد بين المجتمعات، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، يجعل من سيادة ومراقبة الدول الوطنية أمرا متقلّبا على المستوى الاقتصاديّ. ذلك أنّ تحرير الاقتصاديات يشرع الباب أمام نوع من اللايقين والمصادفة الاجتماعية التي تمسّ كل المجموعات الاجتماعية، غير أنها تمسّ الشباب بصورة أساسية.
* يعلنون للشباب سياسات وبرامج وإصلاحات تسعى إلى تحقيق التنمية وإدماج الشباب، غير أنّ كلّ هذه الدعوات لا تتمّ ترجمتها دائما في الواقع من خلال عمليات ملموسة لها مفعولها الذي يغيّر شروط الشباب وظروفه، ويستجيب لانتظاراته.
* تجد الدول والحكومات صعوبات في الاستجابة لحاجيات وتطلعات الشباب على مستوى التشغيل وأدوات الترفيه… مثلما تجد صعوبات في تجاوز أشكال العجز الاجتماعية، ووضع سياسات ملائمة بهدف خلق تنمية مستدامة.
* بلبلة في المعايير الثقافية تخلق مخاوف وشكوكا، وبالتالي تفضي إلى خلف آليات دفاع. فالشباب اليوم يطرح أسئلة من قبيل: كيف يمكن الحفاظ على على الحدود الثقافية حين تكون هذه الحدود متحرّكة؟ كيف يمكن الحفاظ على هوّيّتنا حين تكون هوية الآخر اجتياحيّة؟
* انعدام اليقين تُجاه الحركيّة الاجتماعية وخوف من التقهقر الاجتماعيّ للشباب المنحدر من طبقات متوسّطة.
أمام انعدام اليقين هذا، يعمد قسْم من الشباب إلى الاحتماء برموز التقليد والدين، رموز يعتبرونها قيما موثوقا فيها. قسم آخر من الشباب يعمل على إسماع صوته من خلال الانخراط في الفنّ والرياضة وغيرهما، وقسم ثالث يحمل مطالبه إلى الساحة العمومية.
إنّ العمل هو واحد من وسائل الشعور بالأمن والاندماج الاجتماعيّ في المجتمع وفي العالم. وهناك نسبة هامّة من الشباب التي استفادت من التقدّم الحاصل في مجال التربية والتعليم، لكنها لم تتمكّن من جنْي ثمار تعليمها والولوج إلى سوق الشغل. هكذا يخلق التعليم، الذي يُفتَرضُ فيه أنْ يفضي إلى الاندماج الاجتماعيّ وتطوير الشخصية، وضعيةَ إحباط، وشعورا بالإحباط، في وضعيّة لا يساوي فيها الحصولُ على شهادة ارتقاءاً اجتماعياً بالحصول على العمل.
3. الثورة الرقمية

تنبغي الإشارة إلى أنّ الثورة الرقمية ساهمتْ في إحداث تغيير في أشكال العلاقات الاجتماعية وفي أنماط التواصل بين الأفراد والجماعات. نحنُ اليوم أمام جيل منخرط اجتماعيّا في صيغة التواصل عبْر الأنترنيت، وهو ما يُطلق عليه بالإنجليزية «digital natives». وإذا أصبح الأنترنيت لغةً، فكلّما تعلّم الشاب في وقت مبكّر، كلما اعتمد وفضّل هذه الصيغة التواصليّة.
إن التواصل عبر الأنترنيت بات واقعا اجتماعيّا وفضاء جديدا للانخراط الاجتماعيّ يثير اهتمامَ علماء الاجتماع. لقد تحوّل الفضاء العائليّ والخصوصيّ من طرف التكنولوجيات الرّقمية داخل البيوت التي وجدتْ نفسها أمام نافذة كبيرة مفتوحة على العالَم. وأحيانا يتوفّر الشباب على حواسيب في غرف نومهم، والتي تغدو جزءا لا يتجزّأ من هذا الفضاء الخصوصيّ. فعبْر الأنترنيت، الذي يسمح بربْط علاقات بأفراد آخرين، يصبح الشابّ قاطنا لفضاء جديد مع شكل جديد من التنشئة الاجتماعية.
وإذا كانت العلاقة بين أفراد العائلة أمْرا قائما ومكتسبا، فإنّ العلاقات التي تُربط بين أشخاص لا يرتبطون ببعضهم البعض من قبلُ بأيّ رابط، هي علاقات يساعد عليها الحاسوب، وتُبْنى في إطار فضاء وثقافة رقمييْن.
إنّ العلاقة الحميميّة التي يقيمُها الشباب اليومَ بالأنترنيت واستعماله تحقّق عمليّة الفرْدنة والاستقلالية. لمْ يعد الشّاب مرتبطا فقط بالمجموعات الواقعية التي ينتمي إليها كالأسرة، وإنما بات يربط، باعتباره فردا حرّا، علاقات أُخرى و»صداقات» ب»مساعدة الحاسوب» داخل الفضاء الرقميّ، ومن هنا خلق له «معنى للعشيرة الافتراضيّة». وهذه العشيرة الافتراضية تمنح لح معنى للانتماء لا يتوفّر عليه باعتباره فردا وحيدا أمامَ الحاسُوب.

4. اتّساعُ سوق القيم

ظاهرة أخرى تتصل بالتحوّلات التي يعرفها المجتمع، هي ظاهرة دوران-انتشار القيم داخل سوق واسع للقيم.
فإلى جانب القيم التي كانت تقليديّا خاصّة بالمجتمع المغربيّ ومميّزة له: كالزواج، التضامن العائلي، الدّين (الصلاة)، وجدنا أنفسنا أمام قيم جديدة: التحرير والحوار بخصوص تربية الأبناء، استقلالية الزوْجيْن، العائلة الضيّقة، مشاركة المرأة في السياسة، وكذا القيم الجديدة، مثل المساواة بين الرّجل والمرأة والديمقراطية… إنّ التحوّل الكبير يكمن في سيرورة معقّدة حيث القيم التقليدية والقيم الجديدة يعاد صهرهما وتشكيلهما وأحيانا تهْجينهما.
لقد جرتْ عملية التطبيع الاجتماعيّ للشباب داخل المجتمع في سياق مطبوع بما يلي:
* لم يعدْ نسق القيم دائما نسقا منسجما. لقد بات السياق الاجتماعيّ والمتعالق موجّها لاختيار القيم. في بعض الحالات تغدو القيم التقليدية وسيلة للدفاع الذاتي من أجل مواجهة الآخر على أرضية القيم.
* أصبحت قنوات إنتاج القيم متعدّدة: الدين، المدرسة، وسائط الإعلام، العالم الافتراضي الخ. وهذا يمنح للأفراد والجماعات لائحة من الاختيارات الاستراتيجيّة للقيم.
* أصبح هناك تعدد لأطر التطبيع الاجتماعي للقيم هو الذي يؤطّر الفرد. وقد أزيحت العائلة اليوم من طرف أطر أخرى للانتماء بالنسبة للشباب: الأصدقاء والأشخاص الافتراضيّون عبر الأنترنيت. ومن ثمّ، فإنّ الشباب صار خاضعا لتنشئة اجتماعيّة متعددة.
من هنا وجد الشباب نفسه أمام قيم متنافسة، مع تعدّد لقنوات إنتاجها. وهذا لا يمرّ دون أنْ يخلق توتّرات ومفاوضات حول القيم، لأنّ الشباب لم يعد إزاء خزّان واحد للقيم، بلْ أمام تعدّد لخزّانات القيم التي تسمح لهم باختيار طريقة التلاؤم مع واحدة منها أو أكثر.

5. تراجع أنموذج السلطة: صورة سلطة الأب موضوع مراجعة

على المستوى الميكروسوسيولوجي، تتجلى واحدة من الظواهر المبنْيٍنة، خلال العقود الأخيرة، في التربية، والتي طالتْ الأفراد من مختلف الشرائح الاجتماعية. هذه التربية كان لها مفعول على التنشئة الاجتماعية وعلى العلاقات الجيْليّة في بلاد مثل المغرب.
إنّ جيل فترة ما بعد الاستقلال، بحكم أنّ معظمه كان أمّيّا، وفي غمرة حماس حصول المغرب على استقلاله، ورغبته الكبيرة في تربية وتعليم أبنائه، فقد قام بالاستثمار في تعليم الأبناء. واليوم، نحن أمام صعود جيل متمكّن من القراءة والكتابة بفضل التربية والتعليم. وهو الأمر الذي خلق علاقة جديدة بالآباء. وبعيدا عن كوْن التعليم يعتبر عاملا مساعدا على التميّز، يمثّل رأسمالا مكتسبا بالنسبة للشاب، فإن هذا التعليم تجعل الشاب في وضع متميّزوافضل بالمقارنة مع الأب الأمّي أو الذي يعرف القراءة والكتابة وغير حاصل على شهادة.
هذه الظاهرة لا تمرّ بدون أن تضعف من السلطة العائلية، وبالخصوص سلطة الأب، وأنْ تزعزع صورته التقليدية. وهذا ما يفتح الباب على مصراعيْه، إمّا أمام تبنّي أشكال أخرى من السلطة، سلطة الأب-الزعيم الدينيّ، سلطة الأعضاء والزّملاء، سلطة الإيديولوجيات، أو أنْ يبني شخصيته بدون أية سلطة.
إن نقل فئة من الشباب لسلطة الأب نحو المرشد الديني، أو الأعضاءن يتبغي التفكير فيها.
فهذا الوصول إلى التعليم هو الذي سمح لجزء من الشباب أن يزعم بأولوية حصوله على المعرفة الدينية. فإذا كان تديّن والديه موجّها بالعقيدة، فإن تديّن الأبناء المتعلمين يعتبر موجها بالمعرفة التي تلقّوها في المدرسة، وعبر الكتب التي يوفرها السوق، الكتب الدينية الأكثر انتشارا. فعبر جيل جديد بكامله نجد أنفسنا أمام بروز أشكال تديّن جديدة ليست غريبة عن التكثيف التعليمي وعن نمط التنشئة الدينية الذي تقدّمه المدرسة.
I. الشباب في تحوّل
في سياق هذه التحوّلات الكبرى التي قلبتْ في العمق نمطَ التنشئة الاجتماعية للشباب، خضع هؤلاء لتحوّل عميق بالقياس إلى شباب الأمس.
1. أخذ الكلمة
من بين الآثار البارزة لهذه التحولات على الشباب، هي إمكانية تناول الشباب للكلمة. من الملاحظ أنّ الشباب يأخذ الكلمة من أجل التعبير عن نفسه في إطار ليبرالية تعززها وسائل الاتصال. إن التحرر من سلطة الكبار أفضت تعزيز وتشجيع الشباب على أخذ الكلمة والذي يخذ أشكالا مختلفة عبْر الفنون، وإنتاج ثقافة شبايبة، وعبر الاندفاع الاحتجاجيّ. هذا الأخير الذي أصبح واحدا من العلامات المميّزة لشباب العقود الأخيرة، ليس داخل المغرب فحسب، ولكن عبر العالم ككلّ. فالشباب هي الفئة الاجتماعية التي تتقدم الأحداث عند كل عملية احتجاج. إنّ الاحتجاجات والمظاهرات في ساحات عواصم عدد من البلدان: «ساحة التحرير» في القاهرة، «ساحة التقسيم» بإسطنبول، «ساحة برادو» بمدريد، «شارع محمد الخامس» بالرباط (احتجاجات الشباب المعطّل الحاصل على شهادات) يقوم بها شباب «ساخط» يحمل مطالبه إلى الفضاء العموميّ.
2. احتلال الفضاء العموميّ
لقد انتقل احتجاج الشباب، الذين أصبحوا فاعلين أساسيين له، إلى الفضاء العمومي، وذلك في اتجاه تملّك هذا الفضاء من أجل التظاهر وتحدّي قوات الأمن وتأكيد حضورهم في هذا الفضاء. ومن ثمّ، فإنّ الصراع الذي كان يقتصر في الماضي على صراع الأجيال، أضحى اليوم صراعا مفتوحا ضدّ أشكال أخرى للسلطة: مثل الاحتجاج على قانون أو قرار حكوميّ أو سياسية أو فكرة أو إيديولوجيا، وجميع أنواع المطالب الاجتماعية الخ.
وإذا كانت ظاهرة المعطلين من أصحاب الشهادات الجامعية بالمغرب، قد أدّت إلى الحطّ من قيمة ومصداقيّة الشهادة الجامعية داخل المجتمع، فإنها قد أدّت كذلك إلى إحداث إحباطات كثيرة في صفوف الحاصلين عليها. وهذا الإحباط هو الذي يعبّر عنه الشباب من خلال التظاهرات التي ينظمها بانتظام في الفضاء العموميّ، من أجل الطالبة بحقّه في العمل. إن هذا الشباب، الذي يعتبر نفسه بمثابة نخبة متعلّمة في المجتمع، حاصلة على شهادة يقلّل من شأنها سوق الشغل، يعبّر عن مخاطر النظام الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من فقدان ثقة الشباب في هذا النظام.
وعلى صعيد آخر، فإن هذا الشباب المتواجد في أرضية الاحتجاج العمومي لا يشكل جسدا واحدا منْسَجما، بلْ إنّه تخترقه اختلافات اجتماعيّة وإيديولوجية. فشاب إسْلاميّ يمكنُ أنْ يتواجدَ بجانب شابّ ماركسيّ أو ليبراليّ من أجْل تنْشيط وتحْريك الشباب. شابّ آخر، باسْم الحداثة ومسْكون بنموذج الحرّية الشّمولية، يحطّم كلّ علاقة بسلطة ثقافة ماضي، في حين يطالب آخرون بحرّيّة المعتقد الخ.
صحيح أنّ الاحتجاجات الشبابية، التي اخترقتْ ما يُسمى «العالم العربي»، تعبّر عن المطالبة بالديمقراطيّة. غير أنّ هذا التعبير لا يصاحبه تفكير حول محتوى ومضمون مفهوم «الديمقراطية». نحن إذن إزاء عاطفة ديمقراطية تسعى إلى جعْل هذه الديمقراطية كَصَنَم سياسيّ.
وهذا ما يؤدّي إلى انقسام وتشتّت هذه المطالب الشبابية في الفضاء العموميّ، وتباين المثل العليا التي تحملها، والتي تبدو في بعض الأحيان مُثُلا متناقضة. وتدعم هذا التشتّت الثورة التكنو-معلوماتية التي توفّر للشباب فضاء مفتوحا على كلّ التطوّرات الممكنة.
3. احتلال الفضاء الافتراضيّ
إنّ ما يميّز شباب اليوم، بالمقارنة مع الجيل السابق، هو أنه خضع لتعوّد-تلقين افتراضيّ على حرية التعبير.
لقد ساهم الأنترنيت في تعزيز ثقافة الحرية، وفي خلْق محيط يسمح باقتسام المعلومات والصور والأفكار، بحيث جعلها بين يدي الشريحة الواسعة من المبحرين في عالم الأنترنيت. فبإمكان كل واحد أن يدخل إليه بدون موانع، ويبدي رأيه، ويبعث بمعلومة أو خبر الخ. ومن ثم، فالأنترنيت أسّس لثقافة سياسية جديدة تقوم أساسا على الحرية المطلقة من أجل التعبير عن الأفكار وممارسة النقد السياسي للسلط والأنظمة. ويعبره بعض الكتّاب بمثابة «اللا شعور السياسي»، أو بالأحرى بمثابة عالم سياسيّ مواز للعالم السياسي التقليديّ.
إنّ الصفة الغُفلية تعطي لكلّ واحد إمكانيّة اكتساب جرأة تغيير الخطوط الحمراء التي يفرضها القانون السياسيّ التقليديّ وممارسة حرية «القوْل»، وكتابة الآراء والتعبير عنها بواسطة الصور. فكل مستعمل للأنترنيت، خلف جهازه، يوجد في وضعية مساوية للآخرين الذين يستعملون نفس الوسيط التواصليّ. يتفاعل معهم في الوقت ذاته ليتقاسم ويتلقّى. بإمكانه إبداء رأي، أو تقديم معلومة كتابة أو بالصورة أوبالفيديو، بشكل فوريّ، متجاوزا بذلك الرقابة الذاتية، دونما خوف من تكسير الطابوهات، ولا خوْفا من ضغوط العقاب. يتعلق الأمر بمحيط بلا حدود، ينفلتُ من مراقبة الحاكمين؛ محيط بلا حرّاس وبلا فارز ومُصَفّ للمحتويات، وبلا حَكَم يميّز بين المعلومات الخاطئة والمعلومات الحقيقية.
هذه الحرية التي يتمتع بها مستعملي الأنترنيت تزيد من تقويتها وتعزيزها شبكة الفايسبوك التي تسمح للفايسبوكيّين بتكوين مجموعات اجتماعيّة، والتواصل فيما بينها في اللحظة نفسها، ومواصلة الاتصال على الشبكة. كلّ مرسل للمعلومة، على الفايسبوك، هو مُستقبل في الآن ذاته، وكلّ مستقبل هو مرسل. وهذا ما يجعل من كلّ فايسبوكيّ مساهما في إنتاج الأفكار وفي توزيعها ونشرها.
لقد منحَ الأنترنيت ومختلف شبكات مواقعه الاجتماعية، ك «الفايسبوك» و«تويتر»، للأفراد فضاءات واسعة لممارسة حرية افتراضية، كما وفّرتْ الاستقلالية، وحرّرت الكلام، ووسمحتْ بممارسة النقد والنقد المُضادّ. إن الأنترنيت ينتج بكيفية دائمة صيغا جديدة لتنظيم التواصل بكل حرية في التعبير.
وعلى الصعيد السياسي، يُعتبر الفضاء الافتراضيّ فضاءً للتعدّد إلى الحُدُود القصوى. بحيث يأوي كلّ الاتجاهات ويجعلهم متساكنين ومتواجدين في المكان نفسه مع بعضهم البعض. كما أنه محيط يقبل الفاعلين داخله بهذا التعدد.
كما أنّ الفضاء الافتراضيّ هو كذلك حامل لأشكال التعبير الأخرى: التعبير الفنّي، الفنّ، الأغنية، بحيث يعطي لكلّ شخْص إمكانية الحضور الفردي، ويجعل تعبيره ماثلا للعيان.
4. هل يتعلق الأمر بعزوف الشباب عن السياسة أمْ بمُمارستها بطريقة أخرى؟
ثمّة مفعول آخر لهذه التحوّلات المجتمعيّة على الشباب، وهو الذي يتجلّى في بروز علاقة جديدة بالسياسة. فلأنّ الاحزاب السياسية لم تنجح في جلب الشباب بكثافة، فإننا غالبا ما نسمع من يقول إنّ الشباب لا يبالي بالسياسة، وبأنّ هناك عزوفا عن السياسة من طرف الشباب. والحال أنّ قسْما كبيرا من الشباب، الذي تمّت تنشئته الاجتماعية في سياق التحوّلات المذكورة أعلاه، يمارس السياسة بطريقة أخرى مخالف لما توفّره له الأطر الكلاسيكية للسياسة.
هذا الشكل من التسييس لا يندرج بالضرورة في إطار مشروع لحزب سياسيّ منظّم، بقدْر ما يندرج في حركات، ترى الوجود أحيانا بصورة لحظيّة وفوريّة، من أجل نقل مطلب ما، من طرف تنظيمات عابرة تكوّنت، في بعض الأحيان، بكيفية مناسباتية. وفي مستوى آخر، فإنّ حركات هذا الشباب يمكن أنْ تكون بلا رأس، بلا قائد، ظهرت للوُجود بكيفية لحظيّة، غيْر هرميّة، بدون زعامة. (يبقى أنه في بعض الحالات تلعبُ بعض الوجوه لعْبة النّجوميّة الفضاء الإعلاميّ).
إنّ الشباب، المسْكون بتمرّد ما، ظاهر أو خفيّ، يمارس السياسة بدون فكرة نظرية عن السياسيّ. فالاحتجاج يتحوّل إلى انفجار آنيّ ولحظيّ سرعان ما يخبو بعد تلبيته أو قمعه، ليظهر من جديد في أشكال أخرى.
5. خاتمة
في مرحلة معيّن من الحياة، مرحلة تطيلها التحوّلات المجتمعية، يتاثر شباب اليوم بالتحوّلات الكبرى لهذا المجتمع بطريقة تفاعليّة. وهذا ما يوحي على الصعيد الفرديّ بمسارات متعددة. فالعولمة، وتراجع السلطة العائلية التقليدية، والحرّية المكتسبة على صعيد العالم الافتراضيّ، والتي امتدّت إلى العالم الواقعيّن والخوف من اللايقين ومن التقهقر الاجتماعيّ، وكذا حرية سوق القيم والإيديولوجيات، كلها جعلت التنشئة الاجتماعية تتمّ من خلال قنوات متعددة.
في هذا السياق، يتوفّر الشّباب على سجلّ واسع من الإمكانيات التي تجعلهم يختارون انطلاقا منها معاييرهم واتّجاهاتهم الخاصّة. فالبعض سيتموْضع في اتجاه التطرّف الديني أو في اتجاه تطرّف آخر، والبعض الآخر سيختار تمرّدا يلطّفه الغناء (الرّاب، الهيبْ هوبْ، موسيقى التكنو، الفنّ، الرياضة…)، بينما سيغامر آخرون في المجال الاقتصادي، بخلقهم لمقاولات اقتصادية، أما البعض الآخر فقد اختار النشاط الاحتجاجيّ من خلال احتلال الفضاء العموميّ (المعطّلون الحاصلون على شهادات)، في حين اختار غيرهم الانخراط في المجتمع المدني…
ومن ثمّ، فإنّ التنشئة الاجتماعية التي كانت تسعى، في الماضي، إلى إنتاج فرْد مُلائم لمُجتمعه، حلّتْ محلّه بصورة تدريجيّة تنشئة اجتماعية متعدّدة هي التي يخضع لها الشباب اليوْم. وهذا النوع من التنشئة الاجتماعية يوفّر معايير متعددة، وبالتالي يجعل الشباب يختار بكيفية فردية الكائن الاجتماعي الذي يرغب في أن يكونه، ويختار ومستقبله.

…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي ..7/12/2013