أصوات متقاطعة … عداء الإسلاميّين للنُّخَب، جهْل أم تجاهُل؟

مصطفى النحال

من الأمور التي باتتْ معتادة في عالمنا العربي، وضمْنه بلادنا، أنه كلما ألمّ بالإسلاميين مكروه سياسيّ إلاّ وردّوا بعضا من أسبابه إلى النخب السياسية والاقتصادية والثقافية الخ. وفي هذا العداء ليْس في القنافذ أملس، فجميعهم في سلّة واحدة: ففي مصر، بدأ الأمْر بتعيين وزير ثقافة صرّح بنفسه بأنه لا يعرف المثقفين! ثمّ انطلق في سلسلة «أخْونة» الوزارة بإنزال موظفين إخوانيّين، والشروع في سلسلة الإلغاءات لعدد من الفنون وعلى رأسها فنّ الباليه. وعندما انتفضت نخبة الفنانين والمثقفين، حماية للرأسمال الفني والثقافي لمصر، اعتبر الإسلاميون ذلك حصْرا لعجلة «الإصلاح». وكان هذا الحدث واحدا من الأسباب الحقيقية والعميقة وراء عزل محمد مرسي و»الإخوان» الذين كانوا يمارسون الحكم مكانه. الشيء نفسه حدث في تونس حين منعت السلطة الإسلامية معرضا للصور. وفي المغرب لا يتردّد إسلاميونا، من حين لآخر، في اعتبار النخبة عائقا حقيقيا أمامها. بل إننا لحدّ الآن، لم نلمس عند الحكومة الملتحية مبادرة واحدة ل»إنعاش سوق الثقافة»، وإنما العكس هو الذي نلاحظه، من خلال التصريح العدائي لبعض إسلاميينا، من حين لآخر، ضد المهرجانات الثقافية والفنية التي تنظمها عدد من المدن المغربية.
هل نقول إنّ المتتبع لعدد من الأحكام التي تُطلق، أو تُكتب هنا وهناك، سيتبيّن لهُ أنّ هناك مبالغة أحيانا في تحْميل مسؤولية الوعي والتعبير والتنديد والمشاركة بل والتغيير للمثقف. وهي المبالغة التي تترجمها، في الكثير من الأحيان، عبارات من قبيل :»النخبة مستقيلة«، أو »متواطئة«، أو ، في أحسن الحالات »منسحبة«. وهل نذكّر هولاء بأنّ الخطاب العلمي الرصين يعتبر مثل هذه الأقوال المبالَغ فيها، والقاسية إلى حدّ، لا تستقيم عند العودة إلى التدقيق العلمي لمفهوم »النخبة«، ولأدوارها. ولهذا نجد واحدا مثل الأستاذ عبد الله العروي حاسما في شأْن التمييز ما بين مهمّة النخبة في التفكير والكتابة وخلق النقاش، وبين مهام أخرى في المجتمع. بلْ ليس هناك، في تقديره، انسجام حتى داخل هذه الشريحة المختلفة بطبيعتها. وهو الطّرح الذي يوضّحه الأستاذ محمد سبيلا حين يعتبر أن النخبة خاضعة موضوعيا لدينامية الصّراع الاجتماعي ببعدية الأفقي والعمودي. ومن ثمة قانون التنافر وعدم التجانس سواء داخل النخبة الواحدة أو بين النخب. وبصدد الإشكال الذي تطرحه علاقة النخبة، المثقّفة على وجه الخصوص، بالمجتمع، وإلى أيّ حدّ هي فاعلة أو منسحبة وصامتة، فإنّ هناك عوائق وإكراهات تحُول دون هذا الامتداد الثقافي إلى المجتمع. ولعلّ أهمها : الارتفاع المُهول في نسبة الأمية في بلادنا، والتراجع المُهول في نسبة القراءة حتى في صفوف المتعلمين، وعدم اكتراث النخبة السياسية بالنخبة المثقفة وبأفكارها واقتراحاتها.
في هذا السياق يقول محمد سبيلا: »إن ارتخاء الوشائج بين النخبة الثقافية الحداثية والنخبة السياسية التحديثية لا يرجع لتقاعس أفراد أو »خيانة« البعض أو حتى «الاستقالة الجماعية للمثقفين» بل تعود إلى الشرطية التاريخية المتمثلة في الانتقال من استراتيجية المعارضة الاستشرافية إلى سياق الاندراج من بنية النظام السياسي والتخلي الخجول عن الإيديولوجيا المتبناة سابقا والتبني الخجول للإيديولوجيا الليبرالية عمليا مع إنكارها نظريا«.
فليس من مهمة المثقف، إذنْ، أن ينزل إلى الأزقة والشوارع ، ويصرخ بدوره بأعلى صوته. بل إنّ دوره الملاحظة والتحليل وفتح النقاش المعمق حول القضايا بروح نقدية واستشرافية، والمساهمة في عقلنة الرؤية والثقافة والممارسة.
وهو الرأي نفسه الذي يعبّر عنه الأستاذ نور الدين أفاية حين يقول : »إن الثقافة هي الضحية الكبرى للمغرب الحديث. وتُبين الوقائع أن «سوء الفهم» بين السياسي والثقافي سيستمر. انظر إلى أن كل القطاعات وُضعت لها مخططات وطنية: المخطط الأزرق في السياحة، المغرب الأخضر في الفلاحة، مخطط «إقلاع» في الصناعة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للتقليص من العجز الإجتماعي؛ تأهيل الشأن الديني، المغرب الرقمي، إصلاح منظومة العدالة…المغرب في حاجة إلى كل هذه البرامج وأكثر. ولكن لماذا استثناء الثقافة بالرغم من كل الكلام البعيد عن الحقيقة والواقع حول أهميتها في التنمية وفي تحصين الهوية وما إلى ذلك«.
إنّ السبب الذي جعل النخبة المثقّفة الحقيقية ، باختلاف نزعاتها وأشكال حضورها، تشعر بلا جدوى الكتابة والتأليف إزاء نخب سياسية واقتصادية تستخفّ بقيمة المنتوج الفكري المغربي الحقيقّ، وخصوصا في مجتمع لا يقرأ. يستغل فيه الإسلاميون هذا الوضع ليمرروا خطابا مسموما عن الثقافة والمثقفين. إنّ الحملة الحالية المتواترة ضد المثقف ليست إلا شكلا من أشكال ضغط السياسي الإسلامي عليه حتى يبتعد عن المضامين الحقيقية والانشغالات الثقافية الموضوعية والواقعية لكي ينتج خطابا إيديولوجيا يطير في السماء.

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي ..7/12/2013