بين حركة 20 فبراير و حركة – تمرد-…

أسامة التلفاني

نشرنا منذ سنتين مقالا بعنوان “قراءة في مسار 20 فبراير”، كانت نقطة الارتكاز فيه، أنّ الحركة و إن لم تكن ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فهي ليست مجرد فورة، بل هي تمظهر لحالة احتقان اجتماعي في ظل انحباس سياسي و فكري، و تصاعد ايديولجيا الموت في زمن موت الايديولجيا. كما بينا في المقال ذاته ان الحركة التي لا يمكن فصلها عن سياقها الاقليمي “الربيع العربي”، قد أدت على الاقل إلى مأسسة سلطة خامسة و هي سلطة الشارع او سلطة الاحتجاج. استحضرت هذه العناصر و انا اتابع هذه الحركية المصاحبة لما يسمى “تمرد” و هي محاولة لنسخ التجربة المصرية في التربة المغربية، و هو الأمر الذي أثار عندي تساؤلين :
في مسألة الاجماع : تكمن قوة اي حراك شعبي، في كونه مجمعا لكافة قوى المجتمع حول مطلب معين وآني، جاعلا المجتمع وحده مصدر الشرعية، هكذا إن فشل حراك الشارع في تحقيق الاجماع حول مطالبه، فسيكون مآله تقسيم المجتمع و ما ينجم عن ذلك من غياب للاستقرار، او الفشل في احسن الحالات . إذا كان الاجماع حاصلا في سايق الربيع العربي حول ضرورة الاصلاح، فإن نوعيته و اجندته كانت محط نقاش عميق، مما افقد حركة 20 فبراير زخمها وجعل مردديتها محدودة.
بالعودة إلى “تمرد” السؤال المطروح، هل ما يقع في مصر كاف لتحقيق اجماع القوى الحية في البلاد حول مطالبها؟ هل رافقتها تلك الحركية الفكرية اللازمة لتهييء الرأي العام الوطني للتجاوب معها؟
إن المتتبع لمجريات الساحة السياسية المصرية، يتبين الزخم الفكري و الفني الذي رافق الاعداد لمسيرات 30 يونيو، زيادة على انخراط النخب الوطنية ذات مصداقية في معركة استرجاع الثورة، رغم ذلك بقي الانقسام جليا في المجتمع المصري، حيث لم يبلغ بعد مستوى التوازن المستقر. بالمقابل تحاول حركة “تمرد” الانطلاق مما يقع في مصر اساسا لتحريك الشارع ، و اذكاء الحماس في الجماهير، و هو الامر الذي يبدو لي خاطئا من الناحية المنهجية، فالعامل الخارجي لا يكون إلا محفزا لتفاعل عناصر قابلة للتمازج فيما بينها، و لا يمكن ان يكون المحرك و الدافع الاساسي لها
زيادة على ذلك فالفاعلون السياسيون من احزاب و نقابات، لم يرتقوا بعد الى مستوى تمثيلية المجتمع و النفاذ إليه، و خير دليل على ذلك الاعتماد على آلة الاعيان في تجمعاتها. و باعتبار الاعيان في غالبيتهم ينتمون لمنظومة رجعية، هؤلاء يصعب ان يقودوا معركة التغيير الديمقراطي.
ثانيا :في مسألة المطالب، هل المطالبة باسقاط الحكومة الحالية كفيل بتجاوز الركود السياسي و الحد من تأثير الأزمة الاقتصادية على القطاعات الاجتماعية؟ هل نجحنا في تأهيل الحقل السياسي بشكل يجعله قادرا على الاجابة عن انتظارات المجتمع و مشاكله بما يضمن استقرار الوطن و وحدته؟
لا يمكن للفاعل السياسي إلا الاقرار بأن تجربة الحكومة الحالية فاشلة، سواء في تدبير الازمة الاقتصادية، او في تدبير الورش التشريعي، او في تدبير الاختلاف بين مكوناتها، او او… لكن هل نجحنا فعلا في تأهيل الحقل السياسي بنخب ذات مصداقية؟ الا توجد نخب سياسية و صفت بالفاسدة، و هل يصحح الفساد الفشل؟ إن تطورات المشهد السياسي تبرز العديد من الفراغات في الوثيقة الدستورية، خاصة العلاقة بين الجهازالتنفيذي و التشريعي، و هي قطب الرحى في انظمة الحكم البرلمانية. مما يجعل سؤال النخبة السياسية راهنيا و مدى قدرتها على ابداع “المجمّع الدستوري” (قوانين تنظيمية، قوانين انتخابية، قوانين تحمي الحقوق النقابية و الاجتماعية…) تكون مكملة للوثيقة الدستورية و مغلبة للتأويل الديمقراطي للدستور
يبدو لي مما سبق أن المعنى الوجودي لما سمي بتمرد، غير متوفر، مما يجعلها مجرد هرولة سياسية سيكون مآلها الفشل، و افقاد الحركات الاحتجاجية معناها النبيل و عذريتها النضالية