المعرفة بالواقع …فقه الواقع

مصطفى المتوكل / تارودانت

 

يعتقد البعض ان عقل الانسان ما خلق الا ليحفظ ويستوعب ويقلد وينفذ باسقاط كل الماضي على الحاضر في شكلياته وكلياته وجزئياته وكاننا بهم يريدون استنساخ تاريخ ما والغاء كل الحاضر وتكبيل المستقبل …ففهموا حسب ” اجتهادهم” ان الانا اليوم وغدا  يجب اخضاعه للامس حتى ولو استحال التطابق او الملاءمة والقياس ..كمن  يتعمد ان يلبس غيره جلبابا مقاس 40 مثلا لجميع المقاسات الاعلى والادنى منه ؟؟مما يجعل  صاحب هذا  الفعل غير عالم لابحال ولا احوال واحجام واذواق غيره من البشر   …اما اذا تحدثنا عن وعاء العقل وقدراته   الذي هو بطبيعة الخلق الالهي المعجز مؤهل لتطور هائل  علما و ابداعا واستيعابا  لماضيه وحاضره ومستقبله فسنقف على حقائق  يصعب حصرها  منها  ما نقف على بعضها بقراءة سريعة في تاريخ تطور الفكر البشري  حيث ستحيلنا على بحور من المعارف والعلوم والحضارات التي تتطور بمعدلات رياضية واحيانا هندسية ..قال تعالى ” يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان ” الرحمن

..ان الله عندما خلق وقدر وكرم بني ادم بالعقل والفطرة السليمة اراد بذلك ان يكون الانسان مؤهلا ليستوعب ويطور وينتج وفق المتطلبات والحالات والازمنة والملابسات ما يلائم احواله وما يحقق مصالحه بل يحظه الشرع على التدبر والتفكر والتامل و…فالايمان متلازم والارادة ومستند على المعرفة والادراك ومنبني على استيعاب متطلبات المرحلة والواقع محليا وفي علاقاته بمحيطه العام الاسلامي والبشري …ذلك لان الاسلام جاء للناس كافة ولا يمكن ان يصل اليهم بمنهجية واحدة جامدة… فالناس في الصين و اليابان و الهند و افريقيا او الدول الاوروبية  او دول امريكا او القطبين غيرهم غير العرب في ثقافاتهم وتاريخهم وخصوصياتهم الاجتماعية والحضارية …والوصول الاسلم والانفع لنا لكل هولاء هو فهم واقع الافراد والجماعات والشعوب والامم واللغات والحضارات والخصوصيات حتى نوصل للناس المعلومة والدين والثقافة بالمنهجية التي تبلغ ولاتكره.. وتدعوا ولا تتسلط او تتعسف.. وتحترم الاخر ولا تحوله الى عدو نتيجة جهل في التواصل والفهم … ان الله سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبا وقبائل وامما تختلف السنتهم وتوجهاتهم ولو اراد لخلقهم  امة واحدة موحدة في كل شيئ..وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ” (الروم:22)

………

ان الخطاب الالهي والخطاب النبوي لا يتصور فيهما شرعا وعقلا ومنطقا وفهما سليما انهما موجهان لمن عاش زمن النبوة والوحي فقط بل وبمنطوق كلام الله والنبي عليه الصلاه والسلام يمتد الى كل البشر عبر الازمنة وبكل الامكنة حتى تقوم الساعة …” يا ايها الناس” ” يا ايها الذين امنوا ” .” يابني ءادم “……..

لهذا فنحن في حاجة الى مستويين من الفقه ..الفقه الشرعي الذي يقوم على الفهم العميق للنصوص الشرعية ومقاصدها …والفقه الواقعي المبني على دراسة الواقع المعيش دراسة مستوعبة لكل جوانب الموضوع …ومن هنا يبرز ما يسمى فقه الاقليات وفقه الاغتراب و…

…وفي هذا السياق فال العلامة ابن القيم رحمه الله  وهو يتحدث عن الافتاء ..” لايتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى الا بنوعين من الفهم .احدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط به علما .والنوع الثاني .فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله ورسوله ..”

ان معرفة الواقع وفقه الواقع وفهم الدين اداته العقل /النفس /القلب  ومن هنا مناط التكليف والمسؤولية.. وتعطيل العقل وتجميده فيه مخالفة للسنن الالهية وتعسف على ما ميز به الله الانسان عن غيره من المخوقات وبه كرم …

لقد ورد فى القاموس المحيط أن العقل هو: العِلْمُ بِصفاتِ الأشْياءِ من حُسْنِها وقُبْحِها وكمَالِها ونُقْصانِها أو العِلْم بخَيْرِ الخَيْرَيْنِ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ أو مُطْلَقٌ الأُمورٍ أوالقُوَّةٍ بها يكونُ التمييزُ بين القُبْحِ والحُسْنِ ولمَعانٍ مُجْتَمِعةٍ في الذِّهْنِ يكونُ بمُقَدِّماتٍ يَسْتَتِبُّ بها الأغْراضُ والمصالِحُ ولهَيْئَةٍ مَحْمودةٍ للإِنْسانِ في حَرَكاتِه وكَلامِه والحَقُّ أنه نورٌ روحانِيٌّ به تُدْرِكُ النفسُ العلومَ الضَّرورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ وابْتِداءُ وُجودِه عند اجْتِنانِ الوَلَدِ ثم لا يَزالُ يَنْمو إلى أن يَكْمُلَ عند البُلوغِ.

وقال  الامام ابى حامد محمد الغزالى فى هذا المجال في كتابه احياء علوم الدين …” ان العقل – مثل القلب والروح والنفس – له معنيان ؛ احدهما انه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور ؛ ومن ثم يكون المقصود صفة العلم الذى محله القلب . والمعنى الثانى : انه قد يطلق ويراد به العضو المدرك للعلوم فيكون هو القلب أى تلك اللطيفة الربانية . ونحن نعلم ان كل عالم فله فى نفسه وجود هواصل قائم بنفسه ؛ والعلم صفة حالة فيه ؛ والصفة غير الموصوف ؛ فالعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم ؛ وقد يدرك ويراد به محل الادراك ؛ وهوالمراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ( اول ما خلق الله العقل ) ..

و روى أنس بن مالك ؛ قال : “أثنى قوم على رجل عند النبى صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا في الثناء . فقال لهم النبى : كيف عقله ؟ فقالوا : نخبرك عن اجتهاده فى العباده وأصناف الخير وتسألنا عن عقله ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ان الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر ؛ وانما يرتفع العباد غداً فى الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم .”

 

 ان    الإسلام  كرم  وأشاد بأصحاب الألباب والوعي العقلي  ، ودعا إلى النظر والتفكر، وحرض على التعقل والتدبر، وقرأ الناس في كتابه: (أفلا تعقلون)، و(أفلا ينظرون)، و(لعلكم تعقلون)، و(لعلكم تتفكرون)، و(أو لم ينظروا)، و(أو لم يتفكروا)، و(لآيات لقوم يعقلون)، و(لآيات لقوم يتفكرون).

ونختم هذه المقالة بالتاكيد على ان احسن خدمة يمكن ان تقدم للاسلام هي ان نفهمه حق الفهم وان نستوعب واقع وخصوصيات  امتنا والعالم الذي نعيش فيه فهما يسهل على كل المخاطبين به ان يتواصلوا  ويتكاملوا معه معرفة  وتدبرا وان نبتعد عن الجمود والتحجر والاساءة للاسلام بالاساءة للبشرية التي نحن مامورين بان نوصل لهم رسالة الاسلام  باللتي هي احسن التي مرتكزها فهم الواقه ومعرفة فقهه …

ومما روي عن النبي “ص” قوله ” اني لاخاف على امتي من بعدي من اعمال ثلاثة .قالوا وما هي يا رسول الله ؟ فقال .اخاف عليهم من زلة عالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع “