كسر الخاطر : هوامش على دفتر الأزمة الحالية..

عبد الحميد جماهري

جريدة الاتحاد الاشتراكي


كثيرون لم يصدقوا أن قرار حزب الاستقلال بالخروج من الحكومة، لن يتم، وأن تنفيذه سيضيع بين دهاليز التأويل الدستوري، وبين مناطق الظل التي تملأ المشهد السياسي المغربي، طيلة خمسة عقود من الزمن. وبعبارة أخرى لم يكن اتخاذ هذا القرار إلا كتجربة جديدة لتحيين ما اصطلحنا على التفكير فيه والتفكير به: المنظومة السياسية والتدبيرية التي عمرت طيلة العهد السابق.
غير أن المتتبع اليقظ، يمكنه أن يسجل أن أشياء كثيرة رافقت هذا القرار، وتنفيذه.
أولها، الإقبارالنهائي لفكرة عمرت طويلا، وتم إشهارها في بداية الحكومة تتعلق بإحياء الكتلة التاريخية، بعد تحويرها عن مظانها الرئيسية وتسويغها ككتلة حكومية أكثر منها اختيار تاريخي .. أو تدبير تاريخي كما أرادها صاحبها عابد الجابري.
ولم يبق من هذه الفكرة – تدبير وصول الإسلاميين إلى مقعد رئاسة الحكومة عبر مفهوم نابع من الحركة الوطنية – سوى مِزَق غير صالحة كمواد تحليل اليوم.
والأكثر قربا من الواقع هو عودة الروح إلى الكتلة الوطنية الديموقراطية، من خارج الحكومة، كما كان موقعها دائما، سواء في السبعينيات أو في التسعينيات، للدفع بمقومات الدمقرطة إلى الأمام.
مع قرار الخروج، تابعنا نقاشا في الفضاء العمومي، (النقاش الجدي طبعا وليس «التحياح» المدفوع الأجر)، يتعلق بالقدرة السياسية والمؤسساتية لرئاسة الحكومة على قراءة سليمة للعلاقة مع المؤسسات المركزية في الحقل السياسي الوطني.
وقد اتضح، من غير التجريح، أننا في الواقع أمام وضع غريب (دستور بلا دستور) أو وضع دستوري بلا دستور، يقتصر على منح رئاسة الحكومة قدرة مؤسساتية لا تستعملها، لا في الأزمة ولا في الانفراج.
ولن نخرج عن اللحظة الأولى لإعلان الحكومة، أو عشنا فصلا بديلا لها، حيث نذكر أن التنصيب العملي والدستوري للحكومة قد احتل مكانة كبيرة في نقاشات السياسيين والفاعلين الوطنيين، هل تكتفي بالاستقبال الملكي أم ضرورة التواجد أمام البرلمان؟
وعدنا إلى المربع نفسه، عندما عاد السؤال حول صلاحيات رئيس الحكومة في تدبير القضية المطروحة عليه، حتى بعد تقديم الوزراء لاستقالاتهم.
والأعمق من ذلك، أننا في وضع دستوري بلا دستور، كان واضحا أن الغرابة تمس تصرف رئيس الحكومة نفسه في التعامل مع تمرين حكومي غير مسبوق، لكنه من محكم المتوقع في العمل السياسي.
بعد الاستقالة، وقبل تنفيذها كاملة (طرافة أخرى في بلاد المغرب)، بدأت المشاورات لتشكيل الحكومة، على أساس أن الأمر يتعلق بتمرين عاد!!! في حكومة تعتبر نفسها غير عادية.
والغريب هو أن هذه المهمة، أيضا، أحيطت بتأويلات وبستار من المفارقة جعلها .. معضلة.
كيف ذلك، ما إن بدا أن البديل المقترح لتعويض أو خلافة الاستقلال (في الحقيقة لا يمكن تعويض حزب الاستقلال بل .. خلافته فقط)، من طرف الأحرار، حتى بدأ سيناريو الكارثة يطرح نفسه: إذا «هم» ( من هم؟) أفشلوا هذا البديل سنتوجه إلى انتخابات سابقة لأوانها.
على كل، يقدم الحزب الحاكم هذا الاحتمال- دخول الأحرار إلى معترك التدبير المشترك – كما لو أنه «هبة» يقدمها لمن يعنيهم الأمر، لكي لا يتوجه إلى انتخابات سابقة لأوانها!
سأقبل بحزب ينقذ التجربة،.. وعليكم أن تقبلوا بذلك تحت .. التهديد! وهذا المنطق غير سوي، إذا ما عرفنا أن سبب الأزمة هو رئاسة الحكومة نفسها.
وعلى ذكر الأزمة، فقد عشناها متراكبة، متزامنة مع أزمات أخرى، ولم تعد الكلمة تفزع في المغرب السياسي.
بل على العكس، بدأ التساؤل الملح، هو إلى أي حد يستفيد الانتقال الديموقراطي وتحصين الدولة الوطنية الديموقراطية عبر بوابة الأزمة؟
ومن المفيد للغاية، في سياق مناقشتها، التساؤل حول دراسة جدوى هذا المقترح:
أولا، لا أحد يمكنه أن يغامر، رئاسة حكومة أو غيرها، بدخول هذا النفق بدون التفكير في كلفته المالية (التقديرات تسير نحو 70 مليار سنتيم )، في وقت تعيش فيه البلاد وضعا اقتصاديا صعبا للغاية، تبحث فيه رفع الدعم عن المواد الأساسية مقابل توفير النفقات. ولن يقبل الرأي العام أن ترفع الحكومة من الأسعار وتجمد التعويضات وصرف المال على حل معضلة الحزب الحاكم.
بل، هل يمكن أن تقف الانتخابات عند فض الاشتباك بين الرئاسة ومعارضيها، ولا تمتد إلى كل الاقتراعات، وعددها كبير بدون فتح كلفة التقسيم الانتخابي والنظام الجهوي والتدبير الاداري التي لم تعد لها الحكومة أي قانون مهمها صغر؟
يقع، بالفعل، أن تسبق الانتخابات قوانينها، أن تسبق حسابات الأزمة الوزارية حسابات السياسة في بلاد تريد تفعيل دستورها.
والسؤال المركزي هو : هل يمكن أن تحل الانتخابات السابقة لأوانها المشكلة؟ وبمعنى آخر، هل سيحصل حزب العدالة والتنمية على المركز الذي يعطيه القوة لحسم كل الخلافات لفائدته بشكل نهائي؟
السؤال- بالرغم من أنه ينطلق من مسملة خاصة تضع الحزب الحاكم في موقع المنتصر بلا مناقشة – يتوجب أن نستحضر أن الوصول إلى نتيجة حاسمة يتطلب تغيير نمط الاقتراع، فبقاء النمط الحالى (اللائحة) سيعيد تشكيل نفس الفسيفساء، مهما كانت التعديلات الطفيفة، طولا أو عرضا. وبالتالي سيجد العدالة نفسه، إذا ما حصل على الأغلبية في نفس الوضع الحالي، مع إضافة أساسية مفادها أن تجربته الحالية ستحسب في السجل السلبي.
وعليه أن يقنع من جديد حلفاء جددا بالعمل معه، وهذا أمر غير وارد، على الأقل في سياق المناخ الحالي. وبالتالي فإن ما أردناه كحل سيضاعف الأزمة، يصبح الجزء الرئيسي فيها.
ثانيا، لا أحد يمكنه أن يشك بأن العدالة والتنمية يدرك بأن الموجة العامة، بدوافعها الخارجية والداخلية التي حملته إلى السلطة، مازالت في زخمها، وفي نفس التوجه المساعد له والمفيد له.
تجربة سنة ونصف من الحكومة، وخصومة واضحة مع أطراف من الرأي العام، سواء في نسيج الدولة أو في نسيج المجتمع، وتوجهات صدامية مع مكونات سوسيو مهنية فاعلة، لا يمكنها أن تمر بدون حساب، وإن كانت استطلاعات الرأي (بعضها يشبه غرارين عيشة، كما في الحكاية الشعبية) تعطي هامشا مهما للرئيس.
ومن بين العناصر المهمة في التفكير في هذه المرحلة، على هامش خروج الاستقلال ودخول الأحرار ، هو الحدود التي تبنيها التجربة الجديدة في علاقها مع ما سبقها ويميزها عنها.
أمامنا اليوم حزب، قاد رئيسه بنكيران الحملة، ضد الجي 8، ممثلة في صلاح مزوار. وكان المواطنون قد وجدوا أنفسهم بين مزوار وبنكيران: فاحتاروا من اختاروا.
واليوم يطرح السؤال: على أنقاض من جاءت الحكومة الحالية؟ والجواب هو: على أنقاض التجربة السابقة، بما فيها الاستقلال ، الذي وجد الحل لابنكيران ومزوار.. الذي سيجد له الحل، بطريقة مخالفة؟
أين هي حدود التغيير فعلا؟
وما مستقبل الدستور في خضم تجربة تبحث عن فاعليها أكثر مما تبحث عن فعلها السياسي؟

7/18/2013