الشباب العربي الثوري والدولة العربية العتيدة

الكاتب د. ساسين عساف

في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الدولة في الوطن العربي ، ومن يقين مطلق بأنّ الدولة القطرية مهدّدة بالسقوط نتيجة ما تشهد المنطقة من محاولات إدخالها في تاريخ جديد وفي جغرافيا جديدة ونظام علاقات بين الدول جديد ، فيكثر الكلام على الاستغناء عن بعض الدول لتشكيل كيانات / أشباه دول بديلة كشرط لترتيب ” الصراعات المستقبلية” في هذه المنطقة الساخنة من العالم… في هذه المرحلة ،اذا”، نرى أنّ الأولويّة المطلقة هي أن تبقى للعرب دولهم القطرية وشرط بقائها افتتاح عهد جديد يقوم على وفاق صحيح وثابت يؤكّد تمسّك أبنائها بها من حيث هي تعبير عن ارادة شعب وسيادة ..

 

 

اسقاط الدولة القطرية هدف رئيس من أهداف الحروب الدائرة في بعض الدول العربية، فبات لدى الوطنيين الوحدويين هاجسا” مقلقا” … إجهاض الهدف لا يتمّ إلاّ بالمصالحة الوطنية والوفاق الداخلي.

 

وذلك على قاعدة إدراك معنى الدولة من حيث هي وفاق في الداخل وسيادة مع الخارج ..

 

الأزمات الراهنة التي تمرّ بها الدولة القطرية هي أزمة كيانية ..

 

حماية الكيانات القطرية القائمة لا تعني حماية أنظمتها من السقوط وحماية حكامها من التبديل حيث الإستبداد والفساد والتبعية وما الثورات التي أعلنها الشباب العربي سوى خير دليل على ذلك وهي فرصة قد تحرّر الشعوب صاحبة الحقوق والمستقبل والدور ..

 

انّ مأزق وجود الدولة القطرية ليس بالمأزق المسدود متى ترك أمرها للشعوب بقيادة شبابها الثوري..

 

انّ التعامل مع الشعوب والقيادات الثورية الشابة بما يجرح الكرامة الوطنية والإنسانية لن يؤتي ثماره سوى مزيد من التشبّث بالمنهج الثوري وسيلة للتغيير.

 

ثورات الشباب العربي تشكّل امكان خروج بخطّ وطني / قومي يكون هو الرهان وهو المستقبل في تصحيح العلاقات داخل الكيانات القطرية. وهو خطّ يلتقي عنده الوطنيون الوحدويون الذين يدركون أهمية الوفاق الداخلي..

 

هذه الأهمية تفرض على الشباب العربي كونهم المعنيين أساسا” بالوحدة الوطنية توظيف الثورة لتوسيع قاعدة شرعيتهم التمثيلية . هذا ، ومشهد الميادين يوجب ذلك فالجميع استظلّه والجميع يتشبّث به حتى الإنتصار النهائي .. وبهذا تكتمل شرعيّة التمثيل ويوضع الحجر الأساس لبناء الوحدة الداخلية وأولويتها التي بدونها تفقد الثورة معناها.

 

انّ المخاطر التي تهدّد بناء الوحدة الداخلية كبيرة خصوصا” بعد خروج البعض عن مبادئ الثورة وبعد الانتهاكات التي ألحقت بها يوم تسلّمت الحكم فئات مستأثرة وبعد تجاوز ارادة فئات ثورية واسعة وحقوقها الأساسية في القرار والمشاركة .. تصحيح المسار هو الفرصة المؤاتية لاظهار قدرة الشباب العربي الثوري على تبديد المخاطر وتذليل العقبات عن طريق بناء دولةالوحدة والوفاق ..

 

اذا تعذّر على الشباب تصحيح المسار فالدولة تبقى مهدّدة حتى ولو انتهي المسار إلى استبدال حاكم بآخر فتنصيب الحكّام لا يعني قيام الدولة .. من شروط قيام الدولة وحدة الشعب ، ولا أخال الثورات العربية، على الرغم ممّا لحق بها من الطرف المستأثر ، تدفع في اتجاه المزيد من التشرذم والانقسام ..

 

هذا هو الوقت المناسب ليؤكّد فيه الشباب العربي الثوري والتصحيحي حرصه على مصالح الدولة ودوره في تأمينها وحمايتها من المتغوّلين الذين قضموا الدولة وجعلوها في خطر ..

 

انّنا نجد في التصحيح ظرفا” مؤاتيا” لبداية حوار مفتوح بين الشباب العربي الثوري وبين الوطنيين الوحدويين بشأن الدولة التي يجب أن تكون مختلفة عن ” دولة ” الحكّام السابقين ومختلفة حكما” ، عن ” دولة فئوية ” شهدنا نماذجها السيّئة المتغوّلة والمتنكّرة لمستلزمات الوفاق الداخلي ومفهوم دولة المشاركة.

 

التصحيح الثوري ، اذا تمّ بشروط وفاقية يكون قادرا” على اقامة دولة المشاركة .. الوفاق الداخلي بداية التصحيح في اتجاه الدولة الجديدة وهو جسر العبور من الحكم الفئوي إلى دولة المشاركة ..

 

الوفاق يتمّ بالإحتكام إلى مبادئ الثورة وأهدافها وإلى الواقع السياسي القائم وموجباته ، غير أنّ الأساس فيه هو عدم الاستمرار في ” الاستثئثار ” الذي وقعت فيه بعض الفئات .. انّ تكريس الواقع الاستئثاري يعني أنّ دولة الوفاق الداخلي لن تبصر النّور في المدى القريب، وربّما الى أمد غير منظور ..

 

الإستئثار في الحكم والتفرّد بالسلطة ينتجان الأزمات الكبرى في تاريخ الشعوب .. وفي الأزمات الكبرى يحتكم النبهاء الى صوت الضمير والواجب المندّد بالاكراه والابعاد والمصادرة واحتكار الوطن والوطنية .. فالشرعية الدستورية وحدها لا تؤمّن شرعية القيادة ، وهي في ظلّ الانقسام الداخلي تعادل شرعيّة الأمر الواقع وتنتفي دستوريتها ..

 

كلّ ما هو قائم بعد الثورة قانوني في بعض الدول العربية ، مئة بالمئة .. ولكن السؤال : أين هي شرعيته الدستورية/ الواقعية في ضوء هذا المبدأ ؟ ..

 

انّ مؤشّر قيام دولة الوفاق هو خروج من ” الاستثئثار” ودخول في ” المشاركة “..

 

 

ثورات الشباب العربي توخّت اعادة بناء الدولة وفق مبادئ ومقدّمات وفاقية ودستورية جديدة .. فتنتظم مؤسسات الحكم ، المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والادارية . ولكن الدولة هي فكرة قبل أن تكون مؤسسات حكم … فالحكومة مثلا” ليست هي الدولة ، وقيامها لا يعني قيام الدولة … وهكذا بالنسبة الى سائر المؤسسات .

 

ما نودّ قوله هو أنّ الثورات التي خرجت من أيادي أصحابها الحقيقيين أنتجت صيغ حكم ، أنتجت سلطات … ولكنّها، حتى الساعة، لم تنتج دولة .. انّ انتاج فكرة الدولة هو عمل فكري / ثقافي طويل وهو من اختصاص المثقّفين الثوريين والإصلاحيين من رجال فكر وعلم وقانون و… سياسة.

 

حركة انتاج الأفكار ناشطة لدى الشباب الثوري العربي…

 

هناك نخب شبابية منتجة في المجتمع المدني، وهناك وفرة من عقول وأدمغة عربية شبابية مهاجرة أو مهجّرة أو مهمّشة .. لديها أفكار وبرامج ، وهي نتيجة فهم عام وحقيقي وعلمي وشامل للواقع واحتياجاته.. ولكن هذه النخب، بأكثريتها، تعيش في حال من الانفكاك والتشرذم والضياع والشعور باليأس والتهميش بالرغم من توافر ظروف موضوعية لتوحّدها بعد انهيار تجربة الأحزاب القومية والإسلامية في الحكم وانكسار مشاريعها وبعد تفاقم أزمة الايديولوجيا وتراجع الخطاب الأخلاقي واشتداد أزمة البطالة وهجرة الأدمغة وازدياد حدّة الفوارق الاجتماعية وانقلاب المفاهيم القيمية في مجتمع مادّي استهلاكي .

 

انّ النخب الثورية الوطنية والقومية لن تقوى على احتمال التسيّب الطوعي أو الاكراهي ، ولن تطيق حياة المنفى في داخل الوطن العربي وخارجه .. ما يخرجها من عزلتها وسلبيتها هو اطار جامع يحتضن الجميع ويطلق المبادرات العملية والتنظيمية لبلورة رؤيا مشتركة حول مفهوم الدولة العربية العتيدة وآليّة تحقّق هذا المفهوم … فالخلاص من كلّ المآزق الخاصّة والعامّة ، الداخلية والخارجية ، هو رهن انجاز مشروع الدولة العتيدة .. المهم أن يجتمع الشباب الثوري لايجاد الاطر الوطنية والقومية المطلوبة لذلك واطلاق النقاش حول الدولة التي يريدون إعادة تأسيسها..

 

هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها ونحن نعي محاذيرها والصعاب والموانع الذاتية والموضوعية .. ونحن ندرك أنّ مبادرات كثيرة من هذا القبيل أطلقها شباب وطنيون وقوميون ومن أجلها شكّلت هيئات وأعدّت أوراق وجرت بشأنها نقاشات جدّية .. ولكن ، على الرّغم من كلّ ذلك ، تبقى الدعوة واقعة في لحظتها السياسية والتاريخية المؤاتية ، فالواقع السياسي الراهن لا يرضي الناس..

 

الشباب الثوري في خطابه المكتوب والمعلن وفق مبادئ الأخلاق الثورية وفي مقدّمها النزاهة والشفافية يشكّل هيئة اتهامية أو نيابة عامّة ضدّ الأنظمة والحكومات المستبدّة والفاسدة….. ما ندعو اليه هو تجاوز هذا الحدّ إلى العمل التأسيسي المقرون دائما”بالصيغ البديلة.. الدعوة ، اذا” ، قائمة ومستمرّة على قاعدة انتقال الشباب من ردود الفعل السلبية ومن مواقع الاحتجاج والصّوت المنبّه الى العمل الايجابي في تحضير البدائل ..

 

اذا تخلّف الشباب عن اعداد المشروع الوطني القومي البديل الذي محوره فكرة الدولة العتيدة ، والسلطة البديلة التي ركنها جيل الشباب ، من يحدث التجديد في حياتنا السياسية والوطنية ؟ ..

 

التخلّف عن رفع التحدّي ، كفرا” أم يأسا” ، لا يعفي الشباب من مسؤولية تاريخية توجب التسلّح بالفكر والخطّة والتنظيم والمنهج في مواجهة التخلّف والإستبداد والتبعية..

 

الشباب الثوري كما نفهم هم قادة رأي واتجاه . وظيفتهم هي انتاج الأفكار واطلاقها للناس شرحا” وسجالا” واقناعا” وتحقّقا” عمليّا” في مشروع قادر على استقطاب الرأي وتحديد الاتجاه … بين الشباب الثوري والناس في اختبار المعاناة وتحديد الخيارات ما هو حتمي ولازم في مراحل التغيير .. فالدولة العتيدة هي للناس .. ومن صواب التفكير وحسن التدبير وسلامة التعبير أن يركن الثوري للناس فيضبط استعلاءه الفكري ويخفض نبرته النبويّة ، يحاكي الناس في الهمّ وفي الرّجاء ويسألهم رأيهم في الدولة العتيدة .. لا مشروع سياسيا” يجد الى الواقع منفذه ما لم يكن للناس فيه رأي وارادة ..

 

يريد الناس أن تكون لهم دولة، دولة الحقّ والعدالة والقانون والمؤسسات والأخلاق والشفافية، دولة التنمية والخبز والدواء والمدرسة وتكافؤ الفرص ..

 

يريد الناس دولة الحرّيات العامّة والخاصّة ، كاملة غير منقوصة … ما يجري فيها انّما يجري في وضح النهار ، فالظلم وحده يتحرّك تحت أجنحة الظلام ..

 

يريد الناس دولة الأمن الساهرة على أمنهم بلغة القانون وسلاح القانون وزيّ الحضارة … واذا كان القانون يسمح ، أو العادة ، بأن تطرق أبواب الناس ليلا” فانّ الناس يريدون دولة تلغي هذا القانون وتترك هذه العادة … أوليس من حقّ الناس أن يطمئنّوا الى أمن الدولة بعد أن أرعبتهم طوال عقود دولة الأمن؟!

 

أمن الدولة العتيدة التي يريدها الناس هو أمن الناس والدولة والنظام العام ، أمن المجتمع ، لا أمن الحكام لتأمين استمرارهم في السلّطة ..

 

الدولة العتيدة ، باختصار ، هي دولة الناس لا دولة الحاكم أو ” أصحاب الدولة “

 

فالحاكم هو المؤتمن على ادارة مؤسساتها وتطبيق قوانينها ودستورها وحفظ سيادتها وتعزيز موقعها بين الدول .. وليس من شأنه أن يتماهى بالدولة فيتصرّف بها ومع الناس كأنّه وايّاها في ” جبّة واحدة ” .. فالحاكم منتدب من الناس لمهمّة محدّدة ومسؤوليّة معلنة الشّروط ، وهو حيث هو بارادة الناس .. والخروج على واحد من تلك الشروط أو عدم احترام تلك الارادة ، يتراوح بين سوء استخدام السّلطة في حدّه الأدنى والخيانة العظمى في حدّها الأقصى ..

 

هذا ما يريده الناس بشأن الدولة العربية العتيدة وهم متقدّمون فيه على كلّ السجالات المسموعة والمقروءة التي يجريها بعض المعنيين من المسؤولين العرب حول الإصلاح ، على أهمّيته ، تبقى موضوعة الدولة في رأس الأولويّات .. من هنا وجوب التقاء الشباب الثوري على الصعيدين القطري والقومي في اطار مرن يتّسع لاتّجاهات متقاربة في الطرح والغاية حول فكرة الدولة العتيدة وطريقة انجازها وشروطه وذلك باعتماد الحوار الجدّي والشجاعة الأدبية منهجا” في بلورة هذه الفكرة ثمّ العمل بوصفها شعارا” ثابتا” في مرحلة أحوج ما نحن اليه فيها هو الدولة ..

 

فالدولة تعمّق الشعور بالهويّة والانتماء ،. والدولة ، تاليا” ، تحمي المواطن وحقوقه من حكومات جائرة تعبّر عن سياساتها في برامج واجراءات تقيّد الحياة السياسية وتضيّق على الحرّيات وتقمع الحركات الاحتجاجية بمنع التجمّعات والتظاهر ، تمرّر الصفقات وتتغاضى عن الفساد وتتقاسم خيور السّلطة ، تضع يدها على الأحزاب وجمعيّات حقوق الانسان ، لا تعترف بالرأي المخالف ، وتدّعي الحقّ المنفرد في الحكم على قاعدة أنّها تحكم بارادة الناس!

 

باختصار ، الدولة العربية العتيدة التي يريدها الناس والتي تدعو الشباب الى بلورة مرتكزاتها والبناء ، هي نقيض ما يدّعي أهل السّلطة في الوطن العربي أنّه الدولة .

 

 

وعليه نقدّم مجموعة أفكار لإعادة تأسيس الدولة في الوطن العربي قد تساعد شبابنا الثوري إلى بلورة تلك المرتكزات:

 

 

طبيعة التحدّيات الراهنة تطرح على الشباب العربي وفرة من التساؤلات والهموم الوطنية والقومية يدور معظمها حول بناء الدولة في الوطن العربي في زمن طائفي / مذهبي بامتياز بات فيه الحديث عن تجاوز الطوائف والمذاهب عيبا” يطارد صاحبه حتى اشعاره بالغربة عن ذاته والآخرين .. في مثل هذا الزمن حاجة العرب الأولى بناء دولة مدنية ، دولة مواطنين ترتكز في فلسفة قيامها الى حقوق المواطن الفرد تسقط من التفكير والتعبير والموقف كلّ مفردات اللغة السياسية الطائفية / المذهبية وتتقيّد بلغة الانسان المواطن. فاللغة الطائفية أو المذهبية مؤذية ومعادية للانسان في حقّه والكرامة. حقوق الانسان هي مستقى القانون في الدولة.

 

الدولة الواجب بناؤها هي الدولة الراعية لشؤون مواطنيها بعدالة تامّة .. يضمن عدالة رعايتها قضاء مستقلّ وقادر على الفصل بالحقوق .. فاستقلالية القضاء ركيزة عدالة أحكامه .. وعدالة أحكامه ركيزة استقرار المجتمع والدولة .. استقلالية السلطة القضائية هي معيار قدرتها على أداء رسالتها بالعلم والعدل الوافيين والمناعة الأخلاقية المطلقة.. وهي ركيزة الدولة التي تحترم حقوق الانسان وتعي ما لمواطنيها عليها من حقوق وما لها عليهم من واجبات دربا” الى السلام الأهلي .. لا سلام أهليّا” من دون قضاء مستقلّ وقادر وعادل ونزيه ..

 

الدولة الواجب بناؤها هي دولة ديموقراطية يحكمها مبدأ تداول السلطة وتجديد الحياة السياسية بالطرق السلمية والانتخابات العامة . إنّ أهل السلطة في الوطن العربي هم في أزمة حقيقية مع الديموقراطية .

 

الدولة الواجب بناؤها هي دولة قيادات تتّصف بالعلم والأخلاق .. الوطن العربي في أزمة قيادة. قيادة الدولة تستوجب الشفافية في ممارسة المسؤوليات العامّة ، واتّباع المنهجيّات العلميّة في ادارة الشّأن العام … التحدّي هو في وجود قيادات لا تستطيب النمط الارتجالي السائد في تلبّس الكلام والألوان والأدوار بحسب المراحل والهبّات واتجاه المصالح بل تنفر منه الى التخطيط العلمي والحرص على الأمانة الأخلاقية… هذا الذي يرى فيه بعض الناس حسن تدبير وامتلاك فنّ الوصول نرى فيه خيانة للذّات وللمبادئ وانتهاكا” لأقدس وأشرف ما فيها : الأصالة والنبل ، سيّان عند صاحبهما الاخفاق أو النجاح ..

 

الدولة الواجب بناؤها هي دولة المؤسسات الدستورية، وفي رأسها المجالس أو المحاكم الدستورية التي تصدر أحكامها فيما يناط بها من مسؤوليات بعلم وجرأة وتجرّد وإلاّ اضمحلّ الأمل المعقود على مرجعيّة قانونية هي الأعلى والأقوى في الدولة الحديثة فلا تخرج من حقّ ولا تدخل في باطل وعاصمها في ذلك قولة حقّ وعلم بالقانون والدستور فتردع المتلاعبين بالدستور والقانون ارضاء” لشهوة من داخل أو انصياعا” لارادة من خارج..

 

الدولة الواجب بناؤها هي دولة خدمات تتولّى فيها شؤون المواطنين ادارة عامّة فاعلة منتجة ونظيفة.. الادارة هي الوجه الراقي للدولة الحديثة أولسنا في حاجة الى مثل هذا الوجه النابض بالحيوية والشفافية؟.. سبيلنا الى ذلك مسؤولون في الدولة يتهيّبون معنى المسؤولية والخدمة العامّة ويحترمون القوانين والكفاءات في تسمية الاداريين.. فالاصلاح الاداري منشرط حكما” باصلاح سياسي.. والفساد في الادارة هو من فساد السياسيين الذين لا يتورّعون عن ارتكاب المخالفات وتغطية الاهمال وحماية عدم الائتمان والتزوير والاحتيال والرشوة .. في الدول العربية فوضى ادارية عارمة تنعكس سلبا” على مشروع انهاض الدولة وأمور الناس الحياتية .. كلّ هذا والموظّف الفاسد يدرك أنّ نظام ” المحميّات الادارية ” يوفّر له الطمأنينة اللاّزمة والوافية والأمن الوظيفي / السياسي الواقي من ملاحقات قضائية ممكنة .. انّ ما يجري في الوزارات والادارات العربية بعامة كما تقرّر منظمات مكافحة الفساد الدولية والعربية يفضح بقوّة عدم الانضباط الأخلاقي والقانوني عند أزلام المسؤول ومحاسيب السلطان والسؤال المطروح أنريد دولة أخلاق أم دولة رشوة ومسروقات منظورة وغير منظورة ؟ .. الادارة المنفصلة عن التوظيف السياسي هي الشاهد على الدولة الحديثة.. والادارة التابعة له هي الشاهد على الدولة / المزرعة أو الدولة / الشركة والملك الخاص.. الفلتان والتسيّب والفوضى والفساد المنظّم وقائع تثبت أنّ معظم الدول العربية دول فاسدة.

 

تلك كانت بعض الأفكار في الدولة الحديثة، وهي أفكار مستمدّة من قراءة أوّلية وعامّة في الواقع العربي الراهن.. نكتبها ونحن ندرك أنّ التغيير يبدأ بفكرة ثورية يتجنّد لها شباب ثوري مؤمن بقضايا الشعب والأمّة…