العنف السياسي.. وسيلة لإحداث التغيير
=================================================
يعرّف العنف بأنّه القوة الجسدية التي تستخدم للإيذاء أو للإضرار المادي والمعنوي أو التصفية الجسدية، ويوجه العنف السياسي إلى الأفراد، أما سياسة العنف المفرط فهو موجه ضد الجماعات العرقية والعنصرية والقومية، بهدف إخراجهم من أراضيهم بالطرد أو بالإبادة الجماعية.

وقد ميز جون سوملي John Swemly بين نوعين من العنف، هي: العنف المكشوف والإبادة. وتبدو النوعية الأولى في أحداث الشغب والإبادة والحرب والثورة، ورد الفعل المضاد لها، وفي كل الأحوال، فالعنف المكشوف ينطوي دائماً على استخدام الأسلحة لجرح أو قتل الآدميين. وأما النوع الثاني وهو الخفي، فهو ينطوي تحت لواء النظم السياسية التي تحد من ممارسة المواطنين لحرياتهم.


وقد ركّز بعض علماء الاجتماع على العلاقة بين العنف والسلطة السياسية وهو ما يطلق عليه العنف السياسي، وهو يتمثل في اللجوء إلى القوة لجوءاً كبيراً أو مدبراً ضد الأفراد أو الأشياء، لجوءاً إلى قوة يحظرها القانون، موجهاً لإحداث تغيير في السياسة، أو في نظام الحكم، أو في أشخاصه. وقد يوجه العنف كذلك إلى إحداث تغييرات في وجود الأفراد في المجتمع وربما في مجتمعات أخرى.

وقد أوردت رايت ميلز Write Mills في مقولته: العنف هو النوع النهائي من السلطة. ويؤكد كال ماركس أنّ الدولة هي أداة قهر في أيدي الطبقة الحاكمة. وافترض ماكس فيبر أنّ العنف وسيلة تختص بها الدولة. وفرق فريد هـ. فون Fred H. Von بين العنف الذي تستخدمه أجزتها وهو ما يطلق عليه عنف المؤسسات كرادع لسلوك انحراف المواطنين، وهو إجراء قانون للسيطرة على الأمن العام في المجتمع. والعنف الآخر الذي تستخدمه الجماهير والجماعات المتطرفة.

وقد حدد فون العنف في ثلاثة أنواع، هي:

1- الشغب، وهو عنف سياسي غير منتظم يتبلور في شكل الاضطرابات السياسية العنيفة والمظاهرات والثورات.

2- التآمر: وهو عنف سياسي منظم يبدو في الاغتيالات السياسية.

3- الحروب الداخلية: وهو على درجة كبيرة من التنظيم غير الرسمي، بدعم من التنظيم السياسي، وذلك، مثل: أعمال العصابات، والإرهاب، والاغتيالات واسعة النطاق، والأعمال التي تغذي حركات التمرد لقلب نظام الحكم، أو القضاء على الدولة.

وهناك عدة عوامل تؤدي إلى ظهور العنف السياسي نسردها في الآتي:

1-   عدم المشاركة في اتخاذ القرارات:

 ويقصد بها عدم المشاركة في اتخاذ كل أنواع القرارات التي تمس المواطن بما في ذلك الحياة اليومية، سواء القرارات داخل الأسرة أم داخل المدرسة.

وتشير دراسة فراج سيد محمد فراج (1992) إلى أن معظم الطلاب لا يشاركون في عمليات صنع القرارات التي تحدد وتنظم الأنشطة الطلابية، وأنهم يعتقدون أن حرمانهم من المشاركة كان سبباً في عزوفهم عن المشاركة الإيجابية في تلك الأنشطة.

ويؤكد علي ليلة (1985) أن نسبة المشاركة السياسية كما تعكسها البيانات تشير إلى مستويات متدنية بنسبة 8.5% لدى طلاب الجامعة وهي نسبة ضئيلة، تحت حجة أن طالب الجامعة ينبغي أن يكون طالب علم فقط.

وتؤكد دراسة أمينة الجندي (1989) أن 10% فقط من أفراد العينة (طلاب الجامعة) يشتركون في انتخابات مجلس الشعب، وأيضاً انخفاض نسبة المنضمين لعضوية الأحزاب السياسية، حيث نسبتهم 7.3% من حجم الطلاب، وهي نسبة ضئيلة للغاية.

 

2- الفراغ السياسي وغياب التربية السياسية لدى الشباب:


فعلى الرغم من التنظيمات الشبابية التي لم تؤد دوراً إيجابياً في خدمة الطالب وتدريبه سياسياً، وإيجاد الصلة والثقة بينه وبين القادة في القطاعات المختلفة، كان من الأحرى أن توجد سياسة قانونية قد تكون مدارس تتربى فيها كوادر شبابية مدربة على خدمة البلاد.


وأكدت نتائج دراسة نجده إبراهيم علي سليمان (1993) أنّ المقررات في المدارس المختلفة بالتعليم الأساسي تتسم بالجدب والعقم، لأنّ المعرفة السياسية بها ناقصة وهامشية وبعيدة عن الواقع؛ مما لا يشكل وعياً سياسياً للتلاميذ. وهي في حاجة إلى التعديل لتتكيف مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتطور السياسي الديموقراطي، وتهدف إلى تحقيق إجتماع سياسي سطحي للتلاميذ واستثارة دوافعهم وحفز ميولهم نحو العمل السياسي.

وقد أظهرت النتائج نقص إكتساب التلاميذ مهارات التنشئة السياسية وإهمال جميع المدارس النشاط المدرسي بوجه عام، مما يعنى أنّ التعليم يعمل على خلق أفراد تابعين ومهيئين لقبول قرارات الفئة المسيطرة ومستعدين للإنزواء بعيداً عن مواقع السلطة وفاقدين مكانتهم الكبرى في النقد والرفض والمقاومة لأي أشكال القهر والتسلط، وكذلك أسلوب التلقين الذي يتبعه المعلم وانهيار مكانته كقدوة ومصدر للمعلومات، وإهمال النشاط المدرسي قد انعكس على ضعف اكتساب التلاميذ للمعلومات والمهارات والاتجاهات السياسية.

كذلك فإن غياب التقاليد الخاصة بالممارسة الديموقراطية والتي تدور حول إمكانية التعبير باستخدام الوسائل السياسية غير العنيفة، إضافة إلى ضعف المعارضة السياسية نتيجة لفترات القمع الطويلة، وعدم قدرتها على تقديم البدائل الممكنة لما هو قائم، صار العنف هو البديل المتاح سواء من جانب الجماهير الساعية لإحداث التغيير أم من جانب القابضين على السلطة السياسية في المجتمع من أجل الحفاظ على الوضع القائم.

وبالإضافة إلى ذلك فإن اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتصاعد الانغلاق الذاتي في صفوف الصفوة السياسية، وتزايد المسافة بين الطبقة الدنيا والمؤسسات الاجتماعية المسيطرة عوامل تغذى عدم الثقة والاستياء وتفجر العنف.

ونسوق هنا الشروط التي تسبق عمل العنف في كنف الدولة، والذي يسمى بالعنف السياسي، والنتائج المترتبة عليه، والتغيرات المسؤولة عن الصراعات الداخلية، والحروب العالمية، والمضاعفات المترتبة على اندلاع موجات العنف الجماعي. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: “الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي لا يستطيع أن يحيا دون سلطة تضبط سلوكه بالقوة”. وكشف بعض المؤلفين عن دور الدولة فوجوده نوعاً من العنف المستمر”.

والواقع فإن مهمة الدولة الداخلية الأساسية هو وضع حد نهائي لأعمال العنف الخاصة، سواء أكانت فردية أم جماعية. لذلك فمن واجب الدولة، وهي تتلاءم وذهنيات العصر ومعتقداته أن تؤسس ضمانات قانونية تحمي الأشخاص جسدياً ومعنوياً، فتنظم انتقال الملكلية والسلطات انتقالاً سليماً.

والدولة في مراحل الهدوء والاستقرار، تعتبر شرعية، فتطاع دون جهد، وعندما يبدو أنها أثارت استياء، فينفجر العنف، والنقمة على السلطان، والفتن والثورات والإضطرابات والاغتيالات السياسية. وفي مثل هذه الأحوال يقول د. وتسون: إذا رأيت أن سلطتك لم تعد محترمة، فاعلم أن سلطة أخرى هي في الطريق.

وتهدف أعمال العنف عادة إلى مرمى معيّن: أجر أعلى، وتعليم آخر، وذهاب القائمين على الحكم، ونادراً ما تريد قلب أوضاع الدولة ومبادئها، إلا إذا تحولت إلى ثورة حقيقية.

ونظر راد كليف براون (1881-1955م) إلى العنف نظرته إلى السياسة، وهي التي تتضمن عنصر القوة والقهر والقسر، وعلى ذلك فعالم السياسة لابدّ أن يهتم بموضوعين، هما: القانون والحرب، وإن كان لا ينفي بعض مسائل أخرى تقع بين الإثنين، مثل الانتقام الجماعي المنظم.

وأنكر ميشيل فوكو الروابط بين السلطة والعنف، فالعنف لا يمارس إلا ضد الأشياء، بينما السلطة ليست إلا فعلاً يمارسه أفراد أو جماعة مقابلة في مواجهة فعل أو أفعال الآخرين. ومع ذلك، فكثيراً ما يصاحب السلطة في الواقع مظاهر العنف والقمع والاستفزاز. وقد يصاحبها أحياناً بعض الموافقات، إلا أن ذلك لا يشكل جوهرها. فهي لا تحتاج إلى العنف، ولا تحتاج إلى الموافقة إلا في صورة وسائل، أو آثار. ويرجع هذا إلى طبيعة السلطة التي تظهر خلال الأفعال كالترغيب والترهيب والإثارة، أو الحد أو المنع والتحريم، أو التسهيل والحفز والتشجيع.

والسلطة من منظور القيادة والحكم، وليس من منظور الحرب أو التصور القانوني، هي: السلوك القيادي الهادف الذي يعتمد على وسائل ضغط، كما أنّها تقوم بالتصرف الحاذق اللبق الذي يقوم على الاختيار والأفضل لكل الإمكانيات والوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف المطلوبة أو المرسومة. فهي قوة موجهة، وليست مواجهة دامية مع الآخرين. كما أنها ليست في حاجة إلى الصراع أو العنف، ولا التعاقد والالتزام الإرادي، وإذا لزم الأمر فإنّها تلجأ إلى هذه القوى أو الارتباطات، ويكون ذلك في صورة “وسائل” و”أدوات”، وليس تحقيقاً لأهداف وغايات.


وإذا كانت السلطة لا تقوم إلا مع حرية، فإنّ هذه لا معنى لها إلا بمناوئة السلطات ومعارضتها، إذ ليس هناك قوة من غير رد فعل، ولا ممارسة حقيقية من غير تعارض قطبين أو طرفين. ومن ثمّ فإنّ السلطة لا تقوم على عداء جذري أو خصومة مستفحلة، وإنما على نوع من التنافس والتنازع Agonism اللذين لا يكفيان بحق إثارة التوتر والتحريض المستمر بين الأطراف.

وربط بعض العلماء بين النظام السياسي والعنف، فالسلطة الدكتاتورية تقوم على أساس انفراد الحكم بالسلطة وهو يتولى الحكم عن طريق القسر والقوة ويكتسب الحكم عنوة بفضل كفاءته وجهوده، أو ما يتمتع به من قوة النفوذ. ومصدر السلطة في الدكتاتورية هو شخصية الحاكم ومدى سيطرته ونفوذه عن طريق العنف. وتقوم الدكتاتورية على أساس مذهبي Edeologique كالنازية والهتلرية في ألمانية، والتي كانت تستند على سمو الجنس الآري ورقيه على كافة الأجناس، والفاشية الموسولينية، والتي اعتمدت على الدعوة على إعادة مجد الإمبراطورية الرومانية.

وتستعين نظم الحكم خاصة النظام الدكتاتوري بقوات الجيش والشرطة، والشرطة هي أحد المراحل التي تولد العنف، فتتدخل الشرطة فيؤدي إلى خلق جو من العنف والتطرف بين الطلاب، فيؤدي ذلك إلى أحداث أشد عنفاً، فيقذف الطلاب رجال الشرطة بالحجارة، ويحطمون النوافذ، ويشعلون النار في المباني، وحتى الطلاب الذين لم يكونوا منضمين أصلاً لهذا العنف السياسي، فإنّهم ينضمون لزملائهم في ممارسة العنف ضد الشرطة عندما رأوهم يعتدون بالضرب على زملائهم.

وتؤدي المبالغة في الضبط إلى زيادة العنف، وقد ثبت ذلك في كثير من الدول العربية. فهناك علاقة طردية بين تكرار أحداث العنف الرسمي وحول تكرار أحداث العنف غير الرسمي، فزيادة أو نقص الأوّل تؤدى إلى زيادة أو نقص الثاني، وهذه العلاقة ليست مباشرة، فزيادة تكرارات أحداث العنف الرسمي قد تؤدى إلى القضاء على أحداث العنف غير الرسمي وتحجيم دور القوى التي تمارسها.

وعلى عكس ما ورد في النظام الدكتاتوري، يسود النمط الديموقراطي للمنافسة السياسية دون عنف، ويقوم المدنيون بممارسة النشاط السياسي، ويصبح عدد كبير منهم مسؤول مسؤولية مباشرة، ولا تتدخل الحكومة في وسائل الاتصال الجماهيرية، ولا تمارس نفوذاً كبيراً عليها، أو على السلطة القضائية، ويكون المنتصر والمهزوم على وفاق على أساس أن أدوارهم ستتبدل في وقت لاحق دون إجراء عنف.


ففي الولايات المتحدة الأمريكية يزداد العنف بالمقارنة ببريطانيا، وقد رد كل من كامبيل وجيبز ذلك بوجود عرقيات كثيرة بالولايات المتحدة، وما يشعر به كثير من العرقيات من ظلم واضطهاد؛ مما يؤدى في النهاية إلى انفجار العنف في أي لحظة. وتعد الحياة المضطهدة من يقوم بممارسة العنف بطلاً.

كذلك فإن بطء التغير في السلطة السياسية بما لا يساير التغير المتلاحق في بنية المجتمع وخصائص طبقاته، ومتطلباتهم يؤدي إلى الصراع وانفجار العنف. ويتمثل ذلك في الثورة الفرنسية. فعندما نشأت البورجوازية التجارية في فرنسا ما بين القرن السادس عشر والثامن عشر، ودون الحقوق المدنية، وظلت السبل إلى السلطة السياسية موصدة في وجهها انفجرت الثورة الفرنسية. كان هذا أحد أسباب السياسية لاندلاع العنف.

أمّا الاشتراكية الديموقراطية فتسعى إلى تدعيم الديموقراطية، وترى أنّه حينما تسود الديموقراطية وتستقر مبادؤها في نفوس الناس وعقولهم، تزداد فرص تحقيق الاشتراكية. لذلك يحرص الاشتراكيون الديموقراطيون على اتباع الوسائل الديموقراطية للوصول إلى الحكم، وذلك باستخدام حق الاقتراع العام، ومراعاة الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وذلك على عكس الأحزاب الشيوعية التي تستخدم أساليب العنف والحركات السرية وغير ذلك من الوسائل غير الديموقراطية للاستحواذ على السلطة.


وقد ماثلت الفيلسوفة “حنة أرندت” في كتابها “في العنف” بين العنف والسلطة، وميزت وأبرزت الفروق بينهما. وقالت: لا يمكن لأي شخص أعمل فكره في شئون التاريخ والسياسة أن يغفل الدور العظيم الذي لعبه العنف دائماً في حياة البشر. وقد اهتمت المؤلفات التي تبحث مسائل الحرب والعمليات بأدوات العنف، وليس العنف نفسه.

فالعنف لا يعتمد على العدد أو الرأي العام، بل على الأدوات. وأدوات العنف من شأنها أن تزيد أو تضاعف من القدرة البشرية، فإنّ الحسم سيكون للعنف، لأن الذين يجابهون العنف بالسلطة وحدها سرعان ما يجدون أنفسهم في مواجهة ليس مع البشر، وإنما مع الآلات التي تتزايد لا إنسانيتها وفعاليتها التدميرية، بالتناسب مع المسافة التي تفصل بين المتجابهين. إنّ بإمكان العنف أن يدمر السلطة دائماً، ولكن ليس بإمكان العنف أن يصبح سلطة أبداً.


فإذا كان العجز يولد العنف، فإنّ العنف نفسه يقود إلى العجز، فحين لا يعود العنف مدعوماً من قبل السلطة نصبح أمام ذلك الإنقلاب المعروف. حتى تصبح غاية في حد ذاتها، عندئذ تصبح الغاية محددة من قبل الوسائل – وسائل التدمير – وتكون النتيجة أنّ هذه الغاية تؤدي إلى تدمير كل سلطة.

وقد تطورت أدوات العنف تقنياً إلى درجة لم يعد من الممكن معها القول بأن ثمة غاية سياسية تتناسب مع قوتها التدميرية، أو تبرر استخدامها حالياً في الصراعات المسلحة.

وتتجلى مشكلة العنف في السلطة، فكل سياسة إنما هي صراع من أجل السلطة، والعنف هو أقصى درجات السلطة. وميّزت أرندت بين السلطة والعنف، فالسلطة ارتكزت على الدوام إلى العدد، أما العنف فإنّه إلى حد ما يكون قاصراً على تدبير أمر، مستغنياً عن العدد، لأنّه يستند إلى الأدوات- أدوات القمع. كذلك فإنّ الشكل الأكثر تطرفاً في السلطة يعبر عن شعاره: الجميع ضد الواحد، أما الشكل الأكثر تطرف للعنف فهو الذي يعبر عنه شعار: “الواحد ضد الجميع”. وهذا الأخير لا يكون ممكناً دون اللجوء إلى أدوات القمع.

ولم يحدث أبداً لحكومة وطدت سلطتها على أساس أدوات العنف وحدها إن وجدت، فحتى الحكم الشمولي (التوتاليتاري) الذي يعتمد على ممارسة التعذيب كوسيلة أساسية للحكم يحتاج إلى أسس للسلطة كالبوليس السري وشبكة المخبرين الملحقين به. والسلطة لا تحتاج إلى تبرير إنطلاقاً من كونها لا تقبل أي فصل في وجود الجماعات السياسية نفسها، فما تحتاج إليه السلطة هو المشروعية. وتنبثق السلطة في كل مكان يجتمع فيه الناس، ويتصرفون بالتناسق فيما بينهم، وهي تستنبط مشروعيتها انطلاقاً من اللقاء الأوّل أكثر مما تستنبطها من أي عمل قد يلي ذلك. والمشروعية حين تجابه تحدياً تسند نفسها في التوجه إلى الماضي. أمّا التبرير فإنّه يرتبط بغائية متصلة مباشرة بالمستقبل. والعنف قد يبرر، لكنه لا يحوز على مشروعية، وهو يبدو أقل مصداقية. بمقدار ما تبدو الأهداف المستقبلية المتوخاه بعيدة عن الزمن. واستخدام العنف ضروري في حالة الدفاع المشروع عن النفس حتى لا يكون الخطر بادياً فقط، بل حتمياً كذلك… هنا تكون الغاية التي تبرر الوسيلة جلية.


وبالرغم من أنّ السلطة والعنف ظاهرتان متمايزتان، إلا أنّهما غالباً ما يظهران معاً، وحينما يتم التوليف بينهما تبرز السلطة باعتبارها العامل الأساسي والمسيطر، وتقوم المماثلة بينهما على فهم الحكومة لسيطرة الإنسان على الإنسان بواسطة العنف.

أمّا العنف فيتميز بطابعه الأدوات، وهو قريب من القدرة بالنظر إلى أدوات العنف، كما هو حال بقية الأدوات. فقد صممت واستخدمت بهدف مضاعفة طبيعة القدرة حتى تستطيع أن تحل محلها في آخر مراحل تطورها[17].

وتتعارض السلطة مع العنف فحين يحكم أحدهما الآخر حكماً مطلقاً يكون الآخر غائباً. فالعنف يظهر حين تكون السلطة مهددة، وإذا ترك الأمر على سجيته سينتهي الأمر بإخفاء السلطة.

ويبدو خطأ التفكير في اللاعنف بوصفه نقيض العنف. فالحديث عن سلطة لا عنيفة هراء لا معنى له، ذلك أنّه بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنه عاجز عن خلقها.


وحيث أنّ العنف أمر ذاتي في طبيعته، فإنّه يبدو واقعياً بالنظر إليه على أنّه فعالاً في الوصول إلى الغاية التي من شأنها أن تبرره. وبما أننا حين نمارس فعلاً لا نكون عارفين مسبقاً، وعن يقين ما الذي ستكون عليه نتيجة ما نفعل، يمكن للعنف أن يبقى عقلانياً في متابعته لأهدافه على المدى القصير. فتكتيكات العنف والشغب تكون ذات جدوى بالنسبة للأهداف قصيرة المدى، بينما يبدو العنف غير مجد بالنسبة إلى أهداف المدى الطويل.

 

– السياسة والجريمة:

ترتبط عدد جرائم بعض التصرفات السياسية التي تصدر عن النظام السياسي، لعل أهمها جرائم الفساد الوظيفي الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، والإضرار بالمال العام، وجرائم تزوير الانتخابات. ومن ناحية أخرى هناك مجموعة من الجرائم السياسية أو ذات النمط السياسي التي تسعى عن عمد إلى الوصول إلى تغيير نظام الحكم.

كذلك فإنّ النظام السياسي الفاشل – أي العاجز عن أداء دوره في خدمة الأُمّة تشيع فيه آفات الفساد السياسي والإداري، وعدم تحمل المسؤولية، وهو أمر له خطره على الروح المعنوية للأفراد، ومن شأنه أن ينمي فيهم النزعة إلى الفوضوية أو المسؤولية، وهو أمر له انعكاسات هامة على حركة الإجرام.

ومن جهة أخرى ينعكس النظام السياسي بطريقة واضحة على جرائم الرأي وحرية التعبير، وعادة ما تكون الحدود غير واضحة، بين ما يمكن اعتباره تعبيراً عن رأي، وما يمكن اعتباره جريمة. فتارة ما يعتبر النظام السياسي الآراء السياسية المناهضة للنظام جريمة رأي، وتارة أخرى تعتبر النظام السياسي الأفعال المناهضة للنظام مجرد رأي سياسي وحرية في التعبير.

وتؤثر السياسة الخارجية على حركة الإجرام، ففي حالة الحرب تتزايد نسبة الجرائم بدرجة ملحوظة، فتزيد نسبة جرائم التجسس. أما جرائم العنف فتنخفض بشكل كبير ويرجع ذلك إلى زيادة الجريمة في نفوس الناس، وعدم الإقبال على الخمور. كما تزيد نسبة السرقات وإخفاء الأشياء المسروقة، وذلك لقلة المواد الغذائية، وإن وقعت هذه السرقات على أشياء تافهة.

ويأخذ معدل الجرائم في التزايد بعد انتهاء الحرب، خاصة إذا ما انتهت الحرب بهزيمة، وذلك بسبب ما تحدثه حالة الحرب من اضطراب وقلق ويترك أثره حتى على المنتصر بعد الحرب، ولظهور الرغبة العدوانية في التعويض إذا ما انتهت الحرب بالهزيمة.

هذا وتؤدى حالة التعبئة السابقة على الحرب إلى شحن الهمم، والإحساس بالجدية، وطغيان الاهتمام الوطني على الاهتمامات الخاصة، فتقل المطالبة بالديون، ينشغل الدائنون عن تاريخ الوفاء بديونهم مثلاً، وإذا ما انتهت الحرب بدأت الاهتمامات الخاصة المتراكمة والنزاعات بالتالي. اما الروح المعنوية فتصاب أثناء الحرب بالانقسام الشديد بين المواطنين المدنيين لاسيّما إذا كان الهدف من الحرب مرفوض، أو غير مفهوم لدى بعضهم.

 

المصدر: كتاب السياسية والمجتمع (دراسة في علم الاجتماع السياسي)

موقع الموسوعة الاسلامية