مفهـــوم الزمـــان

مارتن هيدغر

تقديم وترجمة : ربيع شلهوب (فريق مركز الانماء القومي)

تمهـيد:

إن محاضرة مفهوم الزمان -1924- هي تمرين أول على ما سيغدو لاحقاً الكتاب العمدة لهيدغر (الوجود والزمان)، فيها نجد بلورة أولية لمعظم الثَيْمات التي سيعكف هيدغر على تخريجها وتفصيلها وإعادة إنتاجها مراراً وتكراراً بين عامي 1924-1926. يحدد هيدغر هنا في فقرات ثمانٍ البُنى الأساسية للهوذاك كالوجود-في-العالم، الوجود-مع-الواحد-الآخر، الحديث، الهُمْ، الإنهمام، المخصوصيّة،… التي سيعنونها بالأنالوطيقا التمهيدية للهوذاك في كتاب “الوجود والزمان” والتي ستغطي الجزء الأول بكامله [45-9§§]، مع تغيرات كبيرة إن لجهة الحذف، أو التوسع في مضمونها وتعديلها، أو لجهة تنزيلها مقامها في سياق مشروع الأنطولوجيا الأساسية.

المقاربة الهيدغرية للزمان تتماسف إبتداءاً مع المنظور اللاهوتي الذي يفهم الزمان إنطلاقاً من الأبدي، ومع المنظور الفلسفي الذي يسأل عن الزمان إنطلاقاً من الزمان نفسه بغية بلورته في نسق من القضايا ذات “الصلاحية الكونية” حيث يتعالق الزمان مع جملة من المعقولات الأخرى. نقطة الانطلاق لفهم الزمان تبدأ من الهوذاك Dasein والذي تبعاً له فقط تكتسب الفلسفة والعلم معنى ما بما يقدمان له من أقاويل حول الوجود وحول العالم.

التأمل الهيدغري يزعم لنفسه هنا مقاماً مختلفاً عن الفلسفي واللاهوتي، والعلمي واليومي؛ إنه مقام العلمان البدْوي أو الحقل ما قبل النظري الذي دأب هيدغر منذ 1919 على توجيه المبحث الفينومينولوجي نحوه

علاوة على هذا، فالأسئلة التي تنعقد هنا، وبقدر ما تتنتج من الحقل الماقبل النظري السابق أنطولوجيا على العلوم فإنها “تضبط ركب العلوم”، وهذا يتأتى خَلَل المقام المستحدث للفلسفة كـ”علم أصلي” أو كـ”منطق منتج” يتملّك الهوذاك مسبقاً حيث تكتسب العلوم دلالتها بما يمكن أن تعنيه له بوصفها ضروبَ تطرّقٍ لميادين تنكشف أشياؤها بفعل الحركية الانكشافية الذاتية للهوذاك.

الهوذاك يملك نفسه مُتَّجداً على نحو يكون وجوده في كل مرة من شأنه؛ هذا الوجود الذي يكون إبتداءاً وجوداً في العالم يتصف بالانهماك وبالوجود مع الآخرين، حيث الحديثُ سِمةٌ أنطولوجية مميزة له، يعلن فيه الهوذاك تفسيره الذاتي لوجوده ولموقعه في العالم. هذا الوجود-في-العالم هو وجود في اليوميّة حيث يُستغرق الهوذاك في انهماكه ويكاد يضيّع نفسه في الهُمْ (الفضاء العمومي لجاهزيات الفهم والتعبير حيث يرى ما يُقال ولا نقول ما يرى) ويشارف على خسارة فرادته.

أصالة الهوذاك لا تُلْقَف من خلال وجوده اليوميّ بل من خلال لقْف الإمكان القصووي الذي لا يمكن أن يتشارك به مع أي أحد آخر، وهو الوجود نحو الموت. هذا الامتياز الفينومينولوجي للموت إنما يصدر عن سببين؛ الأول إنه إمكان محض وفريد للهوذاك الذي وإن سقط في العالم وكانت له قابلية أن يُخطئ إمكاناته الخاصة من خلال تماهيه مع الهُمْ وإعطاء نفسه التفسيراتِ الشائعةَ والمكرَّسة في العالم المحيط الذي يحيا فيه الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل الإمكانات الذاتية لوجوده، فإن الموت هو الإمكان الخاص للهوذاك الذي لا يستطيع أحد أن يعفيه منه. السبب الثاني لميزة الموت إذاً هو الإمكان القصووي للهوذاك الذي يعرف مسبقاً أنه سوف يمضي. هذا الاستباق للمُضيّ هو “الكيف المحض والبسيط للهوذاك”، هو الذي ينتزع الهوذاك من اليوميّة ومن الانهماكْ واضعاً إيَّاه وجهاً لوجه أمام ذاته بما هو مقبل نحوها وإليها؛ وعلى ضوء هذا الإقبال نحو نفسه يعود الهوذاك إلى كلّ من حاضره وماضيه واهباً لنفسه زمانه. وعليه، ليست إقامة الهوذاك في الحاضر ولا عودته إلى ماضيه سوى كيفيات مشتقة من الكيف الأصيل للوجود الزماني وهو الإقبال نحو (zukunft). فالهوذاك المقبل على نفسه يستبق مُضيّه، بمعنى أنه يقف قبل هذا الإمكان الأقصى مدركاً بأنه سوف يغدو ماضياً في زمن ما لا يملك أن يعيّنه وإنه على ضوء هذا المُضيّ، الذي يستبقه الهوذاك في إقباله على نفسه، يستنقذ الهوذاك ما مضى من إمكاناته حيث الماضي لم يمضِ تماماً بل يمكن أن يعاود مراراً وتكراراً في الكيف الذي يخصّه.

هذه العلاقة بين تعيين الهوذاك في أصالته وبين لقْفها في جملية وجوده من خلال الوجود نحو الموت تنطوي على قدر من التجريد في هذه المحاضرة، وهذا ربما ما سيحدو لاحقاً بهيدغر إلى المزيد من مَعْينَتِها من خلال تخريجه لفينمان الضمير كمستطاع الوجود الأصيل والذي يشير إليه لمحاً هنا ويخصص له فقرة واحدة في تاريخ مفهوم الزمان §35 قبل أن يعالجه على نحوٍ تفصيلي في “الوجود والزمان” [54-60§§].

ومهما يكن، فإن الطرح الأنطولوجي الطارف لهيدغر هنا هو المتابعة الراديكالية للإقصاء الفينومينولوجي للزمان الكوسمولوجي الذي كان هوسرل استبعده على نحو تام بوصفه ليس من مشمولات الفينومينولوجيا وذلك في دروسه عام 1905 عن الوعي الباطني بالزمان. إن هوسرل في استبعاده للزمان الكوسمولوجي كان على وعي تام بالصعوبات الفلسفية التي يُفضي إليها مثل هذا القرار الميتافيزيقي بصدد ترتيب العلاقة بين كل من الزمان الفينومينولوجي والزمان الكوسمولوجي، في الوقت الذي أعلن فيه صراحة أن مثل تلك الإشكالية –التي تعترف بوجاهتها- لا تجد لها حلاً على المبنى الفلسفي للفينومينولوجيا. الأمر الطريف هنا أنّ هيدغر وفي الوقت الذي ينكر فيه وجود الزمان، إذا أُخذ بلحاظ مستقل عن الهوذاك، يقدم طرحاً جدلياً مفاده أنَّ الزمان الطبيعي لا يعدو كونه فينماناً مشتقاً من الوجود الزماني ومنتزعاً من حركة الموجود التي لا تلاقى إلآ في الزمان الذي نكون نحن. [GA 20, P.442]

هذا الإرجاع أو الإختزال للزمان الكوسمولوجي إلى الزمانية يطرح أسئلة عديدة، نجد أنه ليس ثمّة تثريبٌ فلسفي علينا أن نطرح بعضها ها هنا: ألا يبقى المفهوم الكلاسيكي للزمان قارَّاً في طيّات تخريج فينومينولوجي للزمانية، قد لا يعدو كونه تراجعاً أمام ما تطرحه هذه الإشكالية من إحراج أنطولوجي لا تعفينا عواصته بالضرورة من الاضطلاع الصارم بمهمة الإتيان بقول يونيفرسالي جديد في الزمان؟ ثم أليس هذا “الاشتقاق” –والذي أملته جملة سياقات فلسفية، أغلب الظن أن هيدغر اختبرها تحت وطأة مناظرة ثقيلة مع الجدل الأفلاطوني والأنطولوجيا الأرسطية بين عامي 1922-1926 من جهة، وبتأثير من مبحث الشيامة الكانطي الذي سيعود إليه في درس المنطق عام 1925 من جهة أخرى- الناجم بالضرورة عن اتخاذ الزمان خيطاً هادياً للمنطق المنتج[GA 20, 2-9]، يفقد وجاهته الفلسفية لما له من مدخلية في انخرام مشروع الأنطولوجيا الأساسية لاحقاً؟ وإلى أي حدّ يكون الوقوف على أسباب فشل هذا المشروع باعثاً –على جهة الندب أو على جهة الوجوب!- لاستصلاح هذا الانزياح (الطريف!) الذي استحدثه هيدغر؛ عنيت “التحول” من سؤال: ما هو الزمان؟ إلى سؤال: من هو الزمان؟

ختاماً في تسويغ بعض المصطلحات؛ نقول:

لقد قمنا بترجمة sein إلى وجود مبتعدين عن ترجمتها بكل من “الكينونة” و “الكون”. وذلك أنّ الـ sein يمثل رأس الأمر الذي يدور حوله فكر هيدغر، فهو الفينمان الأقصى الذي أراد هيدغر أن يصل إلى تجليته في نهاية المطاف. وهو بالتالي يحف بدلالات الانفتاح والانكشاف والظهور المقترنة على نحو جدلي بالاحتجاب. وهذه المعاني نجدها مؤصّلة في المجال التداولي الفلسفي العربي حيث الوجود لا يدل على مجموع الموجودات القائمة خارجاً فقط، بل هو يشير إلى معنى التحقق والحصول إضافة إلى إقتران “تعريفه” دائماً بالظهور والخفاء معاً، حيث تمَّ اعتباره أنه الأشدّ ظهوراً لجهة المفهوم والأشدّ إحتجاباً وخفاء على مستوى الحقيقة والكُنْه. وهذا ما يمنح لفظة الوجود الأهلية الفلسفية لترجمة كلمة seinالألمانية.

أما إستبعادنا لترجمة seinبالكون فهو أن الكون كمفهوم فلسفي في التراث يفيد النقلة من العدم إلى الوجود على نحوٍ فجائي، وليس على نحو التدرج. وهذا المعنى يغيب تماماً عن الأفق الفلسفي الذي يتحرك فيه فكر هيدغر.

أما بالنسبة إلى لفظة الكينونة فهي بنظرنا غير ذات وجاهة، والسبب أنّ من يرتئي ترجمة sein بالكينونة ينطلق من مضمرة مفادها أنّ فلسفة هيدغر تتمحور حول الإنسان أو الكائن وبالتالي فإن الـ sein تكون بمثابة الصفة، أي كينونة هذا الكائن وهذا الأمر تدحضه التميزات التي يجريها هيدغر بين المراتب المختلفة التي نجدها عنده للوجود من قبيل Dasein، sein، vorhandensein، zuhandensein، حيث يكون السؤال الأساس هو بلورة الزمان كأفق ترسندالي لتخريج سؤال الوجود بعامة الذي يشكل المطلب الرئيس في الأنطولوجيا الأساسية برمتها.

أيضاً قمنا بترجمة Dasein بالهوذاك عوضاً عن الوجود-هنا أو الكينونة-هنا أو الوجود الإنساني، حيث الهو من الهُوية التي تفيد الوجود sein، وذاك إسم إشارة يعطي المعنى المكاني لكلمة Da. وقد قام موسى وهبي بترجمتها بالهوذا ونحن نتابعه فيما ذهب إليه مضيفين كاف المخاطب لأنها أوكد في تأدية معنى البعد حيث الهوذاك يكون دائماً أبعد من نفسه، أليس أعلى من الواقع ينتصب الإمكان؟

كذلك لم نجد ضرورة في ترجمة Existenzبالكيان من أجل تفادي الخلط بينها وبين sein، لأن هذه الترجمة تفرغ مفهوم Existenz من الحركية الجدلية القارة فيه، حيث الـ Ex تمثل الجذر الإكراهي في وجود الدازاين المساوق للمقذوفية Geworfenheit بينما sistenz- تمثل الجذر التخارجي المساوق لاشتراع (Entwurf) الهوذاك لإمكاناته، وذلك دائماً في جدلية الانكشاف/الاحتجاب الحاكمة على وجوده. إن ترجمة Existenzبالكيان تحيل إلى نوع من الفهم السكوني لهذا المفهوم، حيث يُوحي أنه ذو سمة ناجزة ونهائية ومكتملة. وهذا طبعاً يتعارض مع المنظور الذي دفع بهيدغر لإطلاق هذا المفهوم كإشارة صورية على وجود الهوذاك الذي يرى أنه لا يمكن أن يتعيّن ماهوياً على أنه واقع، لآن عليه –أي الدازاين- أن يكون وجودَه في كل مرة.

ولهذا إرتأينا أن نترجمها بـ التوجّد على وزن تفعّل، فيكون الدازاين متوجّداً أو متّجداً بوجوده في كل مرة وهذا ما يحفظ له مقام الفاعلية.

أما Augenblick فقد ترجمناها بـ اللحاظ، نظراً لأن هذه الكلمة تؤدي المعنيين؛ النظرة واللحظة. فنحن عندما نأخذ الشيء بلحاظٍ ما فأننا نلحظه –أي ننظر إليه أو نبصره- من حيث هو حاضرٌ أمامنا بوصفه كذا من حيث هو كذلك في الحاضر.

المقالة:

تتعلَّق التأملات التالية بالزمان. ما هو الزمان؟

إذا كان معنى الزمان يوجد في الأبدية فينبغي أن يُفهم إنطلاقاً منها. بذلك يظهر مقدماً مسار البحث ونقطة الإنطلاق من الأبدية إلى الزمان. هذا التسآل جيدٌ إذا كانت نقطة الإنطلاق المذكورة آنفاً متاحة لنا، أي إذا كنا نحيط علماً بالأبدية ونفهمها بطريقة ملائمة. إذا كانت الأبدية شيئاً ما مختلفاً عن الحالة الفارغة لموجود دائم، إذا كان الله هو الأبدية، فإن طريقة تأمل الزمان المفترضة أولياً ستبقى بالضرورة في حالة من الإحراج بقدر ما أنها لا تعرف شيئاً عن الله، وتخفق في فهم السأل المتعلق به. إذا كان وصولنا إلى الله يكون من خلال الإيمان وإذ كان انشغال المرء بالأبدية ليس شيئاً آخر غير هذا الإيمان، فإنّ الفلسفة لن تمتلك الأبدية أبداً وتبعاً لذلك لن نكون قادرين أبداً على توظيفها منهجياً كاعتبار ممكنٍ لمناقشة فيه الزمان. الفلسفة لن تتخفِّفَ أبداً من هذا الإحراج، وحينها يغدو اللاهوتي هو الخبير الشرعي الزمان، وإذا ما خدمنا الانتقاء بشكل صحيح، فإنّ اللاهوت ينشغل بالزمان باعتبارات شتَّى.

أولاً، ينشغل اللاهوت بالهوذاك (Dasein) كوجود بإزاء الله. إنه ينشغل بالوجود الزماني (Zeitlichen sein)لهكذا توجّد(Existenz) في علاقته مع الأبدية. الله نفسه لا يحتاج لاهوتاً لأن وجوده لا يؤسس عبر الإيمان.

ثانياً، الإيمان المسيحي يفترض في ذاته العلاقة مع شيء ما حدث في الزمان ذات زمان، أُخبرنا بما قد قيل: لقد حان الزمان “عندما تمَّ الزمان”.

الفيلسوف لا يؤمن. إذا سأل الفيلسوف بصدد الزمان فانه يكون قد قرَّر أن يفهم الزمان بواسطة الزمان أو بواسطة الدائم (αεί) والذي يبدو، أنه مثل الأبدية، مجرد مشتقٍّ من الوجود الزماني.

الاعتبارات التالية ليست لاهوتية. في المعنى اللاهوتي –ولك الحرية أن تفهمها بهذه الطريقة- إعتبار الزمان يمكن أن يعني فقط جعل السأْل-عن (Fragen nach) الأبدية أكثر صعوبة، تحضيره بطريقة صحيحة ووضعه بشكل ملائم. ولا تكون الأطروحة فلسفية إلا بقدر ما تقدم زعماً لتأمين صلاحية كونية، تعييناً نسقياً للزمان، تعييناً يمكن له إرجاع البحث عن الزمان إلى ترابطاته مع المقولات الأخرى.

يمكن للتأملات الناشئة أن تنتمي إلى العلمان البدْوي (Vorwissenschaft) والذي يقتضي اشتغاله التالي: توجيه الأسئلة بصدد ذاك الذي يُعنى أساساً بما تقوله الفلسفة والعلم والكلام الشارح للهوذاك عن الوجود وعن العالم. إذا أنجزنا الوضوح بصدد ماهية الساعة، فإننا نُحيِّ الفهم المزدهر في الفيزياء، وكذلك طريقة حصول الزمان على فرصة إبداء نفسه. العلمان البدْوي، حيث تتموقع ملاحظاتنا، يربو على تحكمات غير مصطلحٍ عليعا ربما، بأنَّ الفلسفة والعلم ترتكزان على المفهوم. إمكان هذا العلمان البدْوي تقتضي أن يُنجز كل باحث الوضوح المتعلّق بما فهم وبما لم يفهم. وهذا يخّولنا أن نعرف متى يتصل جزء مخصوص من البحث بشيئه، أو متى يغتذي على معرفة لفظية تراثية ومبتذلة.

هذه الأسئلة هي، وكما كانت، ضبط لركب العلوم والذي يكون خاضعاً بعدُ أحياناً لانشغالات طارئة في رأي البعض. وارتباط هذه الأسئلة بالفلسفة هو مجرد مرافقتها من حين لآخر لتوجيه مبحث ما للقدماء بغية رؤية كيف توجَّهوا للأشياء. التأملات التالية تملك فقط هذا القدر من الاشتراك مع الفلسفة: واقعة كونها ليست لاهوتاً.

نبدأ، بإشارة تمهيدية إلى ذلك الزمان الذي نصادفه في اليومية، أي زمان الطبيعة وزمان العالم. وقد أُحيي الاهتمام بالزمان في يومنا الحاضر بواسطة تطور المبحث في الفيزياء مع مداولاته حول المبادئ الأساسية حول ضرب اللقف (Erfassung)والتعيين المُستلزمَيْن هنا: قَيْس الطبيعة ضمن نسق من العلاقات الزمكانية. والحالة الشائعة لهذا البحث أُرسيت في النظرية النسبية لـ أنشتاين. وهذه بعض مبادئها: المكان ليس شيئاً في ذاته، ليس ثمة من مكان مطلق. إنه يوجد فقط بواسطة الأجسام والقوى المحتواة فيه، (وهذا مبدأ قديم عند أرسطو). الزمان نفسه ليس شيئاً. إنه يدوم فقط كتوالي للأحداث الواقعة فيه، ليس هناك زمان مطلق ولا حتى تزامن مطلق. وفي رؤية هذا الجانب التقويضي من النظرية يمكن للمرء بسهولة أن يهمل ما هو موجب بصددها أي كونها تبيّن تحديداً ثبات المعادلات الواصفة للعمليات الطبيعية بإزاء التحولات العشوائية.

الزمان هو ذلك الذي ضمنه تقع الأحداث. وهذا ما كان قد رآه أرسطو في سياق نمط الوجود الأساسي المتعلق بالموجود الطبيعي: التغير، تغير الموقع (Platzwechsels)، التحرك. وحتى لو لم يكن الزمان نفسه حركة فإنه يرتبط بطريقة ما بها. يُصادف الزمان أولياً في تلك الكائنات الصائرة؛ التغير يكون في الزمان. كيف يكون الزمان معروضاً في هذه الطريقة من مصادفته أي بوصفه ذلك الذي ضمنه تتغير الأشياء؟ هل يعطي نفسه بما هو هو في ماهيته؟ وهل يمكن لبسط الزمان الذي بدأ هنا أن يكفل بذلك تعيين الزمان كفينمان أصلي يُعيَّن في وجوده الخاص، أم أنّ بحث أصول الفينمان يمكن أن يشير لنا نحو شيء ما آخر؟

كيف يصادف الفيزيائي الزمان؟ إن لقفه وتعيينه الزمان له سمة القيْس الذي يظهر كم-طال ومتى، ومن متى حتى متى. وما يظهر الزمانَ هو الساعة التي هي عبارة عن سيستام فيزيائي حيث متوالية زمانية متماثلة تتكرر بثبات مع امتياز هذا السيستام بكونه غير خاضع لأي تأثير خارجي. التكرار هو دوري وكل ساعة لها مدة زمانية متماثلة. الساعة تؤمّن مدة زمانية متماثلة تكرر نفسها بثبات والتي يمكن أن يرجع إليها دائماً. إن طريقة تقسيم امتداد المدة هي عشوائية. تقيس الساعة الزمان بقدر ما يكون امتداد مدة لحدوثٍ مقارناً مع متوالية متطابقة في الساعة ويمكن بذلك أن يُعيَّن عددياً.

ما الذي يمكن أن نتعلَّمه من الساعة بصدد الزمان؟ الزمان هو شيء ما حيث يمكن تنسيق نقطة الآن على نحو عشوائي. تبعاً لآنين مختلفين، سابق ولاحق.

وبعد، فليس ثمة امتياز لآنات الزمان بعضها على بعض الآخر. فالآن هو السابق الممكن على آن لاحق، كما أنّ الآن اللاحق هو آن لاحق لآن سابق. هذا الزمان هو موحّد ومتجانس بشكل كامل. وفقط بقدر ما يتشكَّل الزمان على نحوٍ متجانس يكون مقيساً. نتيجة لذلك فإن الزمان ليس التفافياً على نحو تنتظم علاقة مراحله تبعاً لسابق ولاحق، وكل سابق ولاحق يمكن أن يتعيّنا بواسطة آنٍ ما والذي، مهما يكن، يكون هو نفسه عشوائياً. إذا ما قاربنا حدثاً ما بواسطة الساعة فإنها تجعله واضحاً تبعاً لانكشافه في الآن أكثر من كونه كذلك بالنسبة إلى كم يدوم، وما تفعله الساعة وفي كل مرة هو تعيين التثبيت المخصوص للآن وليس للإشارة إلى طول ومدة الزمان في جريانه الحاضر. إذا ما لاحظت الساعة فإن أول ما أقوله هو: الساعة الآن هي التاسعة، لقد حدث ذلك منذ ثلاثين دقيقة، في غضون ثلاثة ساعات ستصبح الثانية عشرة.

ما يكون هذا الآن، الآن الزماني عندما أنظر إلى ساعتي؟ الآن عندما أفعل هذا، الآن عندما ينطفئ الضوء على سبيل المثال. ما هو هذا الآن وهل هذا الآن في متناولي؟ هل أنا هو هذا الآن؟ هل كل شخص آخر سيكون الزمان، وفي وجودنا بمعية الآخرين سنكون الزمان –كل واحد ولا أحد. هل الآن هو أنا أم فقط ذلك الشخص الذي يقول هذا؟ مع أو بدون ساعة واضحة. الآن في الصباح، المساء، العشية، اليوم: هنا نقف على الساعة التي افترضها دائماً الوجود الإنساني، الساعة الطبيعية لتعاقب الليل والنهار.

ما هو المتضمن في حقيقة كون الوجود الإنساني كان بَعْدُ قد حصَّل ساعة سابقة على كل ساعات الجيب والساعات الشمسية؟ هل أتثبّت من وجود الزمان وهل أعني نفسي في الآن؟ هل أنا الآن وهل الهوذاك الذي لي هو الزمان؟ أم أن الزمان أساساً حصَّل لنفسه ساعته فينا؟ في الكتاب الحادي عشر من اعترافاته تابع أوغسطين هذا ليسأل فيما إذا كانت الروح هي الزمان. وهو الحد الذي سيقف عنده سؤال أوغسطين بإعادة صياغة: فيك يا روحي أقيس الأزمنة. أقيسكِ أنتِ إذ أقيس الزمان. لا تقطعي طريقي بالسؤال: كيف يكون هذا؟ لا تُضَلِّليني بالبحث بعيداً عنك خلال سؤال خاطئ. لا تعيقي طريقك بتشوّش الذي يمكن أن تنشغلي به. فيكِ، أكرِّر، أقيس الزمان؛ المتحركات التي تقابلين تأخذك إلى وجدانٍ (Befindlichkeit) يبقى بينما تختفي هي. أقيس الوجدان في الوجود الحاضر وليس الأشياء التي عبرت به حينما بزغ للعيان لأول مرة الوجدان، وجداني لنفسي.. أكرِّر، أقيس أنا نفسي حين أقيس الزمان.

السؤال عن ما هو الزمان وجّه سأْلنا جهة الهوذاك إذا كنا نعني بالهوذاك ذلك الموجود في وجوده الذي نعرفه كحياة إنسية، هذا الكائن في مخصوصية (Jeweiligkeit) وجوده والذي نكونه نحن أنفسنا حيث كل واحد منا يجده في التوكيد الأصيل: أنا أوجد (ich bin).

وبعد، هل كان هذا التأمل المرهق مطلوباً لإصابة الهوذاك؟ ألا يكفي أن نشير إلى أفعال الوعي والعمليات الذهنية الواقعة في الزمان، حتى عندما تتجه هذه الأفعال نحو شيء ما لا يكون هو نفسه معنياً بالزمان؟ هذا تدويرٌ للمشكلة، فالمهم في السؤال المتعلق بالزمان هو إحراز إجابة من خلال الطرق المتنوعة لتصيّر الوجود الزماني مفهوماً؛ والذي يهم هو إتاحة الربط الممكن بين ذلك الذي في الزمان والزمانية الأصلية (Die eigentliche zeitlichkeit) ليصير مرئياً إبتداءاً.

الزمان الطبيعي مألوفاً ومبحوثاً لطالما وفَّر الأرضية لشرح الزمان. وإذا كان الوجود الإنساني يكون في الزمان بمعنى مميَّز، فنستطيع انتزاع ماهية الزمان منه، فعلينا أن نَصِفَ الهوذاك في التعيّنات الأساسية لوجوده. وفعلاً، ولفهم مسدَّد (Recht verstanden) ينبغي أن يكون الوجود الزماني البيان (Aussage) الأساسيّ للهوذاك تبعاً لوجوده. بعض الإشارات المسبقة لعدة بنى أساسية للهوذاك مطلوبة هنا.

1-الهوذاك هو الموجود الذي يتَّسم بـ “الوجود-في-العالم” (In-der-welt-sein). الحياة الإنسانية ليست ذاتاً عليها أن تنجز حيلة ما من أجل دخول العالم. الهوذاك كـ وجود-في-العالم يعني أن هذا الوجود يقال على: التعامل مع العالم؛ واحتماله في طريقة الإنجاز، التنفيذ، الإكمال، وأيضاً التأمل، التسآل، والتعيين بطريقة التأمل والمقارنة. الوجود-في-العالم يتصف بالإنهماك (Besorgen). [أو الانشغال].

2-كـ وجود-في-العالم يكون الهوذاك موجوداً مع هذا الوجود-مع-الواحد-الآخر (Mit-einander-sein)، الوجود بالمعيَّة: إمتلاك العالم ذاته مع الآخرين، ملاقاة الآخر، الوجود مع الآخر على نحو الوجود من أجل هذا الآخر (Für-einander-seins). ومع ذلك يكون الهوذاك موجوداً قائماً بالنسبة للآخرين وتحديداً كمثل حجر لا يملك عالماً ولا ينشغل به.

3-الوجود مع الآخر في العالم. بل وامتلاك العالم كوجود مع الآخر، له تعيين أنطولوجي مميّز. النحو الأساسي لعالم الهوذاك وتحديداً لامتلاك عالم مع آخر هو الحديث (Sprechen). ملحوظاً بعنايةٍ: الحديث هو الجهر في الحديث مع آخر حول شيئ ما. وغالباً ما يأخذ وجود الإنسان في العالم موقعه من خلال الحديث وهذا قد كان معلوماً لأرسطو، النحو الذي يتحدث به الهوذاك في العالم عن طريقة تعامله مع العالم يعطي تفسيراً ذاتياً [إفتساراً] (Selbst auslegung) للهوذاك. إنه ينص تخصيصاً على كيفية فهم الهوذاك لنفسه، وما يأخذ على عاتقه ليكونه. في الحديث مع الآخر يكمن الإفتسار الخاصيّ للحاضر (Gegenwart) الذي يصون نفسه في المحادثة (Gespräch).

4-الهوذاك هو الموجود الذي يعين نفسه بـ “أنا أكون” ومخصوصيِّة الأخيرة هي مقوّمة للهوذاك. فقط، في المقام الأول كوجود في العالم، يكون الهوذاك بذلك الهوذاك الخاصيّ. إنه في كل مرة له، وله على نحو مخصوص. لتعيين الهوذاك أنطولوجياً ينبغي أن لا نجرّده من مخصوصيته التي تكون في كل مرّة له (Mea res agitur ما يشغلني هو أن أكون). السمات الأنطولوجية ينبغي أن تحتشد في المخصوصيّة التي تكون في كل مرة من شأني.

5-الهوذاك، وبقدر ما هو الموجود الذي أكونه ويُعيّن أيضاً كـ وجود-مع-الواحد-الآخر، ليس هو أنا نفسي التي لا تكون وسطياً وإلى حد بعيد الهوذاك الذي لي بل تكون الآخرين؛ أنا أوجد مع الآخرين والآخرين كذلك مع الآخرون. لا أحد يكون نفسه في اليومّية. ما يكونه شخصٌ ما، وكيف يكون هو تنكيرٌ: لا أحد وكذلك كل أحد مع واحد آخر. كل واحد لا يكون نفسه. التنكير الذي نحياه نحن في اليوميّة هو الهم (Man) الذي يقع فيه القول، الإصغاء، كون شيء في صالح شيء ما، والانشغال بشيء ما. إمكانيات الهوذاك تكمن في معاندة الهُمْ وخارج هذا الإنحسار تكون الأنا أوجدُ ممكنةً. إنّ موجودية (Seiendes) إمكان “الأنا أوجد” هي، غالباً، موجودية هذا الهُمْ.

6-الموجود المتّسم بوجود في العالم، يوميٌّ ومخصوص، يهمّه وجوده. وكما أنه حديث الهوذاك عن العالم جهر بالحديث حول نفسه، كذلك فإن التعاطي المنهمك هو انهماك من أجل وجود الهوذاك. أنا أكون إلى حد ما ذلك الذي أتعاطاه، الذي يستغرقني، وذلك الذي تقيّدني به مهنتي وفي كل هذا يحدث الهوذاك العائد لي: إنهمام (Sorge) في كل مرة مخصوصة يضع الوجود، المألوفَ المفهومَ، للتأويل السائد للهوذاك، في الانهمام.

7-ليس ثمة من تفكر حول الأنا أو الذات في اليومية الوسطية، الهوذاك يملك نفسه فقط. يجد نفسه جنباً إلى جنب ذاته. هو يأتي عبر نفسه إلى الهناك أيَّاً كان ما يتعاطاه عموماً.

8-لا يمكن البرهنة على الهوذاك كموجود ولا يمكن حتى الإشارة إليه. العلاقة البدوية مع الهوذاك “أن نكونه” وليس أن نتأمّله. إختبار الذات، الحديث حول النفس والإفتسار هي طريقة مفردة مميزة حيث يملك الهوذاك نفسه كل مرة على نحو خاصيّ. وسطياً يكون تفسير الهوذاك محكوماً باليوميّة وبما قاله الهم تراثياً بصدد الهوذاك والحياة الإنسانية. إنه محكومٌ بالهم والتراث.

تظلّ الإشارة إلى هذه الخصائص الأنطولوجية، خاضعة إلى تحكمة تفيد بأن هذا الموجود متحصّل في ذاته للبحث بمعنى تفسيره تبعاً لوجوده، فهل هذه التحكمة تفيد السداد أم التردد؟ الإحتمال الأخير وارد. هذه الصعوبة لا تبرز من اللجوء لواقعة أنّ التأمل النفساني للهوذاك يقود إلى الغموض. ثمّة صعوبة أكثر جدِّية من محدودية طبيعة العَرْف (Erkennen) الإنساني ينبغي الإبصار بها على نحو لا يجعلنا نتفادى الإحراج وبطريقة نحوز معها على إمكانية اغتنام الهوذاك في أصالة وجوده.

أصالة الهوذاك تقوّم الإمكان القُصووي (äußerste sein möglichkeit) لوجوده الذي يعين به الهوذاك إبتداءاً. الأصالة كإمكان قصووي لوجود الهوذاك هي التعيين الأنطولوجي حيث تكون الخصائص الآنفة الذكر ما تكون عليه. الإحراج المتعلق بلقف الهوذاك (Daseinserfassung) لا يتأصل في محدودية، لا يقينية أو عدم اكتمال ملكة العرفان (Erkenntnisvermögens) لدينا، بل في الموجود الذي ينبغي عَرْفه: إنه يتأصل في إمكان أساسي لوجوده.

ذكرنا بين أمور عدة أن الهوذاك يُعيّن بمخصوصيّته؛ بقدر ما يكون ما يمكن أن يكون عليه يكون في كل مرة لي. هذا التعيين يُقوّم وجوده على نحو تام، ومن يُغفله يضيّع ما عنه يُتحدّث في الثَيْمة (Thema).

كيف يمكن عرف وجود هذا الموجود قبل بلوغه منتهاه؟ بعد كل شيء هل ما زلت أجري مع الهوذاك الذي لي. شيء ما يمكن أن يكون على نحو أصيل، أما إذا كان كذلك فإنه لا يعود كائناً بعد.

هل هوذاك الآخرين بالمعنى الأصيل غير قابل للاستبدال؟ ما أعلمه عن هوذاك الآخرين الذين كانوا معي والذين انتهوا ضئيل، فهم لن يكونوا بعد، ونهايتهم هي فعلاً العدم. لهذا، فإن هوذاك الآخرين غير قابل للاستبدال من قبل الهوذاك بالمعنى الأصيل إذا كنا فعلاً نريد الاحتفاظ بمخصوصيته التي لي. أنا لا أملك أبداً هوذاك الآخرين بطريقة أصلية، فالطريقة الوحيدة الملائمة لامتلاك الهوذاك أن لا أكون الآخر أبداً.

كلما لم نكن في عجلة من أمرنا للتسلل خفية من هذا الإحراج كلما استطعنا احتماله، أكثر ورؤيته بنحو أوضح أياً تكن الصعوبة التي تخلقها حقيقة أن الهوذاك يبدي نفسه في إمكانه القصووي.

نهاية الهوذاك، أي موتي، ليست نقطة تنقطع عندها بغتة متوالية الأحداث، ولكنها إمكانية يعرفها الهوذاك على هذا النحو أو ذاك: الإمكان القصووي الذي يمكن أن يغنمه ويمتلكه بالوقوف دائماً قبله. يمتلك الهوذاك إمكانية اللقاء مع موته بوصفه إمكانه القصووي الذي يتسم بالوقوف-قبل (Bevorstehens) في اليقين وهذا اليقين يتسم من جانبه بلا تعيّنية كاملة. الإفتسار الذي يعلو على كل قضية لليقين والأصالة هو تفسير الهوذاك لموته، اليقين اللامتعيّن لإمكانه القصووي في الوجود نحو النهاية (Zu-Ende-Sein).

ولكن ما صلة هذا كله بسؤالنا عن ما هو الزمان سيَّما السؤال الأولي عن ما يكون الهوذاك في الزمان؟ الهوذاك، وبوصفه خاصَّتي في كل مرة، يعرف عن موته حتى لو لم يشأ أن يعرف شيئاً عنه. ما يعني إمتلاك الواحد لموته في كل مرة؟ هو استباق (vorlaufen) الهوذاك لمضِيِّه (Vorbei)، لإمكان قصووي لنفسه التي يقف قبلها في اليقين وفي لا تعينية كاملة. الهوذاك كحياة إنسية هو بدْوياً وجود ممكن وجود إمكان يقينه اللامتعيّن بمضِيّه بعد.

وجود الإمكان هنا هو دائماً الإمكان على نحو أن هذا الإمكان يعرف الموت غالباً بمعنى “أنا أعرفه، ولكنني لا أفكّر به”. غالباً ما أعلم الموت على طريقة علمي بذلك الذي ينكمش. كتفسير للهوذاك، هذا العلمان (Wissen) يحجب بلا توسط إمكانية وجوده حيث للهوذاك إمكانية تحاشي موته.

هذا المضيّ، الذي أستبقه، ينكشف في استباقي: إنه مضيّ أنا. المضيّ يكشف الهوذاك العائد لي كما لو أنه لم يعد هناك فجأة، وفجأة أنا لم أعد موجوداً هناك بجانب كذا وكذا من الأشياء والناس، بجانب الأكاذيب، الحيَل، والثرثرات. المضيّ يشتّت كل سُكنى (Heimlichkeit) ومشغولية، ويأخذ كل شيء معه إلى العدم. والمضيّ ليس حادثاً ما وليس عارضاً على الهوذاك الذي لي. إنه يكون مضيّه وليس “ما” (Was) بصدد الهوذاك أو حدث يحصل له ويغيّره. هذا المضيّ ليس “ما” بل “كيف” (Wie) وحقاً “الكيف” الأصيل للهوذاك العائد لي. هذا المُضيّ الذي يمكن أن أستبقه بوصفه لي ليس “ما” بل هو الكيف المحض والبسيط للهوذاك.

بقدر ما يكون إستباق المضيّ حفظاً لهذا المضيّ في كيفه المخصوص، يصبح “كيف” الهوذاك مبصراً. إستباق الهوذاك للمضيّ هو سعي معاكس لإمكانه القصووي وبقدر ما يكون هذا “السعي المعاكس” جدّياً يُقذف إلى الهوذاك الذي لا يزاله. هذا هو عودة الهوذاك ليوميّته الذي لايزال فيها، بمعنى أن المضيّ ككيف أصيل يكشف أيضاً “كيف” اليومية ويأخذها من صخبها ومشغوليتها إلى كيفها. المضيّ يرجع المائية، الانهمام والاختطاط إلى “الكيف”.

هذا الوجود الذي يمضي، وككيفٍ، يجتلب الهوذاك بفظاظة لإمكانه الأوحد متيحاً له الوقوف وحيداً بشكل كاملٍ بإزاء نفسه. هذا المضيّ قادرٌ أن ينقل الهوذاك من كبرياء اليومية إلى اللا سُكنى (Unheimlichkeit). إنه وبقدر ما يحمل بإزاء الهوذاك إمكانه القصووي. فإن الإستباق هو الطريقة الأساسية التي يحصل عبرها تفسير الهوذاك. الاستباق يغنم لنفسه الاعتبار الأساسي الذي فيه يتموضع الهوذاك، ويُبدي أيضاً المقولة الأساسية لهذا الموجود: “الكيف”.

ليس مصادفة ربما أن يكون كانط قد عيَّن المبدأ الأساسي للإتيقا بطريقة ندعوها صورية، فهو ربما عرف من ألفته بالهوذاك نفسه انه يكون “كيفه”. ولقد ترك الأمر للأنبياء المعاصرين لانتظام الهوذاك بطريقة تحجب هذا “الكيف”. الهوذاك يكون أصيلاً بجانب نفسه، إنه يوجد حقيقة حينما يحتفظ بنفسه في هذا الاستباق. هذا الاستباق ليس سوى الإقبال الأصيل والمفرد مملوكاً للهوذاك. في الإستباق يُقبل الهوذاك على نحو أنه يعود في هذا الوجود المستقبلي إلى ماضيه وحاضره. مفهوماً في إمكانه القصووي، يكون الهوذاك الزمان نفسه ولا يكون في الزمان. الوجود المقبل (Zukünftigsein) كما وصفناه، وككيف أصيل للوجود الزماني، هو طريقة وجود الهوذاك الذي فيها وخارجها يهب الهوذاك زمانه لنفسه. أنا أملك زماني باحتفاظي بنفسي بجانب مضيِّ في الاستباق. الثرثرة، ذلك الذي فيه تحتفظ الثرثرة بنفسها، العناء، المشغولية، الضجة، والسباق حول، كله ينكسر. أن لا نملك الوقت يعني أن نرمي بالزمان إلى حاض سيء لليوميّة. الوجود المقبل يمنح الزمان، يصقل الحاضر، ويتيح للماضي أن يُعاود في الكيف الذي كان به معيشاً. بالنسبة للزمان. يعني هذا أن الفينمان الأصلي للزمان هو الإقبال (Zukunft). للإبصار بهذا دون اعتباره مفارقة مثيرة، كل هوذاك مخصوص يحتفظ بنفسه في الاستباق وبالقيام بهذا يغدو واضحاً أن السبيل الأنجع للتعامل مع الزمان ليس القيْس. الرجوع في الاستباق هو نفسه “كيفٌ” لذلك الانهماك الذي أكون أنا محتملاً إيَّاه تحديداً.هذا الرجوع لا يغدو أبداً ما يسمى بالسأم، ذلك الذي يستنفذ نفسه ويغدو متهالكاً. المميّز بصدد المخصوصيَّة أنها، خَلَل الاستباق نحو الزمان الأصيل، تمتلك الزمان كله لنفسها في كل مرة تخصّها. لا يتطاول الزمان لأنه أصلانياً بلا طول. الإستباق إلى… ينهار إذا فُهم كسؤال عن “متى” و “كم يستغرق” المضي لأن الأسئلة بصدد “كم استغرق” و “متى” لا تحاذي إطلاقاً المضيّ في الإمكان الذي حدّدناه؛ إنها تلتصق بدقة بذلك الذي لم يمضِ بعد، شاغلة نفسها بما يمكن أن يكون متبقياً لي. هذا السؤال لا يغنم لا تعينّية يقين المضيّ، بل يرغب أن يعيّن بدقة الزمان اللامتعيّن. هذا السؤال يريد أن يحرّر نفسه من ما يكونه الزمان تحديداً كلامتعين بل كيقين لامتعيّن. مثل هذا السأْل ليس إستباقاً للمضيّ الذي يُنسّق بدقة سمة الهروب من أمامه.

يغنم الاستباق المُضيّ كإمكان أصيل للِّحاظ (Augenblicks) بوصفه ما هو يقيني الآن. الوجود المقبل كإمكانية للهوذاك الخاصيّ، يهب الزمان لأنه يكون هو نفسه الزمان. وبذلك يغدو أيضاً مُبصراً السؤال عن “كم من” الزمان، “كم طال” و “متى” – إلى حدّ أن الإقبالية (Zukünftigkeit) هي الزمان أصالةً– أسئلةً غير ملائمة للزمان. إن البيان الأصيل للزمان هو أن الزمان لا يملك زماناً ليقيسه.

لقد تآلفنا حتى الآن مع الهوذاك بوصفه يُحسب حتى مع الزمان الذي يقيسه بواسطة الساعة. مع أنه يُفترض أنه هو الزمان.

يكون الهوذاك هناك مع الساعة، وإن تكن فقط الأكثر قرباً أعني ساعة الليل والنهار. الهوذاك يقدّر ويتحرى عن “كم” الزمان وبذلك لا يحاذي الزمان في أصالته. بالسؤال على طريقة “كم” و “متى” يخسر الهوذاك زمانه. كيف يضع مثل هذا السؤال، الذي يبدو قريباً من الأشياء، الزمان؟ أين ذهب الزمان؟ الهوذاك الذي يحسب مع الزمان ويعيش مع ساعة في يده، هو تحديداً الذي يقول باستمرار “أنا لا أملك الوقت”. ألا يخون نفسه بذلك في ما فعله بالزمان بقدر ما يكون هو، بعد هذا كله، هو الزمان؟ إضاعة الوقت وطلب ساعة لهذا الغرض! أليس ثمة اجتياح هنا للا سُكنى الهوذاك؟

سؤال الـ متى للمُضيّ اللامتعيّن، وبشكل عام لـ “كم من” الزمان هو سؤالٌ عن ما بقي لي كحاضر. لاجتلاب الزمان إلى “كم” يعني اتخاذه كآنٍ للحاضر. للتحرّي عن “كم” الزمان يعني أن نُستغرق في الانهماك مع “ما” يكون حاضراً. يفر الهوذاك أمام “الكيف” متشبثاً خاصة بما يكون حاضراً. يكون الهوذاك ما يكون منهمكاً به؛ الهوذاك يكون حاضره. كلّ ما في العالم يُلاقى من قبل الهوذاك بوصفه يقيم في اللحظة؛ لذلك يُلاقى الزمان نفسه، الذي يكونه الهوذاك في كل مرة، بوصفه حاضراً.

الانهماك يكون مُستغرقاً في الحاضر، كما الانهمام، ولكنه مع ذلك يُحاذي ما ليس-بعد (Noch-nicht) الذي يجب أن يُقصد إليه إبتداءاً في الانهمام. حتى في حاضر إنهمامه يكون الهوذاك كلَّ الزمان على نحوٍ لا يستطيع معه فكاكاً من إقباله. الإقبال إذاً هو ما يتشبث به الانهمام، ليس الوجود الزماني الأصيل للمضيّ بل الإقبال الذي يصقله الحاضر لنفسه بوصفه من شأنه، لأن المضيّ كما الإقبال الأصيل لا يستطيع أن يصير حاضراً، لأنه إذا كان حاضراً فسيغدو عدماً. الإقبالية إلى حيث يتشبث الانهمام تكون كذلك بفضل الحاضر، والهوذاك المستغرقَ في آن العالم الحاضر ليس في وارد الإقرار أنه قد أخذ خفية من الإقبالية الأصيلة، القول بأنه قبض على المستقبل خارج الانهمام بالتقدم الإنساني، الثقافة، الخ..

الهوذاك كحاضر منهمك يقيم بجانب أياً ما كان منهمكاً به. إنه يضجر في الـ “ما”، وفي ملء اليوم. فجأة يتطاول الزمان للهوذاك كوجود حاضر، لهذا الهوذاك الذي لا يملك الوقت. يغدو الزمان فارغاً لأن الهوذاك، وفي سؤاله عن “كم”، جعل الزمان طويلاً سلفاً بينما رجوعه المستمر في الاستباق نحو المضيّ لا يغدو أبداً مضجراً. يُحبذ الهوذاك أن يلاقي باستمرار أشياء جديدة في حاضره الخاص. حدوث العالم (Weltgeschehen) في اليومية يُلاقى في الزمان، في الحاضر.

يعيش اليوميّ مع الساعة، بمعنى أنّ الانهماك يرجع باستمرار إلى الآن، هو يقول: الآن، من الآن وحتى ذلك الحين وحتى الآن المقبل.

الهوذاك مُعيَّناً كوجود-مع-الواحد-الآخر يعني أيضاً أنه يُقاد ليهب التفسير السائد لنفسه بواسطة أيّ شيء يقوله الهم، بالنمط (Der Mode)، بالميول، بما يجري؛ الميل الذي لا أحد يكونه، وكذلك النمط الذي هو لا أحد. في اليومية لا يكون للهوذاك الوجود العائد إلى أنا أوجد، لأنه في اليومية يكون الهوذاك على نمط وجود الهم.

تبعاً لذلك يكون الهوذاك الزمان الذي فيه يكون الهم مع أحد آخر: زمانٌ غفل. ساعة الهم، يعني كل ساعة، تُبدي زمان الوجود-مع-آخر-في-العالم.

إذا بحثنا على نحو تاريخي فسنجد فينمانات ذات صلة وإن كانت غير موضّحة بعد، مثل الأجيال وترابط الأجيال، فهي تتَّصل مع الفينمانات التي نتعامل معها هنا. الساعة تُبدي لنا الآن، ولكن ليس ثمّة من ساعة تستطيع إبداء المستقبل والماضي، فكل قيْس للزمان يأخذه إلى سؤال “كم”. حين أعيّن نقطة، بواسطة الساعة، سوف يقع عندها حدث مستقبليٌ فلا يكون هذا الأخير ما أقصده بل ما يكون قد عُيّن هو كم يطول انتظاري لهذا الآن المقصود. يُعتبر حاضراً ما يُتحصَّل عليه من الزمان بواسطة الساعة، وإذا كانت المحاولة هي لاشتقاق ما هو الزمان من زمان الطبيعة فإنّ الآن يغدو هو مقياس (μέτρου)الماضي والمستقبل. وعليه يفسَّر الزمان كحاضر، والماضي ما لم يعد حاضراً، والمستقبل كحاضر لامتعيّن وغير حاضر بعد: الماضي لا يرجع (Unweiderbringlich) والمستقبل لا متعَيِن.

لهذا السبب، يتكلّم العقل اليومي عن نفسه بوصفه ذلك الذي ضمنه تلاقى الطبيعة باستمرار، وإن كون الحادثات في الزمان لا يعني أنها تمتلك زماناً، لكنها، وبوصفها حادثة وموجودة هنا، تلاقى من حيث أنها تجري خلل الحاضر. يُشرح زمان الحاضر كمتوالية مستمرة تتدحرج خلَلَ الآن؛ متواية معنى اتجاهها هو أن يكون مفرداً وغير قابل للإنعكاس، بحيث تتدحرج الحادثات من مستقبل لانهائي إلى ماضٍ لا يرجع.

يتصف هذا التفسير بأمرين: 1) اللامعكوسية (Die Nicht-Umkebrbarkeit)، 2) تشاكل الآنات(Homogenisierung auf Jetztpunkte) اللامعكوسية. تضم ما تبقّى من الزمان الأصيل ليقف عليه هذا الشرح. هذا هو ما يبقى من المستقبلية كفينمان أساسي للزمان بوصفه هوذاك. هذا الضرب من النظر يشيح عن الإقبال نحو الحاضر، منطلقاً من الحاضر إلى الماضي الذي يتلاشى. إنَّ تعيين الزمان في لا معكوسيته يتأصّل في واقعة أن الزمان قد عُكِس بعد.

المشاكلة هي تمثيل الزمان بالمكان، وبحضور محض وبسيط، فهي الميل إلى طرد الزمان من نفسه إلى الحاضر. يغدو الزمان مُرَيضنا (Mathematisiert)، يغدو إحداثية د بجانب إحداثيات المكان أ، ب و ج. الزمان هو غير معكوس، وهذه اللامعكوسية هي العامل الوحيد الذي يعلن الزمان فيه عن نفسه خَلَل الكلمات، والاعتبار الوحيد الذي لا يزال الزمان يقاوم من خلاله ريضنة قصوى. القبل والبعد ليسا بالضرورة السابق واللاحق، وليسا طرائقَ للزمانية. في المتتالية الهندسية، وعلى سبيل المثال، 3 هي قبل 4، و8 هي بعد 7، ولكن 3 ليست السابق على 4 بهذا الاعتبار. الأعداد ليست سابقة أو لاحقة، لأنها ليست في الزمان على الإطلاق.

السابق واللاحق يعيّنان القبْل والبَعد، وحالما يحدد الزمان بواسطة الساعة فإنه لا يعود ثمّة أمل ببلوغ الزمان في معناه الأصلي.

إنّ كون الزمان يُعرف بدْوياً وغالباً على هذا النحو إنما يكمن في الهوذاك نفسه. المخصوصية متوِّقة، والهوذاك في أصالته يكون خاصتي فقط كهوذاك ممكن، فغالباً ما يوجد الهوذاك على نمط اليومية. ومهما يكن، فاليومية وبوصفها ذلك التزمن الذي يتلاشى في وجه المستقبلية، يمكن أن تفهم فقط عندما تقابل بالزمان الأصيل للوجود الزماني للمضيّ. ما يقوله الهوذاك عن الزمان إنما ينطق به إنطلاقاً من اليوميّة متشبّثاً بحاضره يقول الهوذاك: الماضي هو ما قد مضى، إنه لا يرجع، وهذا هو الماضي تبعاً لحاضر اليومية التي تقيم في حاضر مشغوليتها. ولهذا يفشل الهوذاك، المعيّن كحاضر، في الإبصار بالماضي.

إن تأمل التاريخ في الحاضر يرى فيه فقط مشغولية لا تسترجع: ما كان يجري. تأمل ما كان يجري لا ينضب (Unerschopflich)، وهو يضيع نفسه في شيئيته. هذا التاريخ وهذه الزمنية يفشلان تماماً في بلوغ الماضي لأنهما يمتلكان حاضراً آخر. فالماضي يبقى مغلقاً على أيّ حاضر طالما، الهوذاك الحاضر ليس تاريخيا في حد ذاته. يكون الهوذاك نفسه تاريخياً بقدر ما يكون إمكانه. في وجوده المستقبلي يكون الهوذاك ماضيه؛ فهو يعود إليه في “الكيف”، ونحو عودته، من بين أمور أخرى، هو الضمير (Das Gewissen). فقط الكيف يمكن أن يستعاد مختبراً كتاريخية أصيلة. لا يكون الماضي أبداً ما مضى، فهو شيء أعود إليه مراراً وتكراراً.

يظن الجيل الحالي أنه قد وجد التاريخ وانه حتى قد أتخم به. إنه ما انفكّ يُعْول بشأن التأريخية (Historismus) وهذا ليس من التاريخ في شيء حالياً، ولأن كل شيء انحل في التاريخ، فإنه علينا استيفاء الفوتاريخي (Ubergeschichtlichen) مجدداً.كأن لم يكف أن يخسر الهوذاك المعاصر نفسه في التاريخ المزيف الحالي. فكان عليه أن يستخدم البقيّة الباقية من زمانيته بغية الإنسلال على نحو تام من الزمان ومن نفسه. إنه في هذا المسار الغريب نحو الفوتاريخي كنا قد وجدنا رؤيا العالم (Weltanschauung) (وهذه هي اللا سُكنى [الغربة] التي تُقوّم زمان الحاضر)

التفسير العمومي للهوذاك يحمل التهديد الخطر للنسبويّة (Relativismus)، والقلق (Angst) إزاءها هو قلق إزاء الهوذاك. الماضي يمكن أن يُعاود في الكيف كتاريخ أصيل. إنّ إمكانية التحصل على التاريخ تتأصل في الإمكان تبعاً لفهم مُطْلَق مخصوصيّةٍ حاضرةٍ لكيف توجد مستقبلياً. هذا هو المبدأ الأول لكل هرمينوطيقا. إنه يقول شيئاً ما بصدد وجود الهوذاك الذي يكون بعينه التاريخية. لن تبلغ الفلسفة جذر التاريخي طالما أنها تحلل التاريخ كأوضوع تأملي (Betrachtungsgegenstand) في المنهج، لأنّ لغز التاريخ يكمن في ذلك الذي معناه أنه يوجد تاريخياً.

بإيجاز يمكن أن نقول: الزمان هو الهوذاك. الزمان هو مخصوصيّتي التي يمكن أن توجد مستقبلياً بواسطة استباق اليقين اللامتعيّن بَعدْ. الهوذاك يكون دائماً على نحو وجوده المستقبلي الممكن. الهوذاك هو الزمان، والزمان هو زمانيّ. الهوذاك ليس الزمان بل الزمانية. إن البيان الأصلي (Grund Aussage) عن الزمان بأنه زمانيّ هو بذلك التّعيّين الأصيل الأقصى الذي ليس من الهيهية (Tautologie) في شيء لأن وجود الزمانية يدل على فعلية غير متهوِّية المضيّ. في هذا الاستباق أنا أكون الزمان أصالةً، أنا أمتلك الزمان. إنه بقدر ما يكون الزمان خاصيّتي توجد أزمان متعددة. الزمان بحد ذاته لا معنى له (Sinnlos)؛ الزمان هو زماني.

إذا فُهم الزمان على أنه الهوذاك، سيغدو مفهوماً التعريف التقليدي للزمان بأنه المبدأ التفريدي السديد (Das Rechte principium individuationis). هذا يُفهم غالباً على أنه جريان غير معكوس تبعاً لزمان الحاضر وزمان الطبيعة.

إلى أيّ حدّ بعد يكون الزمان الأصيل مبدأً للتفريد ينطلق من الهوذاك في مخصوصيّته؟ بالانوجاد مستقبلياً في الاستباق يغدو الهوذاك الوسطي نفسَه؛ في الاستباق يغدو مُبْصراً بوصفه هذه الفرادة الفريدة لمصير (schicksals) في مُضيِّه الفريد. الغريب تماماً بصدد هذا التفّريد أنه لا يترك الأمور تذهب بعيداً شأن تفريدٍ يُؤخذ بمعنى الانبثاق الغرائبي لوجودات إستثنائية؛ إنه يحطم كلّ صَيْرٍ إستثنائي، فهو يفرّد على نحو يجعل الجميع متساوياً في الوجود مع الموت يُجتلب الكلّ إلى “الكيف” الذي يكونه الجميع على قدم سواء؛ إلى إمكانية لا تميز أحداً عن آخر، أي إلى كيف تنحل فيه الـ “ما” إلى غبار .

إستنتاجاً؛ لنضع التاريخية وإمكان المعاودة على المحكّ. في كتاباته غالباً ما يستعمل أرسطو في معرض التأكيد أن الأمر الأكثر أهمية هو التعليم (Пαίδεία) السديد، التأمين الأصلي للشيء، الإنطلاق من المألوفية مع الشيء نفسه، وتأمين الطريق الملائم للتعامل معه. من أجل أن نتكلم محتفظين بالعنصر الوجودي (Seinscharkter) لثَيّمَتِنَا، ينبغي أن نتكلم زمانياً عن الزمان.

نأمل أن نُعاود زمانياً السؤال بصدد ما هو الزمان. الزمان هو “الكيف”. سأْلُنا عن ما هو الزمان ينبغي أن لا يتشبث بسذاجة بإجابة من قبيل (أن الزمان هو كذا وكذا) لأن هكذا إجابة تتعلق دائماً بـ “الما”.

لنضع جانباً الإجابة ونعاود السؤال: ماذا حدث للسؤال؟ لقد حوَّل نفسه. ما هو الزمان؟ أصبح من هو الزمان؟ وتحديداً هل نحن أنفسنا الزمان؟ بل أكثر: هل أكون أنا زماني؟ على هذا النحو أكون قد اقتربت جداً منه، وإذا فهمت السؤال على نحو سديد أكون قد اضطلعت به بجدية تامة. هكذا تسآل يكون الطريقة الأكثر ملاءمة للوصول إلى وللتعامل مع الزمان بوصفه يكون كل مرة من شأني بعدها يصبح الهوذاك الوجود الذي يُسأل عنه

عن مجلة الفكر العربي المعاصر