متابعات : الأصولية بين أدلجة الماضي وتسييس المقدس 

عبد الرحمن العمراني

هل تعتقد أن هؤلاء الرجال  الجالسين داخل دكاكينهم  يسعون لكسب العيش ، يبيعون الجلابيب وانواع الأثواب  والشمع الغليظ الملون ، فاتحين المذياع والتلفزات الصغيرة  على قنوات  تقدم  مقاطع من آيات بينات من الذكر الحكيم ،يتلوها على مسامعهم خيرة المجودين من أمثال الشيخ المرحوم  المنشاوي الذي نستمع إليه الآن ونحن مارون من هنا، هؤلاء الرجال الذين ينتظرون  أذان العصر للذهاب الى مسجد القرويين لأداء الصلاة – هل تعتقد أن هؤلاء الناس هم  أقل ورعا وتقوى من أسلافهم ،  ممن  كانوا  موجودين هنا في هذا الزقاق الضيق  قبل عدة قرون، يوم كان هذا المكان إحدى المنارات الكبرى للحضارة الاسلامية ؟ وهل تعتقد أن تلك النسوة الجالسات في نفس الزقاق  على قارعة الطريق يفترشن بعض قطع الكارتون المقوى ، يبعن البغرير ورغيف رزة القاضي  وبعض قطع الحلوى الشامية،  هن أقل طهارة وإقبالا على الصلوات الخمس من جداتهن وجدات جداتهن؟
وهل تظن أن أولئك الشباب الذين تركناهم خلفنا بساحة  بوجلود ينادون  ملء حناجرهم على الزبائن، ويقنعون  المارة بفضائل السلع الصينية التي يعرضونها مصفوفة ملمعة – هل تظن أنهم أقل استقامة أو أقل تقديرا  للواجب المهني أو أقل امتلاكا للوازع الأخلاقي من الشباب الذي كان موجودا هناك ، قبل مئات السنين، يعرض للبيع  ما كانت   تصوغه وتصنعه أنامل السابقين علينا من أمة المغاربة  ؟
هكذا سألني  الصديق احمد، ونحن نمر بالقرب من  جامع القرويين  بفاس، بعد الظهيرة من يوم ثاني شهر رمضان الكريم  ، في مكان تذكرك كل زاوية من زواياه،  وكل قطعة خشب أو جبص  من مداخل محلاته  التجارية ببقايا  الماضي الساكن بهدوء في كنف الحاضر.
والحق أن هذا السؤال الإشكالي الذي طرحه الصديق احمد، بكل عفوية وتلقائية، يستدعي  تفكيرا عميقا ووقفة نقدية إزاء ذلك المنطق الأصولي  ، المؤطر لنظرة جماعات الاسلام السياسي في مشارق البلاد العربية ومغاربها، وهي تقارن الأزمنة الغابرة بالأزمنة الراهنة ،  نقصد ذلك المنطق الذي يدفع منظري الجماعة الى تبني مفاضلة  معيارية، يكون الماضي بمقتضاها سيدا مطلقا على الحاضر،  ويكون بمقتضاها  الأقدمون – بالنتيجة – سادة أبرارا  قيمين على مستودع  الفضيلة والحسنى الى يوم يبعثون.
وعلى الرغم من ان التاريخ السياسي والاجتماعي، ومعه تاريخ  المسلكيات الأخلاقية ، في العالم العربي والاسلامي ، التاريخ الحقيقي لا المؤدلج ، التاريخ المدعوم بالوقائع المروية  والمسنودة بالسند الاستوغرافي الصحيح  ، لا يدعم  إطلاقا هذه المفاضلة المعيارية بين الماضي ، حينما نأخذه في إجماله، والحاضر،  حينما نأخذه  هو الآخر في إجماله، كما لا يدعم ذات التاريخ  هذه المعيارية حينما نقارن  مسلكيات الناس  الاخلاقية  في الماضي والحاضر، خاصة إذا لم نقتصر على العينات الصغيرة  واعتبرنا الجموع والأغلبية ، فإن الأصوليين ضمن جماعات الاسلام السياسي متشبثون  في ما يظهر بتلك المفاضلة المعيارية، مؤمنين بها إيمان العجائز!.
والشاهد أن  وقائع التاريخ الفعلي لأمة العرب والمسلمين  لا تفيد البتة بوجود ما يسند هذا الحكي المؤمثل عن الماضي ،والذي يحيله، في المخيلة الأصولية ، الى  حيز زمني أسطوري لم يمسسه سوء الصراعات الآدمية، ولم  يخضع فيه الناس لإغراءات  النفس الأمارة بالسوء.

لا تفيد وقائع التاريخ الفعلي  أن هناك مراحل  سابقة ساد فيها الخير كل الخير وهيمن خلالها  الفضلاء في عوالم  هي أقرب الى جنات عدن منها الى عالم الارض الفانية،  عوالم كانت فيها الفضيلة هي القاعدة والرذيلة هي الاستثناء .ولا تفيد نفس الوقائع   أن أرض الله الواسعة، في هذا الحاضر الذي يمقته الأصوليون وهم يقارنونه بالماضي ، هي فضاء فيه الغلبة للشياطين  والمارقين ، حيث الرذيلة هي القاعدة  والفضيلة هي الاستثناء .لا ،التاريخ ليس  بهذه الثنائية البسيطة أو التبسيطية التي يتصور  بها العقل  الأصولي  فصول الزمن  المتعاقبة ويقرر بها جزافا متوسط الأخلاق العامة، ومنسوب التقوى الدينية عند عموم الناس خلال تلك الفصول المتعاقبة.
ولسنا نعرف حقاً أي مفهوم انثروبولوجي للإنسان ولا أي فهم  سوسيولوجي أو تاريخي للمجتمعات الانسانية وتطوراتها يستند إليه الأصوليون وهم يقررون أفضلية مطلقة للماضي على الحاضر.
وبالرجوع الى ملاحظة الصديق احمد،  وجوابا عن سؤاله،  فليس صحيحا، إلا في  ذهن  الأصوليين وحدهم، أن أولئك الناس الجالسين يمارسون تجارة الحلال  اليوم في محيط جامع القرويين قد يكونون أقل ورعا وتقوى من سابقيهم الأقدمين ممن تعاقبوا على نفس الدكاكين والمحلات التجارية في الماضي السحيق  .وليس مؤكدا  كذلك،  إلا في عقل الأصوليين وحدهم ،ان بائعة البغرير الجالسة تسعى للرزق الحلال في محيط نفس الجامع  قد تكون اقل إيمانا ونقاء سريرة من نساء القرون الغابرة .لا شيء يمكنه  عمليا وتاريخيا ومنطقيا إسناد مثل هذه الافتراضات الأصولية.
في مقالته المنشورة يوم السبت /الاحد3 /4 يوليوز الجاري بجريدة الاتحاد الاشتراكي تحت  عنوان « القاهرة 30يونيو ، ميدان التحرير «يبين  الشاعر والمفكر أدونيس كيف  أن المنتمي الى  حزب ديني كالإخوان المسلمين أو غيرهم ليس أكثر إسلاما أو أكثر تقوى من فرد غير منتم الى حزب ديني ، ويتساءل من أين يمكن أن تجيء والحالة هاته تلك الأفضلية الموهومة للمتحزب دينيا بالصورة التي يطرحها الأصولي  مع نفسه وفي مواجهة الاخرين ؟!. ويمكننا  في نفس السياق أو قريبا جداً منه أن نطرح السؤال : من أين يأتي  عند الأصولي هذا التعلق  بأفضلية معيارية مطلقة  للماضي على الحاضر ؟
والجواب في الحالتين معا ، أي سواء لدى  المتحزب دينيا ،الذي يتوهم تفوقه في التقوى  والورع على غير المتحزب دينيا ضمن أمة المسلمين ، أو لدى  الأصولي الماضوي الذي يتوهم وجود تفوق  معياري للماضي على  الحاضر،  الجواب، في الحالتين معا، أن الامر يرتبط أولا وأخيرا باستراتيجية يسلكها الأصولي يروم بها تسييس المقدس ،والاستغلال السياسي للدين، طمعا في كسب سياسي دنيوي  سريع لا يضمنه للأصولي قبول شروط وميدان ومضامين الصراع السياسي كما هي متعارف عليها عالميا في الممارسة الديمقراطية.

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 7/23/2013