ليلة ثورة 23 يوليو 1952

 

 

عمرو الكاشف

ظلت مصر لأكثر من 1500 عامًا لم يحكمها مصري واحد على الإطلاق، ثم جاءت ثورة 23 يوليو / تموز 1952 وغيرت كل المقاييس، وحققت نجاحات لم تكن في الحُسبان، حتى إن بعض قيادات الثورة أثناء نقاشهم الأخير لخطة الثورة، توقعوا نجاح الخطة بنسبة 10% فقط، وأعطيت الخطة اسمًا سريًّا، وهو “نصر“، ونُفِّذت الثورة وحققت أكثر مما كان متوقعًا.

قبل اندلاع الثورة كانت هناك أسباب ومقدمات، أثرت بالسلب على الشعب المصري، ومهَّدت لاشتعال الثورة؛ أهمها: الاحتلال الانجليزي لمصر عام 1882م، ونقض الإنجليز لوعودهم بالجلاء، وفساد النظام الملكي في مصر، ومن هنا اشتعلت الثورة

أكثر من موعد للثورة:

لقد كانت النية معقودة لدى “الضباط الأحرار” على القيام بالثورة، خلال نوفمبر / تشرين الثاني 1955، ولكن أحداث حريق القاهرة، في 26 يناير / كانون الثاني 1952، كانت جرس الإنذار قبل الثورة، ففاعل الحريق كان مجهولاً، بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي، والذي تمثل في توالي تغيير الوزارات؛ مما شكل ضغطًا دفَع تنظيم الضباط الأحرار للتفكير في التبكير بموعد القيام بحركتهم، كما أن قرار الملك فاروق بنقل اللواء محمد نجيب ليكون قائدًا للمنطقة الجنوبية في “منقباد” بما يشبه النفي، كل هذا جعل الضباط الأحرار يعجلون بالقيام بالثورة، فالأحداث كانت تتوالي سريعًا، بشكل عجَّل باللحظة الثورية .

ثم وصلت أنباء عن اعتقال عدد من الضباط، ومجيء وزارة حسين سري ( 20 يوليو / تموز 1952)، التي لم تستمر في الحكم سوى تسعة عشر يومًا فقط؛ مما يدل على مظاهر العبث الملكي الأخيرة الصارخة، وبعد ذلك تقرر في يوم 19 يوليو / تموز، أن تتم الحركة ليلة 21، 22 يوليو / تموز 1952

كان الوقت ضيقًا للغاية لوضع الخطة المناسبة، وحشد كل “الضباط الأحرار“، ولم يكن هناك سبيل للتراجع، ولا مفر من الإقدام على الثورة، وانحصرت القضية على الاتصالات بالضباط الأحرار، ثم تبيَّن – تحت ضغط عامل السرعة – أن التنفيذ في الموعد المحدد في ليلة 21 و22 يوليو / تموز 1952، هو أمر شديد الصعوبة، وذلك لتعذُّر تجهيز كافة الترتيبات، والانتهاء من كل الاتصالات، وتقرَّر تأجيل الموعد يومًا واحدًا؛ أي: 23 يوليو/ تموز، وهو يوم اندلاع الثورة الفعلي، على أن هذا اليوم الذي تم تأجيله قد أثر سلبًا في نفسية الضباط الأحرار الذين قد تهيؤوا للعمل تمامًا، حتى إنهم قد أبلغوا القيادة بأنه إذا حدث تأخير جديد، فإنهم سيتصرفون منفردين.

كل ذلك يدل على شدة حماس رجال الثورة لتنفيذ الخطة فعليًّا، إلا أنه بعد تبكير موعد الثورة من 1955 إلى 1952، فإنها حققت المطلوب تنفيذه.

خطة الثورة:

أثناء اجتماع قادة “الضباط الأحرار” يوم 19 يوليو / تموز على شكل مجموعات عمل للإعداد للتحرك، تم استدعاء اللواء محمد نجيب الذي أصبح رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، وذلك لمقابلة الوزير محمد هاشم، وسأله الأخير عما إذا كان تعيينه وزيرًا للحربية كافٍ لإزالة أسباب التذمر في صفوف ضباط الجيش، وخلْق حالة من الرضا لدى الضباط؟

فوجئ نجيب بالسؤال، وبلا تردد رفَض المنصب، وقال له: إنه يفضِّل أن يبقى في موقعه بالجيش، وأنه سبق وعُرِض عليه منصب وكيل وزارة الحربية ورفضه.

أثناء هذا الحديث حدث أن الوزير محمد هاشم أبلغ نجيبًا – وربما دون قصد – بأن السراي لديها قائمة بأسماء 12 ضابطًا من قيادات “الضباط الأحرار“، فأسرع نجيب بإبلاغ جمال عبدالناصر، وعبدالحكيم عامر بهذه المعلومات؛ مما جعل اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار تعجِّل بالقيام بالثورة.

في الساعة الثانية بعد ظهر 22 يوليو / تموز، عقَدت لجنة القيادة اجتماعها الأخير، وحضر كل من جمال عبدالناصر، وحسن إبراهيم، وعبدالحكيم عامر، وكمال الدين حسين، وعبداللطيف بغدادي، وخالد محيي الدين، وزكريا محيي الدين، وحسين الشافعي، وعبدالمنعم أمين، وإبراهيم الطحاوي، وقيادات أخرى، وتغيَّب كل من جمال سالم، وصلاح سالم، وأنور السادات.

وانقسمت الخطة إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى:

وهي السيطرة على القوات المسلحة، وتحريك بعض القوات إلى مبنى قيادة الجيش الموالية للملك، واقتحامه والاستيلاء عليه، على أن يتم في الوقت نفسه اعتقال بعض كبار ضباط الجيش، والطيران، وقادة الأسلحة المختلفة؛ حتى لا تتحرك أي قوات عسكرية للتصدي للثورة، فكان سلاح الفرسان مسؤولاً عن إغلاق المنطقة عند شارع الخليفة المأمون، وإغلاق المنطقة عند المستشفى العسكري، وعند باب ستة بالعباسية، وباب العباسية، أما المدفعية، فمُهمتها عزل منطقتي ألماظة والهايكستب والطرق المؤدية إلى وحدات الجيش المختلفة، وسيعاون المدفعية في هذه المهمة وحدات من الفرسان، بدبابات وعربات مصفحة، وتم تحديد المسؤولين عن تحريك القوات في المرحلة الأولى كما يلي.

سلاح الفرسان: حسين الشافعي، خالد محيي الدين، ثروت عكاشة.

المدفعية: كمال الدين حسين، عبدالمنعم أمين.

الطيران: حسن إبراهيم، عبداللطيف بغدادي.

وكُلِّفت مجموعة من المدرعات بالسيطرة على مطارات ألماظة، مصر الجديدة، غرب القاهرة. وتحدَّدت مهمة الطيران بعد ذلك في طلعات استكشاف؛ للتأكد من عدم تحرُّك قوات بريطانية من قاعدة القناة، فضلاً عن طلعات استكشاف أخرى فوق القاهرة والإسكندرية، ومنع الملك فاروق من الهرب؛ سواء عن طريق الجو، أو البحر.

المرحلة الثانية:

تمثَّلت في إنزال قوات إلى الشوارع؛ للسيطرة على عدد من المواقع المدنية؛ مثل: الإذاعة، وقصر عابدين.

المرحلة الثالثة

حيث التحرُّك لعزل الملك ومحاصرته، ومنْعه من الاتصال بالقوات المسلحة، أو القوات البريطانية، وفي أحد الاجتماعات تحدث حسين الشافعي، فقال: إن سلاح الفرسان جاهز، وإن لديه 32 ضابطًا على أُهبة الاستعداد لتحريك قوَّاتهم، وأنه تمت السيطرة على 48 دبابة، و48 سيارة مدرعة، وكان موقع جمال عبدالناصر حسَّاسًا، بصفته المسؤول الأول عن حركة “الضباط الأحرار“، وقد اتصل عبدالناصر بالإخوان؛ ليُبلغهم بالحركة طالبًا مساعداتهم في حالة تحرُّك الإنجليز ضد الحركة، وكان رد الإخوان إيجابيًّا.

في الساعة السابعة من مساء يوم 22 يوليو / تموز، أبلغ الملازم أول حسين محمود صالح من “الضباط الأحرار” في سلاح المدفعية، زُملاءه في السلاح أنه عندما كان يغادر منزله مرتديًا الزي العسكري، ومسلحًا بمسدسه، شكَّت والدته في الأمر، فأبلغت شقيقه اللواء جوي صالح محمود، فقام بدوره بالاتصال بالقيادة العليا في الإسكندرية، معتقدًا أن بعض الضباط ينوون القيام بشيء ما في هذه الليلة.

وفي الحال أبلغ حسن محمود “الضباط الأحرار” في المدفعية، وقاموا بإبلاغ ذلك لمسؤول المدفعية، وأعادوا الضابط إلى منزله؛ حتى تطمئن والدته، وتكف عن انزعاجها، لكن الخبر كان قد وصل أيضًا للملك، وتأكَّدت السراي أيضًا من الخبر بعد أن وصَلتها معلومات من اللواء أحمد طلعت حكمدار العاصمة الذي أبلغه يوزباشي الفرسان (النقيب) فؤاد كراراة، بأن أحد زملائه الضباط – وهو ممدوح شوقي “من الضباط الأحرار” – قام بمحاولة ضمِّه للحركة، وعلى ذلك تم استدعاء اللواء حسين فريد رئيس أركان الجيش، وتم تكليفه بالتوجه إلى مقر القيادة؛ للقضاء على أي حركة من جانب الجيش.

التنفيذ:

كان أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار يجتمعون بين الحين والآخر؛ ليتدارسوا الموقف، ويضعوا الخُطط؛ لرسم الطريق من أجل تنفيذ الثورة، وكانوا يحيطون خططهم واجتماعاتهم بسرية وكتمان شديدين، ويُغيرون أماكن اجتماعاتهم مرةً تلو المرة؛ وذلك حرصًا على السرية المطلقة.

لقد تم الاتفاق على أن يكون مركز اندلاع الثورة في منطقة ثكنات الجيش، من نهاية شارع العباسية إلى مصر الجديدة، فالخطة تقضي باحتلال المراكز المهمة لأسلحة الجيش، والسيطرة على الجهاز الحربي، الذي تتركز فيه قوة الجيش، وقسمت القاهرة إلى أربعة قطاعات، وانتدبت الهيئة التأسيسية لكل قطاع بعض “الضباط الأحرار“، تصحبهم قوة من الجند بأسلحتهم ومصفحاتهم، فقد قضت تعليمات قيادة الثورة باعتقال كبار الضباط القدامى، وقادة الأسلحة في الوقت المناسب قبل ساعة الصفر، وبالفعل تم اعتقال العديد من قادة الجيش في مراكزهم، أو منازلهم، أو في الطريق إليها، دون أن يعرفوا سبب اعتقالهم، وتم نقْلهم مع الاحترام الواجب إلى الكلية الحربية، وحجز كل منهم في غرفة بها.

وفي منطقة العريش كان للثورة قوات موالية هناك وكذا القنال، كما كانت هناك قوات موالية للثورة في الإسكندرية، والهدف منها تأمين المنطقة هناك والسيطرة عليها؛ حيث إن أتباع الملك وحراسه يوجدون هنا

السادات في السينما:

في يوم 23 يوليو / تموز، ذهَب السادات إلى منزل عبدالناصر، ولكنه لم يجده، وقد أخبر السادات بواب منزله بأنه سيكون موجودًا في “سينما منيل الروضة“، وإذا سأل عليه أحد، فليُخبره البواب بأنه سيكون موجودًا بالسينما، ولقد ذهب عبدالناصر إلى منزل السادات، ونسِي البواب أن يُخبره بأن السادات في السينما.

ثم عاد السادات إلى منزله، وأعطاه البواب رسالةً من عبدالناصر، فلما قرأها، استبدل السادات على الفور ملابسه المدنية بملابسه العسكرية

ذهب السادات على الفور إلى كوبري القبة، ولحظة وصوله ألقى الملازم أول محمود عباس القبض على السادات؛ للتحقق من شخصيته، وطلب السادات أن يقابل عبدالناصر، وبالفعل قابله، وتبيَّن حقيقة أمر السادات بالنسبة للملازم، وتوجَّه السادات وعبدالناصر، وعبدالحكيم عامر للمشاركة في التحرك، يقول هيكل: إنه رأى السادات عندما دخل إلى مقر القيادة، وكانت الساعة الثالثة صباحًا، من يوم 23 يوليو / تموز

القبض الخطأ على عبدالناصر وعامر:

 بعد أن علِم عبدالناصر بأنه قد تم للسلطات العليا اكتشاف أمر حركة الجيش، وأن الملك فاروق اتصل من الإسكندرية بالفريق حسين فريد، رئيس أركان حرب الجيش في القاهرة، الذي دعا قادة الجيش لحضور مؤتمر عاجل في مكتبه بمبنى رئاسة الجيش بكوبري القبة “وزارة الدفاع حاليًّا“، فطلب الضباط من عبدالناصر أن يلغي كل شيء، ولكن تنفيذ ذلك الطلب كان مستحيلاً، فقد وصل “الضباط الأحرار” إلى وحداتهم وفقًا للتعليمات، وحسبما قال عبدالناصر: “العجلة دارت، ولا يستطيع إنسان أن يوقفها”، وبالتالي لم يخامر عبدالناصر اليأس

تحرَّك عبدالناصر وعامر إلى ألماظة، وعند ميدان الكربة بمصر الجديدة، التقى الاثنان مصادفةً بطابور من العربات العسكرية المحملة بالجنود، وكان الطابور متوقفًا بأحد جوانب الميدان، وأيقن عبدالناصر بأن هذا الطابور هو من القوات التي حرَّكها حسين فريد؛ لضرب الحركة على الرغم أن ساعة الصفر لتحرُّك حركة الجيش، باق عليها ما لا يقل عن نصف ساعة

فاقترب عبدالناصر وعامر من الطابور العسكري؛ لاستطلاع حقيقة أمره، فإذا بهما يجدان نفسيهما والأسلحة مشهرة في وجههما، وأدركا بأنهما وقعا في كمين مُحكم، أعدته لهما القوات الموالية للملك، وأن حركة الجيش قد فشِلت.

نظرًا لعدم معرفة الملازم محمد متولي بعبدالناصر من قبلُ، فقد بادر بتنفيذ التعليمات وألقى القبض عليه، بينما طلب من الرائد الذي كان برُفقته – وهو عبدالحكيم عامر – الابتعاد عن الكتيبة، وأكد الملازم محمد متولي أن عبدالناصر لو كان مرتديًا للملابس المدنية، لما كان متولي قد ألقى القبض عليه

من لطف الله أن جاءهما الفرج على غير انتظار، فقد لمحا المقدم يوسف صديق ينزل من سيارته الجيب في أول الطابور؛ ليُنقذهما من هذه الورطة، وليخبرهما بأن طابور هذه القوات موالٍ للحركة، واكتشف صديق أنه قد تم تبليغه بساعة الصفر خطأً، وأنه تحرك مبكرًا عن الوقت الصحيح، والذي كان محددًا له الواحدة صباحًا، ذلك بسبب خطأ المندوب الذي تولى إخطاره بالموعد، واتفق عبدالناصر وصديق على أن يواصل الطابور تحرُّكه إلى مبنى رئاسة الجيش الموالي للملك

الهجوم على رئاسة الجيش

كان الفريق حسين فريد (رئيس أركان حرب الجيش) موجودًا وقتئذ في مبنى رئاسة الجيش بكوبري القبة، فقد بلغته الأنباء بحركة الضباط الأحرار، فاجتمع فريد في منتصف ليلة 23 يوليو / تموز بمقر رئاسة الجيش بكبار القيادات، وانتهز يوسف صديق الفرصة، فاقتَحكم هو وجنوده مبنى رئاسة الجيش، وبحثوا في الدور الأرضي وكان خاليًا، وعندما أرادوا الصعود للطابق الأعلى، اعترض طريقهم شاويش، فحذره صديق، ولكن الشاويش أصر على موقفه، فأطلق عليه صديق طلقة أصابته في قدمه، وعندما حاول صديق فتْح غرفة قيادة الجيش، وجد خلف بابها مقاومة، وتَمَّ تبادل إطلاق الرصاص، ثم اقتحم جنود صديق الغرفة، وهناك كان يقف حسين فريد واللواء حمدي هيبة، وضابط آخر يرفع منديلاً أبيض، فهذه المعركة الصغيرة شكلاً والكبيرة نوعًا، قُتِل فيها اثنان: أحدهما من حرس حسين فريد، والآخر من جنود الثورة، وجُرِح اثنان آخران، وكان حسين فريد واقفًا رابط الجأش، وقال له صديق: “لقد طلبت مقابلتك من مدة، ويؤسفني أن تكون هذه مناسبة اللقاء”

تم اعتقال فريد، وقد وصل في هذه اللحظة 50 جنديًّا، وكل منهم يحمل 100 طلقة، وقد حضروا بناءً على استدعاء من رئاسة الجيش، فضمَّهم صديق إلى قواته، بعد أن عَيِّن لهم قائدًا من ضباطه، ثم جلس صديق يتنفس الصُّعَداء مع بعض ضباطه في مكتب حسين فريد، فقيادة الجيش الموالي للملك سقَطت، ولم يكن جلوس صديق على مقعد رئيس أركان حرب الجيش يعني أن الحركة قد انتصرَت، ولكن ذلك يعني أن أخطر مركز للسلطة قد سقط، وأنه لم يعد هناك في القاهرة مركز يستطيع أن يعطي أوامر مضادة لحركة قوات “الضباط الأحرار.

مكالمة التليفون الوهمية لخداع القائد العام للقوات المسلحة

في صبيحة يوم الأربعاء 23 يوليو، اتَّصل الفريق محمد حيدر – القائد العام للقوات المسلحة الموالية للملك – وطلب التحدث هاتفيًّا مع اللواء حافظ بكري مدير سلاح المدفعية، الذي كان قد تم اعتقاله من جانب الضباط الأحرار، وردَّ على حيدر أحد الضباط الأحرار وهو اليوزباشي محمد أبو الفضل الجيزاوي، مقلدًا صوت اللواء حافظ بكري، ودار بينهما الحديث كالتالي

محمد حيدر: من معي؟

أبو الفضل: أنا حافظ بكري يا معالي الباشا، وقد أرسلت أستدعي قادة الوحدات، و”احنا مسيطرين تمامًا على الموقف“.

محمد حيدر: (وصوته يتهلل) “أنا متشكر على الهمة دي ياحافظ، وأنا هابلغ مولانا، وخليك على اتصال بيا”، وانتهى الاتصال، ثم جاءه اتصال جديد من جانب حيدر أيضًا في الواحدة بعد منتصف الليل من ليلة 23 يوليو/ تموز:

محمد حيدر: (يطلب إفادة عن الموقف).

أبو الفضل: “قادة الوحدات والضباط قد وصلوا”.

محمد حيدر: “أنا سامع إن في دوشة عند القيادة”.

أبو الفضل: المعلومات عندنا، وسأرسل قوة لضرْب هذا التجمُّع، ولم تكد تمضي نصف ساعة، حتى اتصل محمد حيدر مرة ثالثة والقلق بادٍ في صوته، وأبو الفضل يجيب.

محمد حيدر: ماذا فعلتم؟

أبو الفضل: أرسلنا قوات للعباسية، ونسيطر تمامًا على الموقف في ألماظة والعباسية، وسنقبض على الضباط المتجمعين أمام القيادة، وفي الثانية بعد منتصف الليل، اتصل حيدر من جديد واتضح من صوته أنه في حالة نفسية سيئة.

محمد حيدر: هناك معلومات وصلتنا بأن بعض “الضباط الأحرار” قد استولوا على القيادة فعلاً، فما هي الحقيقة؟!

أبو الفضل: إن هذه المعلومات ليست صحيحة، وإن قواتنا فعلاً هي المسيطرة على الموقف.

(بدأ الشك يساور حيدر).

محمد حيدر: “انت يا ابني باين عليك مش حافظ بكري، وصوتك متغير؟!”.

أبو الفضل: “لا يافندم، أنا حافظ بكري، والصوت متغير من التليفون”.

محمد حيدر : “إديني أمارة”.

أبو الفضل: “أمارة إيه يا معالي الباشا؟!”.

محمد حيدر: “اديني أمارة بخصوص العيد”.

أبو الفضل: “هو بعد العيد يتفتل الكحك؟!”

محمد حيدر: (صُدِم بالرد)، وقال: مش عيب يابني كده؟”.

أبو الفضل ( حاسمًا الموقف): مصلحة البلد فوق كل اعتبار، وأرجو أن تتركنا؛ لكي نُكمل عملنا.

ولم يكن محمد حيدر هو الذي اتصل بالمدفعية فحسب، فقد اتصل أيضًا قائد البوليس الحربي، وخاطَب “أبو الفضل” باعتباره حافظ بكري، وطلب منه قوةً مسلحةً؛ لأن هناك وحدات تهاجم القيادة في كوبري القبة، ثم سأله أبو الفضل عما إذا كانت القوة المطلوبة بالذخيرة الحية أم لا، فردَّ قائد البوليس الحربي، وقال: “طبعًا يافندم، لازم نضرب في المليان، ونمنع الفتنة دي!”

ورد أبو الفضل وقد فاضَ به: “إنت بكره إلى هتنضرب بالرصاص في ميدان عابدين!”

السيطرة التامة للثورة

بدأت المدفعية في تنفيذ مهامها بألماظة، وقد تم وضع قوات في مداخل المنطقة العسكرية للتحكم في الداخلين إليها، وقاد هذه القوات الرائد كمال الدين حسين، واليوزباشي (النقيب) خالد فوزي، واليوزباشي أحمد كامل رئيس المخابرات المصرية فيما بعد، واليوزباشي علي فوزي يونس.

استعد سلاح الفرسان تحت قيادة ثلاثة من ضباطه الأحرار، وخرجت المدرعات والعربات المصفحة، بعد أن اعتقلوا قائد الفرقة المدرعة الأميرالاي حسين حشمت، ثم تولَّى خالد محيي الدين قيادة المدرعات والمصفحات التي رابطت عند مداخل مصر الجديدة (سينما روكسي).

وكانت هناك وحدات أخرى أشرف حسين الشافعي وثروت عكاشة على توزعيها، وتَمَّ توزيع البطاريات على الجنود؛ حيث كان النور قد انقطع مصادفةً، وبدأت المدرعات والمصفحات تتحرَّك إلى مواقعها، وتحركت كتيبة مشاه لحماية مداخل العباسية، وسيطرت على رئاسة الحدود، ولم تجد في الطريق مقاومة، ولم تُطلق رصاصة واحدة.

وكانت تعمل تحت قيادة القائمقام العقيد أحمد شوقي، وهو أعلى المشتركين في الحركة رُتبةً بعد اللواء محمد نجيب، وسيطر على قيادة قسم القاهرة أحمد أنور الذي أصبح قائدًا للبوليس الحربي فيما بعد

كما قام ضباط الثورة بسد الطريق من أول شارع الخليفة المأمون إلى منشية البكري، وتم محاصرة هذه المنطقة، فكان “الضباط الأحرار” يوقفون السيارات في طريق مصر الجديدة، ولم يسمحوا بمرور أيٍّ من المدنيين، وتم اعتقال الضباط غير الموثوق فيهم، وحاصرات قوة أخرى المطارات؛ لمراقبة الداخلين إليها والخارجين منها، وسيطرت سرايا من الجيش على حديقة الأزبكية والمرافق العامة بالقاهرة؛ مثل: التلغرافات، والتليفونات، والكباري المهمة عند مداخل العاصمة.

السيطرة على سماء مصر:

في الساعة السادسة من صباح يوم 23 يوليو، حلَّقت في الجو الطائرات الحربية التابعة للضباط الأحرار؛ لتعلن بأن الثورة لا تسيطر على سلاح الطيران فحسب، بل أيضًا على سماء مصر كلها

السيطرة على الإذاعة:

تم الاتجاه للسيطرة على الإذاعة ومقرها بشارع الشريفين في وسط القاهرة، وتولى هذه المسؤولية اليوزباشي أحمد المصري ومعه سيارات مدرعة؛ حيث وصل إلى الإذاعة يوم 23 يوليو في تمام الساعة الرابعة والربع صباحًا، وكانت تحيط بالإذاعة قوات من البوليس، واستطاع أحمد المصري إقناعهم بأنه مُوفَد من السراي، وتمت السيطرة على الإذاعة، وتعيين نقاط حراسة في المنطقة المحيطة بها في الساعة الخامسة والنصف صباحًا

أما محطات الإرسال في أبي زعبل، فقد اتجهت إليها مجموعة من السيارات المدرعة تحت قيادة مجدي حسنين في تمام الساعة الثالثة صباحًا، ولكن حسنين أسرع وحده بعربته إلى هناك؛ وذلك لبُطء سرعة السيارات المدرعة التي معه، فوصل حسنين وانقطَع النور هناك فجأة، وأسرع حسنين إلى محطة الكهرباء، وهدَّد العاملين بالمحطة بالمسدس، فعادت الكهرباء ووصلت السيارات المدرعة.

البيان الأول للثورة

استدعى جمال عبدالناصر أنور السادات، وقال له: “إن لديك صوتًا قويًّا، وأنت تُجيد فن الإلقاء، فاذهب الآن إلى أستوديو الإذاعة، واقرأ هذا البيان”

بالفعل ذهب السادات ليذيع البيان باسم محمد نجيب، في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليو 1952، وهذا نصه

“لقد اجتازت مصر فترةً عصيبةً في تاريخها الأخير؛ من الرشوة، والفساد ، وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبيرٌ على الجيش، وتسبَّب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب، فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهلٌ أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يَحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجالاً نثق في قدرتهم وفي خُلقهم وفي وطنيَّتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.

أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين، فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيُطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور، مجرَّدًا من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يَسمح لأحد من الخونة بأن يَلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيُقابل بشدة لم يسبق لها مثيل، وسيَلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونًا مع البوليس، وإني أُطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم، والله ولي التوفيق”.

أسباب ضم السادات للحركة:

تم ضم السادات لحركة “الضباط الأحرار” عن طريق جمال عبدالناصر؛ وذلك لما للسادات من خبرة سابقة في العمل السياسي، وكان بعض “الضباط الأحرار” يشك في السادات؛ مما دفع خالد محيي الدين إلى سؤال عبدالناصر حول أسباب ضم السادات للحركة، فأجاب عبدالناصر: لأنه مصدر مهم للمعلومات، فهو على علاقة بيوسف رشاد طبيب الملك فاروق، وبمستر سمسون ممثل المخابرات البريطانية في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية

لقد وظف السادات علاقته بيوسف رشاد، وبدأ يحصل منه على معلومات لمصلحة الثورة، فعرَف السادات منه أنه بعد حريق القاهرة بعدة أيام، بدأ الملك يشعر بأنه لم يعد له مكان في مصر، كما أن الملك بدأ يرسل الذهب في طائرته الخاصة

عن موقع الالوكة