في المنتدى الأول للفريق الاشتراكي بمجلس النواب

فاعلون سياسيون، جامعيون، خبراء، برلمانيون، يناقشون «المغرب السياسي إلى أين؟»

عبد الحق الريحاني / محمود عبد الغني


شكل المنتدى الأول الذي نظمه الفريق الاشتراكي بمجلس النواب حول موضوع «المغرب السياسي إلى أين» مساء أول أمس الاثنين 22 يوليوز في لقاء فطور بمقر مجلس النواب، فضاء رحبا للنقاش السياسي والأكاديمي بين فاعلين سياسيين من جهة ومثقفين، وأساتذة جامعيين مختصين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والحقوق ثم برلمانيين وقيادات حزبية يسارية.
لقد كان اللقاء الذي يدخل ضمن سلسلة منتديات الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، مناسبة لطرح الأسئلة السياسية الحارقة الكبرى من قبيل: أين نحن من رهاناتنا على دستور ديمقراطي يكون مفتاح الأزمات والخيبات السياسية التي يتم اجترارها، أي تقييم للمشهد السياسي الحالي ومدى تأثيره على دور المؤسسات الدستورية؟ ثم ما هي الأدوار الحقيقية للفاعل السياسي في ظل هذا الدستور الجديد والمؤسسات الدستورية؟
وأجمع المشاركون في هذا المنتدى الذي ترأسه إدريس لشكر الكاتب الأول للحزب، وأدار أشغاله أحمد الزيدي رئيس الفريق الاشتراكي، على أنه بقدر ما أن المنتوج الدستوري المحصل عليه سنة 2011 بعد الحراك العربي والمغربي في 20 فبراير منتوج جيد ومشرف، لكن يبقى التفعيل دون المستوى المطلوب، مما يتطلب التوافق ما بين الفاعلين السياسيين من أجل القيام بهذه المهمة المتمثلة في التفعيل الأمثل لروح الدستور.
وسجل المتدخلون أيضا أن هناك ممارسات سياسية تحيلنا على أننا مازلنا نشتغل بعقلية دستور 1996 إن لم نقل دستور ما قبل هذه السنة، الشيء الذي لا يبعث على الاطمئنان والارتياح والثقة في المستقبل، والذي لا يخدم ترسيخ الديمقراطية، والاستقرار والأمل الذي علقته الجماهير على الإصلاح والتغيير الذي جاء نتيجة هذا الحراك المجتمعي الذي عرفه المغرب.
وشجب المشاركون استمرار بلقنة المشهد السياسي، وطالبوا بإعادة النظر في نمط الاقتراع والنظام الانتخابي المغربي الذي لا يمكن أن يعطي الأغلبية المطلقة لأي حزب كان.
واعتبر المشاركون أيضا أن كل تأخير في تفعيل الدستور، هو تأخير في الإصلاح بالمغرب، لذلك تعتبر قضية إخراج القوانين التنظيمية إلى الوجود بتوافق ما بين الفاعلين السياسيين، أولوية ضرورية ستعمل على استكمال الوثيقة الدستورية التي تم التوافق عليها أثناء إعدادها وصياغتها من قبل الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية في إطار مقاربة تشاركية.
ورأى أحمد الزيدي رئيس الفريق الاشتراكي في تقديم لهذا المنتدى، أنه لم يكن كافيا الحصول على دستور 2011، لنجزم بأننا في الطريق الصحيح، ويدلل موقفه هذا بان الوقائع أكدت غير ذلك حيث الإصلاح شبه متوقف والآمال التي زرعها الدستور تكاد تتحول الى إحباط ويأس، وهذا في حد ذاته خطير على حياة الشعوب.
ورهن البعض من هؤلاء المتدخلين عملية التفعيل لهذه المكتسبات بالرغم من أنها لم تصل إلى حد الكمال المثالي بالفاعل، هذا الفاعل الذي تصيبه هو الآخر عدة أعطاب بمختلف مكوناته، سواء تعلق الأمر بالأغلبية أو المعارضة والكلام هنا للفاعل الحقوقي والسياسي أحمد حرزني، الذي جعله في مداخلة له يطالب بضرورة تأهيل الفاعل في حين يرى عبد الرحمان العمراني أن هناك نوعا من اهتزاز اليقين في النفس، وضبابية وغموض في المستقبل وأن كل ما تأسيسه في حكومة التناوب لم يعد حاضرا، وهذا ما يقلق بشكل كبير، ما دفع الأستاذ الجامعي العمراني للتساؤل حول: هل نحن نريد أن نخطو لننتقل من مرحلة الانتقال أم نريد أن نبقى في هذا الواقع؟
أما بالنسبة للخبير في العلاقات الدولية الحسان بوقنطار، فقد اعتبر أنه خلال الممارسة السياسية ليس هناك طمأنينة كبيرة اليوم والزمن السياسي في المغرب زمن أصبح ثقيلا جدا، مستدلا بذلك بكيفية تسيير الأمور، حيث تسير بشكل بطيء جدا ، وهذا له تكلفة اقتصادية وتكلفة سياسية، يقول بوقنطار.
وأكد بوقنطار في هذا الاتجاه أن الديمقراطية بدون نجاعة تصبح نوعا من الفرملة للحداثة والتقدم ثم التنمية الاقتصادية والمجتمعية.
ويتفق الأكاديمي عبد المغيث تريدانو مع أحمد حرزني على أن الدستور المحصل عليه قد تجاوز المستوى الفكري والسياسي للبلاد، لكن المشكل يبقى في الفاعلين السياسيين الذين لهم مسؤولية التفعيل، وتساءل كذلك في نفس الآن هل بالفعل الإصلاح وقع تبنيه، مشترطا في نفس الوقت أنه لابد من ضرورة إرادوية للدفع بالإصلاح.
وذهب الكاتب والجامعي أنور المرتجي بعيدا حين قال إن المغرب البلد الوحيد المؤهل للإجابة عن الأسئلة الحارقة الناتجة عن الحراك العربي، والتي يتخبط فيها العالم العربي بعد ما عرفه واصطلح عليه بالثورات العربية.
أما بالنسبة للبرلماني عبد العالي دومو، فقد سجل أن هناك نوعا من الرواج المؤسساتي والسياسي، وهناك «حركية» مؤسساتية وسياسية. وتساءل في نفس الإطار هل هذا الرواج حامل لدينامية سياسية حقيقية ستمكن من تقوية المسار الذي نطمح إليه ألا وهو الانتقال الديمقراطي.
ودق عبد الهادي خيرات القيادي الاتحادي ناقوس الخطر، مشددا على أن المغرب ينحدر اليوم إلى وطن اللامؤسسات، واصفا الحكومة الحالية بالحكومة الرجعية بكافة المقاييس، داعيا إلى أن الوطن اليوم يحتاج إلى وضوح ومكاشفة للوقوف ضد هذه الضبابية والغموض في اللعبة السياسية.
وفي سياق الردود والمناقشة، اعتبرت عائشة لخماس أن للإصلاح ثمنا باهظا، كما له تضحيات وأدوات ورؤى. لذلك فالإصلاح يتطلب صراعا حقيقيا. وأعطت مثالا بصندوق المقاصة، الذي هو اليوم على رأس الأولويات التي ينبغي أن يرتكز عليها الإصلاح. فهذا الصندوق، تضيف لخماس، تستفيد منه فئات وطبقات غير الفئات والطبقات التي ينبغي أن تستفيد منه. ودعت إلى ضرورة تعبئة الفئات الاجتماعية المعنية للتسريع بوتيرة إصلاحه. واستخلصت أن صندوق المقاصة هو أكبر دليل على ارتباط السياسة بالاقتصاد.
واعتبر سعيد اشباعتو «أننا لا نتحكم في مستقبلنا سوى بنسبة 20 بالمائة». وأعطى أمثلة تقليدية عن نماذج التحكم؛ فالاقتصاد الفلاحي كان يتحكم في مستقبله، والاقتصاد الصناعي نفس الشيء لأنه يتحكم في منتوجه وبرامجه، أما الاقتصاد المالي فلا أحد يتحكم فيه، فهو مرتبط بسياق دولي لا ينفك عنه.وأضاف أنه لتمويل الطلب الشعبي لابد من إعادة النظر في الثروة. فعلى الطبقات البورجوازية والمتوسطة أن تسمح وتضحي بالعديد من مكتسباتها، كي يصل المواطنون إلى مستوى متقارب من الاستهلاك. إذن فالطبقة البورجوازية بالأساس معنية بهذه التضحية.
وفي ما يخص الحلول اقترح اشباعتو مجموعة من المخارج، أهمها توسيع المجال الكوني، تقليص ساعات العمل، تفعيل المغرب الكبير تكثيف اللامركزية والديموقراطية. إذن، فالنخبة السياسية هي القادرة على تحديد وجهة مستقبل المغرب، لأنها هي القادرة، دون غيرها، على تعبئة المجتمع، وهي المخول لها رسم خارطة طريق أهم ملامحها تخلي البورجوازية، التي عاشت على خيرات البلاد، عن مكتسباتها الواسعة والمتراكمة.
واعتبرت خديجة اليملاحي أن من بين أسباب التخبط السياسي والاقتصادي وتراكم المشاكل الاجتماعية التي أصبحت مزمنة، غياب مشروع مجتمعي متكامل واستراتيجي. فغياب الرؤية السياسية الواضحة مرتبط بدرجة الجرأة السياسية لدى الأحزاب والفاعلين والدولة أيضا، إضافة إلى قصور في الوعي التاريخي لدى النخب في محيط الدولة وفي محيط الأحزاب على حد سواء.
وتحدثت اليملاحي عن دستور 2011 واعتبرته محطة أساسية لكنه ينتظر التفعيل والتنزيل. وعن سؤال ما هو دور المعارضة؟ أجابت أن دورها هو في تحريك النقاش وإعطاء الاقتراحات والتوجيهات و الدعوة إلى تفعيل إخراج القوانين.
ومن جانبها اعتبرت رشيدة بنمسعود أن دستور 2011 يعتبر بوصلة للمغرب في سيره نحو المستقبل، لكن هذا الدستور يتعثر في الأجرأة والتفعيل. وأكدت أن مجموعة من المفاهيم السياسية والقانونية هي مفاهيم ثقافية بامتياز. إذن فالأمر يتطلب، من جانب آخر، تمثلا ثقافيا وسياسيا لمفاهيم المجتمع والسياسة والاقتصاد. و لاحظت على الحكومة الحالية عدة عيوب قاتلة، منها الممانعة السياسية، وغياب الإرادة من أجل تفعيل تلك المفاهيم. وأكدت أن قراءة الدستور الحالي هي قراءة تراجعية، وأن هذا التأويل للدستور يتعثر ويساهم في رهن مستقبل المغرب.
ومن جانب آخر، تضيف بنمسعود، مازالت ثنائية التقليد والتحديث تتحكم في المسار السياسي للمغرب. وأكدت أن داخل صراع الثنائيات هذا، ما زال التقليد يحتوي كل شيء في حياتنا، فتكون النتيجة هي الفشل. واستخلصت أن السؤال الثقافي والفكري أساسي لتفعيل وتمثل الدستور تمثلا سياسيا سليما. وأعطت مثالا بقانون الأسرة الذي هو في مضمونه إيجابي، لكنه يعرف نوعا من الممانعة.
وتحدثت بنمسعود عما أسمته «أعطاب الفاعل السياسي»، مشيرا إلى انه لابد من الحديث عن الذاتي والموضوعي في هذه الأعطاب. فالمعارضة هي أرنب السباق الذي عليه كل الرهان. لكن ما العمل في هذا المشهد الضبابي؟ واقترحت مجموعة من الحلول أهمها إنتاج نمط اقتراع انتخابي ينتج عنه الانسجام من أجل تفعيل الدستور بالشكل المطلوب. وكذلك ربط المسؤولية بالمحاسبة، هذه القضية التي تحولت مع الحكومة الحالية إلى ما أصبح يعرف ب «عفا الله عما سلف».
واعتبر أحمد حرزني أن القضايا التي أثيرت هامة وهي في هذه الجلسة الحميمية، ستدفعه إلى البوح بنقد ذاتي موجه له وللآخرين أيضا. فتحدث عن عيب عند الجميع، هو عيب كامن فينا ككائنات جمعية لنا ميل إيجابي باعتبارنا فاعلين، ولكن بسرعة وبشكل غامض تستهوينا الفرجة، نأخذ مسافة ونبدأ نلعب دور المتفرج على ما يحدث دون أن نفعل شيئا. فأغلبنا صوت على الدستور وأغلبنا يتساءل هل هو دستور ديمقراطي أم لا؟ فما نشاهده في الأداء الحكومي، يضيف حرزني، لا يسعد أحدا. لكن إذا اتفقنا على قوانين اللعبة علينا أن نقبل بها، لقد صوتنا على الدستور، إذن نحن فاعلون ومشاركون في اللعبة. وأخلاقيا إذا صوتنا على الدستور نعمل على تطبيقه.
وتحدث ، من جانب آخر، عن أن الكل يسجن نفسه في اختيارات ثنائية: إما الاستبداد أو النظام البرلماني. لم يعد هناك نظام برلماني في العالم. وأعطى مثالا بزيارة الملك الإسباني خوان كارلوس الذي لم يصحب معه الوزير الأول، بل كان في رفقته وزراء خارجية سابقون ورجال الاقتصاد. هذا مثال للسيادة دون الحكم. النظام البرلماني، حسب حرزني، غير موجود في الواقع. فعندما أرادوا تخريب العراق، كان الانجليز ضد التدخل في العراق ومع ذلك تدخلوا عسكريا ونفذوا مخططهم التخريبي. فما بين الاستبداد والنظام البرلماني المثالي هناك العديد من الإمكانيات. وفي نفس السياق دعا إلى الإيمان بحرية الإنسان، فالإنسان حر، حر حتى وهو في السجن لأنه يمكن أن يفكر ويكتب ويمارس. وختم تعقيبه بالدعوة إلىإقامة أوراش للتحليل الجماعي للواقع الملموس للخروج باقتراحات جماعية.
وتدخل حسن بوقنطار مؤكدا أن الصراع في المغرب ليس صراعا حول الدستور. فاليوم نحن لا نفتح نقاشا حول تعديل الدستور. لكن القضية اليوم في المغرب التي تتطلب نقاشا واسعا هي: كيف يمكن أن نتشبث بتطبيق الدستور؟ اليوم رئيس الحكومة له اختصاصات واسعة عليه ممارستها.
ومن جانبه قال أنور المرتجي إن المعركة اليوم ليست معركة دستورية، بل كيف يمكننا تفعيل الفاعل السياسي للقيام بهذه المهام. الأحزاب السياسية المؤهلة للقيام بذلك يجب أن تلتحق باللحظة التاريخية الراهنة، وعلينا التخلي عن «نشوة الاستثناء المغربي»، لأن هذه النشوة أنستنا طرح الأسئلة التي يجب أن تطرح. والسؤال الذي ينبغي الانطلاق منه هو: هل باستطاعتنا القيام بمعارضة مجتمعية؟ ذلك ان الجانب القوي هو التيار التقليدي و نحن نتفرج.
أما عبد الرحمان العمراني فتحدث عن الفاعل السياسي واعتبر أنه يثير نقاشا هاما ويطرح أسئلة كبرى. فالفاعل السياسي يقوم بأداء جيد في مناخ مأزوم. وأضاف ان الحداثة يجب ان تصبح سياسية أو لا تكون. فمنذ رفاعة الطهطاوي والعرب يناقشون تحديث العقل والذهنيات، صحيح ينبغي تحديث العقل لضمان مدخل حقيقي إلى الحداثة الشاملة، لكن لا ينبغي نسيان الحداثة السياسية. وختم تدخله بعجز الأحزاب الحداثية عن تعبئة المجتمع.

7/24/2013