أحمد الزيدي : المغرب السياسي : إلى أين ؟ 

(…) موضوع «المغرب السياسي إلى أين ؟ …» موضوع لا شك أنكم تشاطرونني الرأي بأنه يشكل مجالا تتزاحم حوله كل الأسئلة الكبرى وبكيفية لا متناهية، وانه موضوع تتسع مجالاته لتشمل حياتنا في شموليتها لذلك سأحاول اختزال تقديم الموضوع من جوانب محددة باعتبارها تختزل الطموحات والإكراهات.

طموحات مشروعة

سياسيا: أين نحن من طموحات كانت إلى حدود الأمس القريب تراهن على الزمن السياسي في بعده الدستوري كمفتاح لكل الأزمات .
مؤسساتيا: أي تقييم للمشهد السياسي الحالي، وانعكاساته على أداء ودور المؤسسات الدستورية التي ناضلت أجيال من أجل إنضاجها.
تدبيريا: أيضا وفي البعد المؤسساتي، الفاعل السياسي نفسه في الوضع الراهن أي دور حقيقي لهذا الفاعل؟ وقد أصبحنا ننظر لبعض مكوناته أحيانا بنظرة اللامبالاة لعدم جدواها، وأخرى باستخفاف حتى لا أقول السخرية لغيابها الحضوري، وثالثة ربما بنوع من الشفقة وهي تغالب زمنا لا قرار لها فيه.
ثم وهذا أساسي لا شك أننا راكمنا تجارب في مجال الممارسة الديمقراطية وكابرنا وبإسرار على الدفع بهذا المسار نحو خلق مؤسسات عاكسة لهذه الطموحات. إلى أي حد توفقنا ونحن في محطة دستور 2011 التي للأسف اعتبرها البعض بداية التاريخ ليمحو ما قبلها؟
الأخوات والإخوة، إذ أشكركم على حضوركم ورعايتكم لهذه الظاهرة بهذا الحضور المشرف دعوني أضيف إلى هذه الأسئلة سؤالا تقليديا يختزل هذه المسافات والاقتراب عبره أكثر للواقع.

سؤال المرحلة
السؤال بصيغة أخرى بالنظر إلى التناقضات التي يجد المغرب اليوم نفسه فيها، هو سؤال الإصلاح وخاصة تعثر هذا الإصلاح.
لقد اعتقدنا نحن المغاربة أننا حسمنا هذا السؤال باعتماد دستور 2011 بكل الإصلاحات الكبرى التي تضمنها في مختلف المجالات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والهدف العدالة، المساواة، الاستحقاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة وصون الحقوق الكرامة الإنسانية وفصل السلط إلخ. فهل كان يكفي أن نعتمد دستورا متطورا متقدما حداثيا، كي نقول إننا على الطريق الصحيح؟
الوقائع أكدت غير ذلك مع كامل الأسف. فالإصلاح اليوم شبه متوقف، والآمال التي زرعها الدستور تكاد تتحول إلى إحباط ويأس، وما أخطرهما على حياة الشعوب.

محطات للتذكير
لقد ناضلت القوى التقدمية والديمقراطية والوطنية في المغرب من أجل دستور ديمقراطي، وآمنت بالتراكم على هذا الطريق. وكانت في كل مرة تقاطع جزئيا أو كليا الدساتير التي تعرض على الاستفتاء، و لأول مرة في تاريخ المغرب حظي فيها دستور بدعم الأغلبية الساحقة للقوى المعارضة، حدث ذلك سنة 1996 .
آمنا بأن ذلك مؤشر ومدخل لمرحلة جديدة في تاريخ المغرب: بدءا بتدشين التناوب على تدبير الشأن الحكومي، وإعمال إصلاحات كبرى سياسية ومؤسساتية واقتصادية، ومصالحات متنوعة كبرى، كل ذلك في إطار توافق بين المؤسسة الملكية والأحزاب الوطنية.
مكتسبات مرحلة التناوب كانت مؤسسة دون شك. وقد أسست لكل الإصلاحات التي جاءت بعدها. بالموازاة مع ذلك، غيرت مرحلة التناوب وتولي جلالة الملك محمد السادس من صورة المغرب حيث أطلقت ديناميات متتالية: الأوراش الكبرى، توسيع الحريات العامة والفردية، تجهيز البلاد وتعميم الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء إلخ…
والأساسي أن المرحلة حصنت الحريات وكرست ثقافة النقد والاحتجاج وأصبح المغاربة يملكون المبادرة في الاحتجاج والقدرة على مقاومة أي نكوص.
وبقدر ما اتسعت دائرة الحقوق، بقدر ما اتسعت المطالب المشروعة خاصة بين الشباب : الشغل وباقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الرغم مما تحقق على هذا الصعيد، وعلى الرغم من التحسن النسبي في المداخيل.
ومع ذلك فإن هذا التحسن لم يكن معمما، مجاليا واجتماعيا، ولم تسعف نوعية الحكامة السائدة آنذاك لتحقيق هذه الطموحات فلا الإدارة، ولا سلطات الحكومة، ولا سلطات البرلمان مكنت من إحداث التغيير المأمول. وأكثر من ذلك شكل ما تلى انتخابات شتنبر 2002 انتكاسة كبرى في ما أسماه الاتحاد الاشتراكي آنذاك خروجا عن المنهجية الديمقراطية، إذ حرم حزبنا دون موجب حق من تشكيل الحكومة، بما يمكنه من مواصلة الإصلاحات الكبرى.
وقد استمرت النتائج السياسية وتداعيات هذا الخروج عن هذه المنهجية إلى حين اعتماد دستور 2011 حيث اعتبرت المصادقة على الدستور لحظة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر فيما تستمر نتائجها السلبية على حزبنا إلى اليوم بعد أن اخطأ بالمشاركة في حكومة كان من حقه قيادتها.
دستور 2011
أو الإصلاح المؤجل

لقد أنهى دستور 2011 مرحلة من تاريخ المغرب، وكان المأمول أن يدشن مرحلة الإصلاحات لبناء دولة القرن21 . وكما سبق أن قلنا في بداية هذه الولاية. فقد ربح المغرب الرهان الدستوري في إطار من السلاسة والتشاور والحوار في محيط إقليمي متوتر.
وقد اجتمعت إرادة جلالة الملك محمد السادس، الذي كان مبادرا واستباقيا ومنصتا لمطالب الرأي العام وإرادة القوى السياسية الحية الديمقراطية والجادة من أجل تحقيق هذا الهدف الذي جسده بالخصوص دستور فاتح يوليوز متوجا سلسلة إصلاحات سياسية ومؤسساتية تراكمت على مدى عقدين من الزمن واكبها مسلسل إنمائي مجسدا في أوراش غير مسبوقة.
قلنا في حينها «إن ربح رهان الدستور لم ولن ينتهي بانتخابات خامس وعشرين نونبر لمجرد ان هذا الحزب أو ذاك فاز بالانتخابات ولم يعد يجادل في سلامة العمليات الانتخابية. قلنا في حينها إن العمل الصعب هو الأتي . لنتريث بعض الشيء . إن الإصلاح العميق الذي اعتمدناه لا يجب ان ينسينا ان المشاركة السياسية ما تزال ضعيفة وان ملايين المغاربة غير مسجلين في القوائم الانتخابية وان أكثر من نصف المسجلين لم يصوتوا وان انتظارات الشارع كبيرة . فللديمقراطية ثمنها وكلفتها.»
نذكر بهذا وهو ما قلناه حرفيا في مناقشة برنامج الحكومة الحالية أمام مجلس النواب.
في ضوء ذلك لنرى هذا الذي يقع اليوم في المغرب: هل ما يتم إعماله من سياسات هو في مستوى السلطات التي أقرها الدستور الجديد للحكومة؟
هل مسلسل التشريع بالوتيرة التي يسير عليها اليوم كفيل بأن ييسر إعمال الدستور:
هل بدأ المغاربة يجنون نتائج الثمار الأولى للدستور فيما يرجع إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ بالتأكيد نحن بعيدون عن كل هذا وذاك، بل إننا، وهذا هو الأدهى، أمام ازدياد الفوارق الطبقية وأمام استمرار اقتصاد الريع والاغتناء غير المشروع.
هل بدأ المغاربة يجدون أنفسهم في الإعلام العمومي مثلا، من حيث المضمون والخط التحريري والخدمات، والوظيفة البيداغوجية، إن التعثر على أكثر من صعيد ليس إلا انعكاسا لما كنا قد سميناه في مناقشة البرنامج الحكومي بقصور الرؤى وهشاشة الفرضيات وعدم انسجام صارخ في بنية الحكومة.

نماذج للمساءلة
لقد سبق ونبهنا إلى هشاشة التحالف الحكومي وقلنا أنه يحمل في طياته عناصر تفجره فتحالف حزب العدالة والتنمية المعارض إلى حدود 25 نونبر2011 مع الحزب الذي كان يقود الحكومة حزب الاستقلال؟ هي إشارة كافية إلى تكريس وضعية الاستمرارية الراكدة وإلى عدم الاستجابة إلى تطلعات المغاربة في التغيير. وهذا ما عجل بالتصدع داخل الائتلاف الحكومي وهو تصدع يطرح بدون شك بعيدا عن كل غباوة أسئلة ممارسة الفاعل السياسي وحده يجب أن يتحلى بالشجاعة للإجابة عليها.
من الالتباسات الأخرى في الممارسة الحكومية والحزبية، والتي تتنافى مع دستور 2011، الغموض الذي يلف مفهومي المعارضة والأغلبية. فبعض أحزاب الأغلبية بل و جزء هام من الحكومة يمارس خطاب المعارضة وهو يدبر الشأن العام. أغلبية تتقمص دورين دور المعارضة ودور الحكم، بل إن العديد من الوزراء أصبح لهم جواب جاهز عن الملفات المطروحة عليهم في مواجهة المشاكل بأنها من إرث الماضي وثقله. والحال أن هذه الحكومة لم ترث لا سنوات رصاص ولا سجون ولا منافي ولا أزمة مالية كادت مرات، قبل التناوب، أن تعصف بالبلاد، كما أن الانتخابات لم تعد تزور مسبقا، بل ورثت دولة منظمة، وبلادا مجهزة إلى حد ما قياسا إلى ما قبل 1999، وجوا سياسيا كان موضوع تصفية من خلال المصالحات الكبرى، ادعاء مواجهة إرث الماضي، إذن مردود عليه ولا يمكن أن يقبله العقلاء، فبالأحرى نقبله نحن الذين اكتوينا بناره وكنا من دافعي ضرائبه إلى جانب عدد من الوجوه النظيفة الحاضرة معنا اليوم من أجله.
لقد اعتقد البعض غداة تشكيل الأغلبية وحكومتها بأن كل شيء في السياسة المغربية ابتدا مع نتائج انتخابات 25 نونبر 2011 !!
لقد كان ردنا على ذلك آنذاك أن مثل هذه المواقف هي تنكر للشراكة السياسة وإنكار مضاعف لتضحيات أجيال من المناضلين الشرفاء في الزمن الصعب من أجل الديمقراطية.
هذه الالتباسات لها انعكاساتها على المؤسسات وعلى أدائها وأدوارها وإذا أضفنا إليها النظرة الحزبية الضيقة بسير السؤال المشروع أو لسنا بصدد إضفاء الطابع الطائفي المذهبي على الممارسة الحكومية؟
إن المقصود من هذه الوقفة ليس انتقادا من أجل الانتقاد للوضع بحكومته وبرلمانه وأحزابه إنه إثارة الانتباه إلى أن ما يقع في هذه المحطة من أفعال تكاد تتسم بالنرجسية لن يزيد الوضع إلا استفحالا، فممارسة الهيمنة باسم الدكتاتورية العددية أو الإقصاء أو التهديد بالنزول للشارع أو انتخابات سابقة لأوانها ليست إلا هروبا للأمام … من واقع سياسي يحتاج للشجاعة العالية للتحليل والمكاشفة. وهروبا من واقع اقتصادي واجتماعي ينتظر إصلاحات مؤجلة إلى حين .. بل وهذا هو الأخطر أن الحكومة أصبحت تمارس أخطاء قاتلة من قبيل مصادرة حق المؤسسة البرلمانية في التشريع كما حدث مؤخرا بالنسبة لموضوع لجان تقصي الحقائق . وقبلها بالنسبة لمقترح الفريق الاشتراكي بخصوص الحق في المعلومة.
هذا الالتباس في أدوار المؤسسات، على الرغم من وضوح المقتضيات الدستورية يحيلنا إلى البحث عن أسباب أخرى غير دستورية للظاهرة: طبيعة الحزب السياسي ـ واستقلالية قراره وطبيعة المنتخبين ـ وتمثل الأغلبية والمعارضة ـ وتمثل المسؤولية ـ ومسألة الخبرة والتجربة والتراكم ـ ومنطق رجالات الدولة ـ ونوع الكاريزما المتحكمة اليوم. وإلا فما الذي يبرر استمرار الحملة الانتخابية إلى اليوم؟ وإلا ما الذي يبرز تكرار «أنا عندي شعبي»، وإلا ما الذي يعنيه الاستقواء باستمرار مجموعة شعارات من قبيل الربيع العربي إلخ…
هذا الالتباس يعطي الانطباع بأننا في المربع الأول أي فترة ما بين فاتح يوليوز 2011 و 25 نونبر 2011، مادام الإصلاح مؤجلا ومادام البعض لم يرض بموقعه، أو لا يريد أن يكتفي به.
باسم يوسف

يا ألله أما آن لهذه الغمة أن تنكشف؟
أما حان الوقت أن ينصر الله دينه؟
كم من الصدمات التي يجب أن يتعرض لها عقلي؟
كم من الاختبارات يجب أن يتعرض لها يقيني وإيماني؟
مرقت هذه الأفكار في ذهني في الوقت الذى يمر علينا الأخ الفاضل باللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية. لا أعرف ما هو المكتوب على هذه اللافتات ولكن لا يهم المحطات الأجنبية جاءت لتغطى فاعليات اعتصامنا في رابعة ويجب أن نوجه رسالتنا لأمريكا وأوروبا.
نعم كان يقول لنا شيوخنا إنها دول كافرة فاسدة يتم السيطرة عليها بالإعلام الصهيوني النجس، ولكن نفس الشيوخ يقولون لنا إنه من المهم أن نطلب مساعدتهم، لا يهم الوسيلة، المهم الغاية، المهم نصرة الإسلام.
ألم نهتف الأسبوع الماضي مهللين مرحبين بخبر توجه سفينتين حربيتين إلى شواطئنا .يا أمريكا حررينا. ألا يعد ذلك استقواء بالغرب الفاجر؟ أليست هذه التهمة التي طالما ألصقها شيوخنا بأعداء الإسلام كالبرادعي وحمزاوي وهؤلاء النصارى عبدة الصليب؟
لكن لا يهم. فالغاية تبرر الوسيلة. ألسنا ندافع عن الإسلام؟
مر بجانبي شخص بملامح مختلفة عن باقي الموجودين هنا كأنه من خارج المكان والزمان.. ينظر إلى اللافتات التي بأيدينا وإلى الكاميرات وإلى فاعليات المنصة ثم ينظر إلى كأنه يقرأ أفكاري ويبتسم. يخرج مدونة صغيرة وقلما ويكتب شيئا ما.
من هذا؟
لا يهم، إحنا في ايه ولا في ايه؟ ارفع اللافتة كمسلم مخلص لمنهجي السلفي. فأنا كسلفي مطيع لشيوخي لا أرد لهم فتوى أو رأى. أتذكر حين كان شيوخي يقولون لي إن الإخوان جماعة ضالة مبتدعة ثم أجد نفس هؤلاء الشيوخ على منصة واحدة مع قيادات نفس الجماعة بعد الثورة.. لا أستطيع أن أفسر متى وكيف تغير موقف هؤلاء الشيوخ من الفتوى بعدم الخروج على الحاكم إلى التشدق بمبادئ الثورة. من تحريم الديموقراطية والانتخابات ومشاركة المرأة إلى السعي بكل قوة للحصول على كل صوت لذكر كان أو انثى.
أتذكر شيوخ الدعوة السلفية يوصونني بالتصويت لأبو الفتوح وليس محمد مرسى المرشح “الإسلامي”، فأجد نفسى في نفس معسكر اليساريين الكفرة الذين صوتوا لأبو الفتوح. ثم تأمرني قياداتي بأن أقف بجانب مرسى في الإعادة في حين يجلس ياسر برهامي مع شفيق سرا فيكذب ويكذب حتى يعترف أنه فعل ذلك.
أتذكر الصالة المغطاة لاستاد القاهرة حيث أعلن رئيسنا المسلم الجهاد في سوريا وسانده وعضده شيوخي وعلمائي. نعم أتذكر هذا المؤتمر. حيث رددنا “آمين” والشيخ عبد المقصود يدعو على أعدائنا وأعداء الدين.
أتذكر شيوخي وعلمائي وهم يعدوننا للمعركة المقبلة لمعركة ثلاثين ستة. ولكن يا إلهى، ما هذه الأعداد التي نزلت إلى الشارع؟ كنا نعرف أن هناك كفارا في البلد ولكن كيف لمصر الإسلامية أن يعيش في جنباتها كل هؤلاء المشركين والملاحدة وأذناب الكنيسة كما يقولون لنا؟
حسنا هي إذن معركة شرسة على الإسلام ولكن الله غالب على أمره. ألم يكونوا يقولون لنا إنه إن سقط مرسى والاخوان سيسقط الإسلام؟ لا يهم الكلام عن جماعة مبتدعة وضالة الآن. التعليمات الجديدة تقول إن سقوطهم يساوى سقوط الإسلام.

وسقط مرسى.
أين شيوخنا؟ أين علماؤنا الذين كانوا في حضرة الرئيس المسلم منذ أسابيع؟ ألن يقفوا في وجه هذا العدوان الصارخ على الإسلام؟ لا بد أنهم ممنوعون من الظهور، ولكن ها هو صفوت حجازي يعلن أنه ليس هناك شيء يمنعهم ويتهمهم بالتعاون مع السلطة الانقلابية أعداء الإسلام. شيوخنا يجلسون في البيوت ويتركوننا في هذه المعركة وحدنا؟ لا غير صحيح. لا يمكن أن يكون صحيحا، ولكن ها هو حزب النور الذراع السياسية للدعوة السلفية يجلس وراء وزير الدفاع وهو يقرأ بيان عزل رئيسنا المسلم. كيف يجلس أعضاء حزب النور مع أعداء الإسلام بينما قياداتهم وقواعدهم معنا هنا في رابعة التي قاطعها شيوخهم؟
أليس من هؤلاء الشيوخ محمد حسين يعقوب الذى صرخ فينا “لديكم رئيس ملتح حافظ لكتاب الله، ألا تكبرون؟”
ألم يكن بينهم الشيخ العلامة محمد حسان الذي قال لنا إن مرسي لديه شرعية نبوية وشرعية قرآنية؟ أليس الأولى به أن يقود حربنا لاسترجاع الإسلام؟ ألم يدع الشيخ حسان للجيش في وقفة عرفات منذ عام مضى؟ أليس هؤلاء الذين أعلنوا الولاء والمبايعة للمشير طنطاوي؟ ألم نهتف من التحرير للمشير بأنه الأمير؟ فكيف نهتف بأن الجيش عميل وخائن اليوم؟
عقلي يكاد ينفجر. وأنا أجلس الآن مع أخي الإخواني . نتجاذب أطراف الحديث. نسترجع معا النبوءات والتجليات والبشائر التي كان يزفها إلينا الشيوخ على منصات التحرير ثم رابعة.
أتذكر الشيخ أبو الأشبال وهو يحذرنا أن من لم ينتخب أبو إسماعيل فهو آثم. نعم، وكان هناك شيخ آخر بالتحرير يحدث بالرؤيا التي رأى فيها أحدهم الرسول وهو يدخل المسجد النبوى ويسأل عن أبو إسماعيل ويقول إن الله راض عنه.
يذكرني أخي الإخواني بكل هؤلاء الشيوخ الذين حذرونا أيضا أن من لم يصوت بنعم على الاستفتاء ومن لم يصوت لمرسي، فهو آثم قلبه أيضا.
نسترجع معا هذا الفيديو الذى يقسم في الشيخ أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قد قدم مرسي عليه لإمامة الصلاة؟
ألم يطلع علينا شيخ آخر ببشرى أن جبريل يصلى معنا في رابعة؟
ألم نهلل لهذا الشيخ الثالث ويحكى رؤيا ينام فيه الرسول على فخذه ثم يظهر مرسي فينام على فخذه الأخرى؟
صديقي الإخوانى لا يقل عنى حيرة. كم سمع من قياداته هذه الخطب التي تشبه مرسي وخيرت الشاطر بسيدنا يوسف وسيدنا لقمان بل وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟
يتساءل معي كيف بعد كل هذه التشبيهات بالأنبياء والرسل والصحابة ووقوف جبريل والملائكة وإرادة الله معنا، كيف نهزم بعد كل ذلك؟

أنكون على ضلال؟
أتكون هذه البشائر كاذبة؟ ولكن الشيوخ لا يكذبون. إنهم أهل العلم. إنهم أولو الأمر. ربما يكونوا قد غيروا بعض الحقائق ولكن كان هناك دائما مبرر شرعي. ألا نسعى كلنا لإقامة الدولة الإسلامية حتى لو كان بالكذب والغش وتغيير المواقف؟ المهم درء المفاسد. المهم ان نصل إلى مبتغانا.
أمرونا أن نقطع الطريق على الطرق وكوبرى أكتوبر. نعم هذا مخالف للعقيدة وحديث إماطة الأذى عن الطريق. ولكن لا يهم، المهم أننا سنقوم بأداء صلاة التراويح بعرض الكوبرى حتى يأتي الامن المركزي ويقوم بتفريقنا. ليس هناك أفضل من تصوير العنف مع المصلين لإثارة المشاعر الدينية عند المصريين.
جلست في ركن بعيد وأنا أتذكر كم الوعود التي أخلفت، والأحلام والتنبؤات والرؤى التي يظهر فيها الرسول يؤيد رموزنا وقادتنا. أتذكر الالعاب السياسية من رفض القرض الربوي إلى اللهاث وراء قبوله.. من الهجوم على أمريكا الكافرة إلى شهر العسل معها بل والاستقواء بها وهتافنا في رابعة “يا أمريكا حررينا”.
أجلس هنا وانا منهزم ومنكسر لهزيمة الإسلام في مصر كما قالوا لنا. لم يبق مسلم حق خارج حدود رابعة. لا يمكن أن نعود إلى بيوتنا وإلا معنى ذلك ان الله تخلى عنا وعن دين الإسلام. لا يمكن ان يحدث هذا. أيعقل أن شيوخنا الأطهار قد تلاعبوا بنا؟ هل يمكن أن يكذبوا في أمر جلل كرؤية الرسول في المنام وهو القائل صلى الله عليه وسلم: “من رآني فقد رآني “.
هل يدرك هؤلاء الشيوخ ماذا يمكن أن يحدث لإيمان ويقين هؤلاء البسطاء إذا تبين أن كل ذلك كذب؟
أيعقل ان قيادات الاخوان والسلفيين يعلمون يقينا أن ما يرددونه على المنصة كذب، وأنهم يفترون على الله ورسوله وهم يعلمون ولكنهم يفعلون ذلك لأن الغاية تبرر الوسيلة؟
يا رب هل أنت راض عن هؤلاء الذين تلاعبوا بالآيات والأحاديث وحتى بالأحلام من أجل مكاسب سياسية قذرة؟ هل استبدلنا الصدق والأمانة بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة؟
نظرت بجانبي فوجدت هذا الشخص الغريب مرة أخرى. كان يحتسي كوبا من الشاي ويسحب نفسا طويل من سيجارته وهو ينظر مبهورا تجاه المنصة
عرض علي أن آخذ سيجارة منه ولكنني رفضت بشدة.
بادرته بالسؤال: “الأخ منين؟”
“مش مهم أنا منين. المهم انا جاي هنا أعمل ايه. انا جاي أتحسر على كل تاريخي وإنجازاتي وأفكاري. عارف مبدأ الغاية تبرر الوسيلة اللي انت قارف نفسك بيها دي؟
صعقت واندهشت، كيف يقرأ هذا الرجل أفكاري؟
“لا تقلق، انا جاي هنا اتعلم من أول وجديد”.
يا إلهى من ذلك الرجل. وماذا يقصد؟
سألته: “عذرا يا أخي، ممكن أتعرف بيك” اسم الكريم إيه”.
مد يده مصافحا لي قائلا : ?اخوك ميكيافللى. انا ماجيش حاجة جنب الناس دول. سلامو عليكم?.
ثم أخرج ورقة وقلما ودون فيما يبدو لي انها ملاحظات أخيرة، ثم اختفى بين الحشود الكثيفة وهى تكرر النداء من المنصة
“قادم قادم يا إسلام”.

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي 7/25/2013