كانت أبرز عناوين فلسفة كانط التأكيد على وحدة المصير البشري وضرورة إنقاذ العالم من خِلال محو الفروق التي خلفتها ( تجارب ) البشرية المظلمة من إستعمار وحروب وعنصرية ، وإعتماد العقل ( الذي هو اعدل الاشياء قسمة بين الناس ) معيارا ً لصياغة أخلاق جديدة لا تعترف بالعنصر او الدين او القبيلة او الاثنية .
اخلاقا ً تفرض نفسها من خلال الارادة الانسانية الحرة المدفوعة بالتخلُق احتراما ً للواجب الاخلاقي الذي صاغته دون إملاء من سلطة الهية او مَلَكية او عُرفية او حتى تجريبية او دوافع براغماتية او حسابات انتهازية ، وانما الواجب الواجب بذاته لذاته .
دشن سياسة ً واخلاقا ً قافزة على الحدود والفروق بين الدول والبشر ، تُوَحِد بينهم وتربطهم بعُرى وثيقة ً واطاراً كونياً يُسهموا جميعا ً في تحديد ابعاده تأسيسا ً وتنظيما ً وصياغة ً وتنفيذا ً .
سابقا ً التجربة الانسانية بعشرات السنين مرددا ً برتابة ـ حسبها البعض حينها مدعاة للملل ـ ضرورة واهمية وجود عصبة متحدة بين الامم ترعى شؤون دولها.
ولم تصدق البشرية مُشَرِعَها ونبيها الجديد واصرت واستكبرت استكبارا ، فسدرت في غيها وخاضت حربين ضروسين عالميتين ابادت عرمرم الجيوش ، وعطلة خِيرة الشعوب عن العمل والانجاز لرفعة الانسانية ، و اسفرتا عن ملايين الضحايا فصِيغ على اشلائهم وسُطِّر بدمائهم ماعُرف بالاعلان العالمي لحقوق الانسان كان اجدى واسهل واقل تكلفة بشرية لو انه صِيغ بفكر الرجل وأُسِس على فلسفته بدلا ً من تأسيسه على شفا جرفٍ هارٍ سينهار لو ظل حكرا ً على دائمي العضوية المنتصرين في الحرب ولم يُذعنوا لداعي الحق كانط في دعوته لحرية الارادة الانسانية التي تصيغ لنفسها اخلاقها المواثيقية وتُشرف على تنفيذها ، وذلك من خلال اضفاء شكل من اشكال الدمقرطة على مجلس الامن والغاء الفيتو .

كانط كان من اكثر فلاسفة عصره امانة ً تجاه قناعاته والتزاما بها ، فأدان الاستيطان في عهد كانت تقتات به الدول بدعوى تمدين مستعمراتها ، فكان رده ( الاخلاق ولو تعارضت مع المصلحة ) . اخلاقه التي دعى لها وبشر بها هي اخلاق العقل العملي الذي يتمتع بكامل الارادة والحرية ، وليست اخلاق الدين او الاعراف والتقاليد الجامدة المفروضة من اعلى او من خارج العقل الحر او من قيود التجربة ونسبيتها التي تفضي بنا الى براغماتية تبتذل الاخلاق كغاية في حد ذاتها وتجعلها وسيلة انانية لتحقيق السعادة الفردية ولو على حساب باقي البشرية .
صحيح ان كانط صاغ مشروعه لكوننة المعرفة تأسيسا ً على العقل الاولي القبلي السابق ضدا ً على التجربة والسيكلوجيا واقصائا ً وتهميشا ً لهما .
وصحيح ان نظرته الطوباوية لصورية الاخلاق كانت ضدا ً على انطلوجيتها ، الا ان ذلك لم يَحُل دون الإسهام العميق لكانط في ( كوننة) الفلسفة والاخلاق وتحديد نمط جديد للمواطنة كما وصفه جيل دولوز (الانسان علاقة ما مع الارض ) بدلا من الانتماء والتراث والتقليد والتاريخ والهوية والملل والنحل التي لم تنتج غير الشوفينيات المستبدة والشعبويات وصدام الاصوليات على اختلاف الوانها وفرقها .
لست شاحبا ً كما زعم نيتشة ، فلعمري كم اضاء فكرك الوهاج أقبيةً وسراديب أدمنت عشق الظلام .
ولست كما نعتك عبد الرحمن بدوي بأنك ( اكبر نبي للنزعة العقلية في القانون ) وحسب ، ولكنك اكبر نبي للنزعة العقلانية في كل حقول المعرفة الانسانية وفلسفة الاخلاق والجمال والحق .
الشكر موصول لاخي وصديقي العزيز (خالد املس) على إعارته لي كتاب ( ايمانويل كانط فيلسوف الكونية ) لمؤلفه سمير بلكفيف ( انصح بقراءته ) كتاب سلط بعضا ً من الضوء على فلسفة الرجل في الاخلاق والجمال والسياسة باسلوب بسيط وجميل وشيق ، بحيث بستمتع به القاري مهما كانت محدودية قدراته الاستيعابية ومهما بلغ تواضعه الفلسفي

موقع صوت العقل