مسلمات العلم والفهم: مبدأ السببية والقصدية

يحيى محمد

لكل من علم الطبيعة وفهم الدين مسلمات يؤخذ بها في تسيير عملية الكشف والتبيان. ويعد مبدأ السببية اهم مسلمات علم الطبيعة، حيث لولاه ما كان بالامكان الكشف عن ظواهر الطبيعة وقوانينها، وعلى رأي فيلسوف العلم كارل بوبر ان مبدأ السببية ميتافيزيقي، حاله في ذلك حال اضطراد قوانين الطبيعة وانتظامها. اذ يفترض المبدأ الاخير ان للطبيعة قوانيناً عامة منتظمة تمكّن العلماء من فهم الكون، رغم عدم وجود وسيلة للبرهنة عليها. فمثلاً كيف يمكن البرهنة على القوانين التي كانت تعمل منذ نشأة الكون؟ او على مصداقية قانون الجاذبية العامة فيما يتعلق بالمجرات البعيدة؟ او تلك التي لا تطالها يد الفحص والرؤية والاختبار؟ وهناك مسلمة اخرى غير قابلة للبرهنة ايضاً، وهي الاعتقاد ان بامكان العقل البشري ان يفسر ويحل ما يحمله النظام الكوني من غموض وابهام، كالذي اشار اليه هوروبن. كما ان التسليم بوجود واقع موضوعي خارجي يقام عليه البحث هو ايضاً من المسلمات العلمية التي لا تخضع للبرهنة والدليل. ويعد العلماء مثل هذه الافتراضات ضرورية لتكوين العلوم الطبيعية، ولولاها ما كان بالامكان انشاء اي علم.والبعض يصفها بأنها افتراضات فلسفية.

وعلى هذه الشاكلة يقف مبدأ السببية، باعتباره لا ينتمي الى القضايا العلمية، وعلى رأي كارل بوبر ان ما يميزه عن القضايا العلمية، هو انه لا يقبل التكذيب خلافاً للاخيرة، كما انه يعد اساس هذه القضايا. لهذا فهو مبدأ ميتافيزيقي لا يسع العلم الاستغناء عنه.

ومن وجهة نظر برتراند رسل فإن المقصود بالسببية الذي يشكل الافتراض القبلي للبحث العلمي هو ان نفس السبب يفضي الى نفس النتيجة، كما ان اختلاف النتيجة او الاثر يعني اختلاف السبب. فعلى رأيه أن هذا ما تسلّم به النظريات العلمية. فمثلاً ان تيارين من الطاقة المشعة عندما يسقطان على نفس النقطة من الجسم ويسببان احساسيين مختلفين من التصور؛ فإن ذلك يفسر اختلاف هذين التيارين من الطاقة. وبالتالي فهو يصرح بأن فرضية وجود قوانين ثابتة للسببية تبدو غير قابلة للنقض وتعطي اساساً للدليل على وجود الاشياء الخارجية بافتراض انها هي التي تسبب احساساتنا الصورية لهذه الاشياء. رغم انه في محل اخر اعتبر بأن قانون السببية العامة هو نتاج تطبيق مبدأ الاستقراء، اذ يلاحظ ان الحوادث تقترن باسبابها باستمرار، ولا يوجد مبرر لتعميم هذا الأمر الا بافتراض هذا المبدأ سلفاً.

ويقابل السببية في الفهم الديني مبدأ القصدية الذي هو اهم مسلمات هذا الفهم، ويتضمن افتراض ان يكون لصاحب النص قصد محدد وراء الألفاظ التي بثّها فيه. فالشرط المعرفي لقراءة النص الديني قائم على هذا الافتراض. وبعبارة اخرى، تفترض القراءة او الفهم بأن يكون لصاحب النص قصد محدد يحمله النص، او ان يكون للأخير معنى محدد يشكل الهدف المنشود للقارئ. وبغير ذلك سوف يكون النص لغواً بلا قيمة. أما كيف يمكن التوصل الى هذا الهدف من وجود المعنى والقصد في النص؟ فذلك ما يعتمد على القرائن الاستقرائية والتقديرات الاحتمالية.

فمثلما يجري البحث في تفسير ظاهرة علمية من ظواهر الطبيعة؛ بتتبع اسبابها الفاعلة الخاصة والعوامل التي سببت وجود هذه الظاهرة، طبقاً لافتراض مبدأ السببية، فكذا يجري البحث في الفهم الديني بتتبع المقاصد والمعاني المبثوثة في النص طبقاً لافتراض ان له مقاصد ومعاني محددة. اذ يفترض في العلم وجود عوامل سببية تعمل على تشكيل الظاهرة، سواء تمكنا من الكشف عن هذه العوامل أم لم نتمكن. لهذا ليس هناك من العلماء من يفسر الظاهرة الجديدة – على الاقل فيما يخص الظواهر الماكروفيزيائية – بأنها تخلو من الاسباب باطلاق، او ان وجودها نابع من العدم التام. كذلك يفترض في الفهم وجود معاني ومقاصد وراء الظواهر اللفظية المبثوثة في النص، سواء تمكنّا من تحديد هذه المعاني والمقاصد أم لم نتمكن.

وبين المعاني والمقاصد عموم وخصوص، فاحداهما تتضمن الاخرى وتزيد عليها، وهي ان افتراض تحديد المعاني لا يسفر بالضرورة عن التمكن من معرفة مقاصد النص. أما معرفة الاخيرة فتقتضي معرفة المعاني سلفاً. فالمقصد لا يمكن تحديده من غير معرفة المعنى، في حين ان من الممكن تحديد المعنى رغم الجهل بالمقصد، وفي بعض الدراسات عبّرنا عن الأخير بأنه معنى المعنى، أو نص نص النص. لكن في جميع الاحوال ان افتراض وجود معاني ومقاصد للنص هو افتراض لا يمكن ردّه، فأي رد له يخدش بالغرض والحكمة من وجود النص، وانه بدون هذا الافتراض يكون النص لغواً وعبثاً.

هكذا اذا كانت المشكلة التي يواجهها العلم الطبيعي هي تلك المتعلقة بالكشف عن الاسباب الفاعلة للظواهر الكونية، فإن المشكلة التي يواجهها الفهم الديني شيء مختلف، فما يهتم به هذا الفهم ليس الأسباب الفاعلة للظواهر اللفظية، بل اسبابها الغائية، وهو الامر الذي جعلنا نعبر عنها بالمبدأ القصدي للنص او الخطاب، ومنه يستكشف مقاصد هذا الخطاب. لذا تتجسد قبليات الفهم الديني بافتراض هذه المقاصد وراء الدلالات اللفظية، مثلما تتجسد قبليات العلم الطبيعي بافتراض الاسباب الفاعلة التي تعمل على جعل الظواهر الكونية تتخذ شكلها كما هي عليه.

ويتصف مبدأ السببية بما نطلق عليه الضرورة الوجدانية، خلافاً للضرورة المنطقية، فلو كان هناك شاهد واحد يعارضها، لانتفت هذه الضرورة، لكن المشكلة هي كيف نثبت وجود الشاهد المعارض؟ فمثلاً كيف نأتي بشاهد يعارض مبدأ السببية العامة؟ فحتى لو اعتمدنا على وجهة النظر التجريبي، فاننا لا نجد ما يقطع بوجود شاهد معارض، فعدم وجدان السبب لا يدل على نفيه تماماً، فكيف والعقل يشهد بالميل الغريزي والوجداني على تلك الضرورة التي يتضمنها المبدأ؟! فمثلاً على الرغم من أن مبدأ عدم التحديد الكفيل بدراسة حركة الجسيمات العشوائية، لا يتمكن من تحديد الاسباب التي تؤثر على تلك الظاهرة، فانه -في الوقت نفسه – غير قادر على نفي مطلق الاسباب، خلاف ما ظنه ريشنباخ وغيره من الفلاسفة والعلماء من ان العالم (الجسيمي) لا يخضع الى حكم تلك السببية. وقد كان هايزنبرغ صاحب مبدأ عدم اليقين والتحديد يعتقد بان احكام السببية – مثل مبدأ الانسجام – لا تنطبق على العالم الجسيمي، وكان بذلك عرضة لنقد كارل بوبر. وعموم مدرسة كوبنهاكن الكوانتية تذهب الى هذا المنحى رغم ما تبديه من تشوش وبعض المفارقات، ومثلما اخذت التطورات الفيزيائية في طول هذا المنحى الذي اكدت عليه هذه المدرسة فافضى الحال الى القول بتعدد الاكوان المتوازية والنسخ التمثيلية للكون وما الى ذلك مما يشبه الاساطير الدينية وغيرها، فان هناك محاولات للعقلنة واعطاء الدور لمبدأ السببية وسائر الاعتبارات الوجدانية لتفسير مثل هذه الظواهر الخافية والبعيدة الغور.

وعلى العموم انه حتى لو احتملنا خطأ مبدأ السببية، فإن غريزة العقل لا يسعها ان تتخلى عنه خلافاً لتعاملها مع غيره من المعارف، كقبولها جواز قابلية النار لعدم الاحراق، او بقاء الحياة عند جز الرقبة، الى غير ذلك مما لا يحظى بإلفتنا. فحتى لو لم تدرك أسباب الظاهرة كلياً، كان من السهل على تلك الغريزة أن تنسب الأمر الى وجود أسباب خفية، كقضية ممكنة لا دليل على نفيها.

فارتباط الظواهر بعضها بالبعض الاخر عبر سلسلة علاقات السببية يفضي الى الوصول لحالة لا يمكن معرفة سببها على نحو التفصيل، اذ يصبح السبب المؤثر راجعاً الى عوامل خفية بعيدة الغور بحيث لا يمكن للعقل ان ينالها، ولو انه تمكن من معرفة هذا السبب المؤثر الذي افترضناه خفياً، فسنضطر الى افتراض وجود سبب اخر اخفى منه هو الذي يقف وراء التأثير، وينتهي الحال عند مرحلة الغيب التي لا يعرف العقل عنه شيئاً سوى انه يؤثر على عالمنا المشهود. فقد توصل العلم الفيزيائي اليوم الى اعمق مراتب الاسباب، وهي تلك المتعلقة بما يطلق عليه الفراغ.

لكن ما الذي يجعل هذا النسيج الفضائي يقوم بدوره في النشوء والفناء على الدوام، بل وضمن توازن مدهش هو سبب النظام الكوني الذي نشهده؟

ان الظنون العلمية اليوم تشير الى ان هذا الفراغ ممتلئ بالطاقة الضخمة (الداكنة)، فهي التي تقوم بهذا الدور الخلاق. وهنا اصبح التأثير السببي مرتبطاً بوجود هذه الطاقة. لكن من اين اتت وقد كانت حادثة؟ فهذا ما لم يستطع العلم ان يجيب عليه اليوم رغم كثرة المحاولات التخمينية.

وبهذا يتضح ان مبدأ السببية يختلف عن غيره من المعارف المتعلقة بارتباطات الطبيعة. وقد يقال استناداً الى هيوم ان الميل الغريزي ازاء مبدأ السببية ناتج عن الاحساسات الانطباعية المكثفة تبعاً لكون اطراد هذا المبدأ اعم من اطراد اي ظاهرة اخرى، الأمر الذي يجعل تأثيره النفسي اقوى من غيره، وهو ما يفسر ذلك الميل. وبالفعل لولا وجود بعض الظواهر التي لها عمومية مثلما هي للسببية، لكان من الصعب أن نجد ما يمكن ان ندفع به التبرير السابق. فظاهرة الحركة هي من الظواهر العامة التي لا تخلو منها أي علاقة طبيعية في الواقع، ومع هذا فانها ليست مما تتضمن حكم الضرورة الوجداني. وهذا إن دل على شيء فانما يدل على ان الحكم الوجداني لذلك المبدأ لم يكن مكتسباً، بقدر ما له أصل غريزي وشهود عياني كالذي يقوله العرفاء.

وفي القبال نجد في الفهم الديني ان انكار فكرة الغرض الالهي، كالذي تشير اليه الاعتبارات الفلسفية، ومثلها بعض الاعتبارات الكلامية، كتلك التي يسلم بها الاشاعرة، كل ذلك يفضي الى انكار المقاصد. او على نحو أدق، هو ان مقالة المقاصد لا تتسق مع مقالة نفي الغرض الالهي، فهذا النفي يصادم المسلمة القبلية بأن للنص مقاصد بدونها تصبح الدلالات اللفظية لغواً وعبثاً، وكلاهما لا يتناسبان مع نظرية التكليف التي تشكل جوهر الحقيقة الدينية. وبالتالي فغالباً ما يكون الخلاف حول المقاصد بشأن الجزئيات والمصاديق وليس مقصد الدين ككل.

وعليه يقف مبدأ القصدية في الفهم الديني موازياً لمبدأ السببية في علم الطبيعة. واذا كانت الاشكالية الخاصة بمبدأ السببية هي البحث في العلاقات الكونية التي لم يستكشف منها روابط السببية كتلك المتعلقة بحركة الالكترون – مثلاً -؛ فإن الاشكالية التي تتصدر مبدأ القصدية في الفهم الديني هي تلك المتعلقة بالفهم التعبدي للكثير من الاحكام والظواهر اللفظية.

فالفهم على نوعين: تعبدي وقصدي او معنوي. والبحث في الفهم هو كالبحث في العلم يتصف بكلا الصيغتين الوصفية (كيف) والتعليلية(لماذا). وتقع التعبديات كلها ضمن بحث الصيغة الاولى الوصفية لا التعليلية، فهي على شاكلة ما كان يسأله النبي ابراهيم في القرآن الكريم حول كيف يحيى الله الموتى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)) البقرة\260. ففي هذا البحث يرد التحفظ من الصيغة التعليلية (لماذا). ووفقاً لجميع المذاهب الاسلامية فان التعبديات لا يجوز اخضاعها لهذه الصيغة. كما ان هذه الصيغة ملغاة مطلقاً لدى بعض المذاهب كالاشاعرة، مثلما هو حال نظرتهم في القيم والاحكام وعلاقات الطبيعة. وعلى العكس من ذلك البحث المتعلق بالقصديات، فهي تتولى مسألة الصيغة التعليلية (لماذا).

وفي مجال العلم الكوني اعتقد بعض الغربيين ان ما يميز الدين عن العلم هو ان الاول يبحث ويفسر الواقع طبقاً للصيغة التعليلية (لماذا)، في حين يقتصر العلم على البحث وفقاً للصيغة الوصفية (كيف)، وهو خطأ بلا شك. فعلى الاقل نجد البحث على الصعيد العلمي في كلا الوصفين قائماً. فمثلاً ان قوانين كبلر عن حركة الكواكب حول الشمس هي ذات طابع وصفي باعتبارها لا تتضمن افتراضات سببية، خلافاً لقوانين نيوتن التي تفترض الجاذبية مما يجعلها ذات طابع تعليلي. لهذا رأى بعض الفلاسفة بان اكتشاف قوانين السببية يمثل جوهر العلم، وان العلماء محقون في البحث عنها، ولو افترضنا مجالاً يخلو منها فسيكون غير ذي صلة بالعلم اطلاقاً.

واليوم ليس هناك من يشكك في تعليلية العلم ولا في وصفيته. فتاريخ العلم يبدأ بالمرحلة الوصفية حتى ينتهي بالمرحلة التعليلية التي تكملها. ومع انه لا خلاف حول مصداقية النزعة الاولى الوصفية، الا انه ساد جدل خلال القرن التاسع عشر حول جدوى مصداقية النزعة الثانية التعليلية. ومعلوم ان الفيلسوف الوضعي اوجست كونت لم يتقبل – إبان هذه الفترة – النزعة الاخيرة واتهمها بالميتافيزيقية، وكان يشدد على مفهوم القانون العلمي بما يتضمن من علاقات ثابتة للظواهر دون ادراج مفهوم العلية الشائع استخدامه لدى الفلاسفة.

ويجمل لنا كارناب سياق الجدل المحتدم الذي ساد خلال ذلك القرن حول وظيفة العلم إن كانت وصفية تتعلق بجملة من القوانين ام انها تفسيرية تسعى للكشف عن مبادئ تنظم هذه القوانين وتفسر الطبيعة من خلالها. فقد رأى جماعة ان المسألة تحيطها المخاطر، لأن المبادئ المنظمة تجرنا الى براثن الميتافيزيقا، لذلك حصروا مهمة العلم في وصف الظواهر بصيغة (الكيف) دون اقحام التفسير بصيغة (لماذا). ففي تلك الفترة اعلن عدد من علماء الفيزياء الالمان، امثال جوستاف كيرشهوف وارنست ماخ، انه لا يحق للعلم ان يبحث في الصيغة الاخيرة، وانما عليه البحث في الصيغة الاولى فحسب.

وعلى رأي كارناب ان ما قصدوه هو انه لا ينبغي للعلم ان يبحث عن عوامل ميتافيزيقية مجهولة يُعلق عليها مسؤولية حوادث معينة، وانما ينبغي وصف مثل هذه الحوادث ضمن قوانين محددة فحسب. وبالتالي نبّه على ضرورة تفهم هذا الخطر المتمثل بالصيغة التعليلية ضمن سياقه التاريخي، لا سيما وقد كان لالمانيا مناخ فلسفي في العصر الذي ازدهرت فيه المثالية التقليدية لفخته وشلنج وهيجل، فهم شعروا بان وصف العالم بالكيف لم يكن كافياً؛ فارادوا فهماً اكمل قائماً على الاسباب والاعتبارات الميتافيزيقية التي تكمن خلف الظواهر دون ان تكون ضمن متناول البحث العلمي. لهذا قاوم العلماء هذه النزعة الفلسفية بالاكتفاء بالصيغة الوصفية (كيف) دون صيغة (لماذا) الميتافيزيقية. لكن الامر تغير فيما بعد، فمع انه بقي فلاسفة المان قلائل منخرطين في التقليد المثالي، الا ان الوضع في سائر البلدان مختلف، ففي انجلترا والولايات المتحدة اختفى المناخ الفلسفي عملياً، ولم يعد هناك ما يقلق العلماء حول الصيغة التفسيرية (لماذا)، فاي سؤال يطرح على هذه الشاكلة انما يقصد به المعنى العلمي لا الميتافيزيقي.

ويكتب كارناب عن تجربته حول تلك الاسئلة، فيقول: ‹‹عندما كنت شاباً صغيراً، وعضواً في دائرة فيينا، كانت بعض مؤلفاتي المبكرة مكتوبة كرد فعل للمناخ الفلسفي للمثالية الالمانية. ونتيجة لذلك كانت هذه النشرات وتلك التي كتبها اخرون من دائرة فيينا مليئة بتلك العبارات التي تحظر الاشياء التي ناقشناها من قبل. وعلينا ان نتفهم هذه المحظورات من السياق التاريخي الذي نجد انفسنا متواجدين فيه. اما اليوم وبصفة خاصة في الولايات المتحدة، لم نعد نضع مثل هذه المحظورات››. بل ورأى بان الطريقة التي طرح بها علماء القرن التاسع عشر للنقاش كانت عقيمة. وانتهى الى انه ليس ثمة تعارض حقيقي بين الوصف والتفسير، او بين الصيغتين الانفتي الذكر.

وهذا الخلاف حول النزعتين الوصفية والتعليلية في العلم يقابله في التراث الخلاف الكلامي الفلسفي حول ما اذا كان في الوجود علل اقترانية مصاحبة ذات صفة دلالية او وصفية كالذي عليه الاشاعرة، او علل فاعلية كما يراه غيرهم من الفلاسفة والمتكلمين، الامر الذي انعكس على فهمهم للنص، ومن ذلك ان الاشاعرة اعتبروا كل الباءات الواردة في النص الديني والخاصة بالأسباب والمسبَّبات هي باءات مصاحبة وليست باءات سببية[1]، لذلك عدوا الاسباب مجرد علامات دلالية دون ان تمتلك ادنى تأثير، اذ لا مؤثر في الوجود غير الله، الامر الذي خالفهم عليه الفلاسفة وسائر المتكلمين. كما على ذات الشاكلة ظهر الخلاف حول ما اذا كانت هناك علل غائية او لا؟ وهنا صفّ الاشاعرة مع الفلاسفة في نفي هذه العلل مع بعض الاختلاف، وقد عارضهم في ذلك سائر المتكلمين، مما انعكس على فهمهم للنص. فقد عدّ الاشاعرة علل الشرع مجرد أمارات وعلامات دلالية او وصفية محضة لا تختلف عن حال امور الخلق، حيث ارتباط الاقتران بالاشياء إنما هو ارتباط عادي لا ينجم عن سبب ولا علة ولا حكمة ولا تأثير. لذا رأى الغزالي ومن تبعه أنه بالإستقراء عُرف ان المأمور به تقترن به مصلحة العباد بحصول ما ينفعهم، وكذا ان المنهي عنه تقترن به المفسدة، وبالتالي فبحسب عادة الشرع اذا حصل الأمر والنهي فإنه سيُعلم قرين ذلك من المصلحة والمفسدة، لا ان الله تعالى استهدف هذه المفسدة وتلك المصلحة، إذ من المحال لدى الأشاعرة ان يفعل الله لغرض وحكمة.

وهنا يتجسد الخلاف حول ما اذا كانت هناك علل قصدية او دلالات تعبدية في النص. فالطرح الذي يفيده الاشاعرة يفضي الى التعبدية الوصفية دون القصدية، ففهمهم للنص لا يختلف عن طريقتهم في تحليل الوجود، رغم ان المتأخرين فصلوا بين الحالين ووقعوا في مفارقة لا تقبل الحل. لذلك لو اهملنا النزعة المتطرفة للاعتقاد الاشعري وتبنينا ما انتهى اليه الفقه من تقسيم الاحكام الى مقصدية وتعبدية، ففي هذه الحالة ستصبح اشكالية الفهم ثنائية. وقد يبدو للبعض ان ما يفهمه يدخل ضمن اطار التعبد، على شاكلة ما كان يشير اليه كالفن من عدم فهم مقاصد الله لأن قراراته لا تتأثر بأعمال البشر ورغباتهم ومصالحهم. فيما يبدو لبعض اخر انه يدخل ضمن اطار القصد والمعنى.

تبقى المعضلة – في هذه الاشكالية- هي فيما اذا كان من الممكن تحويل الفهم التعبدي الى الفهم القصدي، اي استكشاف الابعاد المقصدية للدلالة النصية.

فمثلاً قد يقال ان من الاحكام المعدة من التعبديات لدى جميع المذاهب الاسلامية هي قصدية معنوية، كالوضوء مثلاً، سيما عندما يسلم بأن الغرض منه ومن الغسل هو المبالغة في النظافة كالذي يشير الى ذلك السيد محمد رشيد رضا، معتبراً ان على ذلك دلالة عقلية وقرآنية لدى آية الوضوء ذاتها، حيث يقول تعالى: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ))المائدة\6. فهذا التسليم يجعل من الوضوء مما يدرك قصده ومعناه دون ان يكون امراً تعبدياً كالذي تذهب اليه المذاهب الاسلامية.

إن التمايز بين الفهمين التعبدي والقصدي قد يطرح سؤالاً حول ما اذا كانت وسائل الفهم القصدي لا تعد من صلب الدين، اذ الاستغناء عنها بوسائل اخرى يفي بالغرض، وبالتالي يصبح الدين مقتصراً على التعبديات المحضة. او ان التعبديات كوسائل، والمقاصد كغايات، هي ما تشكل الدين كله. فالتعبديات بوسائلها او موضوعاتها، والمقاصد بذاتها دون وسائلها وموضوعاتها، هي ما تشكل جميع ما يراد من الدين.وحقيقة الامر ان جوهر ما ينبني عليه الدين هو المقاصد ذاتها، لأن التعبديات انما اعتبرت ديناً لعدم ادراك مقاصدها، ولو ادركت هذه المقاصد لانتفى كونها من التعبديات، ولانحصر الدين كله بالمقاصد، وهي ما يتعبد بها لذاتها.

على ذلك فان ما يهم الباحث المتبني لنظرية المقاصد عند حصول التعارض بين الفهم القائم على التعبد، والفهم القائم على القصد والمعنى، هو ان يحوّل مجالات التعبد الى القصد والمعنى دون عكس.فالمطلوب هو قلب المنهج، اذ غالباً ما يتعبد بالاحكام ولو كانت من القصديات، بينما المطلوب في الحالة الجديدة العمل بتحويل التعبديات الى قصديات. ولو افترضنا ان من الممكن تحويل الاولى الى الاخيرة قاطبة؛ فستكون جميع الاحكام آيلة الى التغيير.لكن المشكلة هي ان بعض التعبديات يصعب تحويلها الى قصديات.

وعموماً ان التسليم بمبدأ الفهم القصدي يجعل مجال البحث عن مقاصد النص مفتوحاً، خلافاً للفهم التعبدي. فبحسب الفهم الاخير لا جدوى من البحث عن مقاصد النص الخاصة للعجز عن معرفتها. ويكتسب العمل بمبدأ الفهم القصدي مبررات مستمدة من دلالات النص طبقاً لقاعدة الاستقراء.

وفي الفهم القصدي نجد ثلاثة انواع من البحث، احدها منصوص عليه، والثاني وجداني، أما الثالث فهو اجتهادي، كما يلي:

1ـ القصد المنصوص: ويتميز بأن النص دال عليه صراحة، ومن ذلك القصد من الفطر في شهر رمضان، والقصد من الضعفية في شهادة الرجل قبال المرأة، وكذا القصد من لبس الجلباب للنساء، وما الى ذلك..

2ـ القصد الوجداني: ويتميز بأنه سرعان ما يصدّق به الوجدان الفطري، مخالفاً بذلك ما يعارضه من تعبد. فمثلاً يعمل الكثير من الفقهاء بمبدأ التعبد في التطهير، ومن ذلك التعدد في الغسل بالماء القليل او غير الكر، حتى لو تم ذلك عبر عدد محدود جداً من قطرات الماء، فكل قطرة تمثل غسلة، في حين لا يكفي ان تهرق سطلاً من الماء او اكثر في التطهير ما لم يتعدد الاهراق. فالتعدد مع القليل من الماء قد يكفي للتطهير، في حين لا يكفي مع عدم التعدد ولو كان كثيراً بما دون الكر. وبالتالي فالفقهاء يعتبرون مسألة التعدد في هذه الحالة هي من التعبديات. وهو امر مخالف للقصد الوجداني.

لذا نطلق على هذا النوع من البحث: (القصد الوجداني).

3ـ القصد الاجتهادي: ويتميز بأن القصد فيه ليس من المنصوص عليه، ولا مما يشهد عليه الوجدان الفطري مباشرة، بل يتم عبر التفكير والاجتهاد للتردد في القصد وعدم وضوحه، رغم وجود مراتب وسطى بين هذا القصد وكلاً من القصدين المنصوص والوجداني. وهو ينقسم الى صنفين من الاجتهاد، احدهما محافظ والاخر مغامر، ولا شك ان بين المحافظة والمغامرة مراتب غير محدودة، اذ قد يكون الاجتهاد شديد المحافظة والاحتياط او المغامرة، وقد يكون بين بين. وهو امر يشابه ما جرى لدى علماء الطبيعة من انقسام بين محافظ ومغامر. اذ عُرف في العلم ان هناك صنفين من العلماء يمارسون الحدس الاستقرائي بشيء من الاختلاف: فهناك الصنف المحترز الذي يعمل بالاحتياط ولا يقبل تفسير الظاهرة موضع البحث الا بعد وفرة عدد مقبول من القرائن. كما هناك الصنف المغامر الذي يتسرع الى وضع الفروض التفسيرية ولو بعدد ضئيل من الشواهد المؤيدة مع غياب المكذب.

وكأمثلة على القصد المغامر ما ذكرناه سابقاً من ان الوضوء الذي يعول عليه الشرع انما جاء لطلب النظافة، وهو امر اجتهادي تشهد عليه بعض الامارات.

وعلى هذا المنوال: هل يمكن تعليل التذكية في الذبح استناداً الى معارضة ما كان يقوم به العرب من القرابين للأوثان؟ شبيه بالمقاصد المفترضة في تحريم التصاوير، لا سيما ان بعض التشديد في الاحكام، ومنها تلك المتعلقة بالطعام، جاءت لا بوصفها صالحة من حيث ذاتها، بل لاعتبارات عارضة، من قبيل العقوبة مثلاً، كالذي تصوره بعض النصوص حول ما حرمه الله على اليهود كما في الاية التي تقول: ((وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)) الانعام\146.

ومن ذلك ايضاً ما يتعلق بتفسير القصد من تحريم الخنزير دون غيره من اللحوم، فمثلاً هل يقبل الادعاء القائل بان هذه الحرمة كانت لغرض يتعلق بالعبادة فحسب، بدلالة قوله تعالى: ((قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ))، حيث وصف الفعل المتعلق بالخنزير بانه ((رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ)) وهو عمل يتعلق بالعبادة. فهل ان هذه الفرضية قابلة للاختبار؟ هل باستطاعتنا الرجوع الى عادات العرب لمعرفة ما اذا كان هناك تقاليد خاصة تتعلق بأكل الخنزير لاعتبارات عبادية، كإن يراد من ذلك المضادة؟ ولو ان ذلك كان صادقاً هل يعني ان الفرض السابق صادق وانه قد ثبت المطلوب حسب ذلك التوقع؟

لا شك ان اول ما يواجهه هذا الفرض هو ان العلة المفترضة السابقة تنطبق ايضاً على غير الخنزير من الذبائح المعهودة مع انها غير محرمة لذاتها، فلماذا يذكر الخنزير دون الغنم مثلاً، مع ان الاخير كان يذبح كقرابين للاوثان، وقد قال تعالى: ((حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إلا ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب)) (المائدة/3)؟ وبالتالي هل هناك خصوصية معينة تميز التعامل مع الخنزير عن غيره؟ هل كان الامر يتعلق بالمضادة مع النصارى الذين كانوا يحبون أكله وربما تقديمه كقرابين؟ ام ان الامر يعود للمسخ دون معرفة علة ذلك، كالذي يذهب اليه الجاحظ، وهو ان تحريمه كان للمسخ الوارد ذكره في القران الكريم، فاستنتج من ذلك بأن القرد يحرم لهذه العلة رغم عدم ذكره في النص القراني.فعلى رأي الجاحظ ان الله ذكر أصنافَ ما حرَّم ولم يذكرْها بأكثرَ من التَّحريم، فلمّا ذكر الخنزير قال: فَإنَّهُ رِجْسٌ فجعل الخنزير وإنْ كان غير مِيتة أو ذكَرَ الذّابح عليه اسم اللّه، أنَّه رِجْسٌ، ولا نعلم لهذا الوجه إلاَّ الذي خصّهُ اللّه به من ذكر المسخ، فأراد تعظيمَ شأنِ العِقاب ونزولِ الغضَب. أما لماذا تفرد بذكر الخنزير دون القرد، فكما يرى الجاحظ هو لأن العربَ لم تكن تأكلُ القرودَ، ولا تلتمسُ صيدَها للأكل، وكلُّ مَن تنصَّرَ من ملوك الرُّومِ والحبشَةِ والصِّين، وكلّ مَن تمجَّس من الملوك والسُّوقة، فإنَّهُمْ كانوا يرون لِلَحْمِ الخنزير فضيلة، وأنّ لحومَها ممَّا تقوم إليهِ النفوسُ، وتنازِع إليه الشّهوات، وكان في طباع الناس من التكرُّه للحوم القِرَدةِ، والتقذُّر منها ما يُغني عن ذكرها، فذكر الخنزيرَ إذْ كان بينهما هذا الفرق، ولو ذكر ذلك وألحقَ القردَ بالخنزير لموضع التحريم، لكان ذلك إنما كان على وجه التوكيد لما جعله اللّه تعالى في طبائعهم من التكرُّه والتقذّر.

لكن العرب الاحناف كانوا في الاصل يحرمون اكل الخنزير على انفسهم، فجاء الحكم القراني امضاءاً لهذا التحريم، ولا يعلم سبب كراهة الاحناف لذلك، وبهذا قال الدكتور جواد علي: ‹‹يظهر إن أهل الجاهلية لم يستذوقوا لحم الخنزير، ولعل منهم من كان يحرم اكله او يتجنبه. وقد ذكر إن الأحناف كانوا يحرمون أكله على أنفسهم، وان من سنن ابراهيم، تجنب أكل لحم الخنزير، غير إن النصارى العرب، ومنهم “تغلب” كانوا يأكلونه، وقد عيّرهم غيرهم بأكله.ولا تجد في الشعر الجاهلي ولا في القصص اشارات إلى أكل أهل الجاهلية لحم الخنزير، ولا إلى تربيتهم له. ويظهر انهم كانوا يكرهونه، وإلا لما سكتت روايات أهل الأخبار عن ذكره، ولقام الرعاة بتربيته وبالعناية به، عنايتهم بالحيوانات الأخرى››.

وعموماً لو اننا سلكنا هذا الدرب من الاجتهاد لتحولت القضايا التعبدية الى قضايا يفهم معناها طبقاً لمبدأ الفهم القصدي، فيتقلص بذلك امر التعبديات ويتسع امر القصديات والمعنويات، وهو مما تتشوق اليه الكثير من النفوس لولا الخشية من ان الأمر سيفضي الى ظنون لا تحمد عقباها، وانه بذلك قد يتحول الدين شيئاً فشيئاً الى غيره فلا يبقى منه سوى الامور الكلية والمقاصد العامة، فما من شيء الا ويمكن استبداله بغيره من الاحكام. لكن يظل ان من الاخطاء الراسخة لدى الناس هو فهمهم للدين تبعاً للكثرة واحياناً عدم الحصر، فقد تم ترسيخ فكرة انه ما من شيء في الحياة الا وله حكمه في الدين، والبعض يحاول ان يستدل على ذلك عبر جملة من الروايات. لكن بعضاً اخر يكتفي بوجود عدد كبير من الاحكام مصدرها النصوص الشرعية، ولو بشكل غير مباشر. مع انه لا توجد ملازمة بين الدين ومثل هذه الدعاوى المكثرة. فقد يتعلق الدين بمسائل محدودة للغاية، كما قد يكون الغرض لا يتعدى رسالة ان لا اله الا الله مضافاً الى العمل الصالح واتمام مكارم الاخلاق.

على ذلك تكون المجتمعات معنية بالغرض الديني أكثر مما تُعنى بالنص الديني وأحكامه المعهودة. فالغرض الديني ثابت لا يتغير، وهو على الدوام يعبّر عن ضرورة الإيمان بالله – واليوم الآخر – مع العمل الصالح. فهذا هو مجمل ما تضمّنه القرآن الكريم وأغلب ما دلت عليه آياته الكريمة بالحث والتأكيد. وعليه فلو كان الدين لا يحمل غير هذا المعنى من الإيمان والعمل الصالح لأوفى بالغرض دون نقصان، كالذي عليه الديانة النصرانية. في حين لو أنه حمل ما حمل من الأحكام الشرعية والعلوم المختلفة الغنية دون الغرض المذكور لكان ناقصاً من دون وفاء.وقد يفسّر هذا الأمر عدم إهتمام المشرِّع بجمع القرآن الكريم وضبطه، أو حفظه كما هو من دون نقص، طالما أن المهمة الملقاة على عاتقه – من الغرض الديني – قد تم تأديتها تماماً. لهذا فمن وجهة النظر الدينية أن موت النبي أو قتله قبل إتمام تنزيل القرآن وإنهاء التشريع لا يضر بالغرض المؤدى، كما يدل على ذلك ما جاء من عتاب الله تعالى لصحابة النبي على خلفية غزوة أحد: ((وما محمد إلا رسول قد خلتْ من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَّ اللهَ شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)). وبعبارة أخرى يمثل الغرض الديني رسالة السماء الخالدة لكل الأديان، وهو مقدّم على النص مثلما هو مقدّم على التشريع، فلا يمكن إنتقاص هذه الرسالة عقلاً وشرعاً، في حين ليس الأمر كذلك مع النص والتشريع، مثلما دلّت عليه الآية السابقة. وبدلالة أن الأحكام غير قابلة للحصر لعدم تناهي الوقائع، ومثل ذلك فإن المعطيات الواردة حول ملابسات جمع القرآن تفيد بأنه لم يتم تشكيله وجمعه بالتمام والكمال كما هو. ناهيك عن الحديث الذي لم يلقَ إهتماماً لتدوينه من قبل المشرِّع ذاته، وما وردنا من الأحاديث فأقل ما يقال فيها أنها ليست جامعة ولا مانعة.

وقد يعاد ترتيب الاشكالية القصدية الى الحصيلة التي ترى في الدين مرشداً وموجهاً اكثر منه مكوناً. في حين انه طبقاً للفهم التعبدي فالامر على العكس، اي يؤخذ الدين بكونه مكوناً اكثر منه مرشداً وموجهاً.

كما طبقاً لمبدأ القصدية قد يصبح البحث عن مجالات المرونة في الاحكام مبرراً، اذ تصبح هذه الأخيرة وسائل لتحقيق غايات مطلوبة. فمن المرونة ما ورد في القراءات السبعة لحروف القران، واختلاف صيغ التشهد في الصلاة، وعدد ركعات الصلاة وغير ذلك مما يمكن ان نسميه قاعدة التوسع او الوساعة، وهو خلاف ما يجري به الحال بحسب مبدأ الفهم التعبدي.

عن موقع فهم الدين