نظرية القيم السياسية : نموذج قيمة العدالة في الإسلام عند جمال الدين الأفغاني ـ

الحافظ النويني

مقدمة:

لا يوجد شعب في العالم كله و عبر التاريخ, الا و اجتاحته في وقت من الزمن موجة عنف, و في هذه الظروف تختلط الموازين فيصبح كل احد من اطراف الصراع يدافع عن طرحه معتقدا انه صاحب الحق, و يحاول الطرف الاخر ان يدافع عن طرحه هو الاخر . و كلهم رافعون شعار العدل , و راية العدالة الاجتماعية.

و مسألة العدل و العدالة لا تطرح مطلقا في عالم الحيوان , الذي تسوده شريعة الغاب , اما المجتمع الانساني و الانسان فإنه يطرح مسألة العدالة و يطالب بالعدل و الانصاف, و قد اقدم على وضع قوانين للعدالة منذ القدم و قبل نزول الرسالات السماوية . اما الاديان فقد وضعت قواعد للعدالة و اقامت الحدود, و الاسلام كونه اخر الرسائل السماوية فقد اتى بتشريعات مفصلة و قوانين شاملة لتنظيم الانسان على اساس العدل .

حيث ان امور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل اكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، ذلك أن العدل كما يقول شيخ الاسلام ابن تيمية :” نظام كل شيء فإذا اقيم امر الدنيا بعدل قامت و إن لم يكن لصاحبها في الاخرة من خلاق، و متى لم تقم بعدل لم تقم و إن كان لصاحبها من الايمان ما يجزى به في الاخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه و الحسد له و التعدي عليه في حقه و داعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا و اكل الخبائث فهي قد تظلم من لا يظلمها و تؤثر هذه الشهوات و إن لم يفعلها غيرها ” .

هذا العدل او هذه العدالة , تهتم بحقوق الناس, و بالمساواة بينهم , و انصافهم .و قد بين الدين الاسلامي ذلك في اكثر من مناسبة و على لسان اكثر من عالم , و سنعالج هنا العدالة في الدين الاسلامي، ثم عند جمال الدين الافغاني، هذا الاخير تحدث عن العدالة اكثر من الحرية ,و هذه مسألة تقليدية في الاسلام . حيث يقول في هذا الصدد:” العدل قوام المجتمع الانساني و به حياة الامم , و كل قوة لا للعدل تخضع فمصيرها إلى الزوال”

و بالتالي ستكون إشكالية البحث هي :

كيف عالج الإسلام مسألة العدالة ؟ و كيف تناولها الأفغاني ؟

المسار البحثي :

أولا- أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ثانيا- وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ثالثا- العدالة عند جمال الدين الأفغاني.

أولا- أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام .

معنى العدالة .

لا معنى للعدالة خارج إطار المجتمع الانساني و التجمعات البشرية. من هنا تسميتها بالعدالة الاجتماعية، و هي ضمن هذا الإطار و وفق قوانينه المرعية، تعني : الاحترام الدقيق لحقوق الانسان، و إعطاء كل ذي حق من الناس حقه.

فعندما تكون حقوق الجميع محفوظة ، تكون العدالة موجودة و بمعنى اخر تكون قائمة، عندما يقوم كل انسان بواجباته اتجاه الاخرين فتصبح بالتالي جميع الحقوق محفوظة. و لا يرتفع صوت العدالة الا عندما تضيع الحقوق او تغتصب، فيكون ذلك الصوت مطلبا مرفوعا في وجه الظلم، و التعدي، و الاستغلال الناتج عن الميول الانانية، فتظهر العدالة صارخة لتضع حدا لتلك الميول و لتعطي لكل انسان حقه .

هذه العدالة تهتم بحقوق الناس، وبالمساواة بينهم، و إنصافهم، ترتكز على اساس رياضي و تنبني بمصطلحات رياضية، قوامها التساوي و الاستقامة. و هذه المصطلحات، هي نفسها التي تستعمل للتدليل على سلوك الانسان الفاضل، الذي يحكم بالتساوي أي العدل .

ضرورة العدل .

العدل من القيم المثالية في الحياة، وهي ثابتة يقتضيها العقل في جميع التصرفات، لهذا حضت الشريعة الاسلامية على اتباعها و اهتبرتها من اهدافها، و قد سمى الله نفسه به تعليما للناس لاتباع العدل في معاملاتهم و تصرفاتهم .

قال تعالى :”اعدلوا هو أقرب للتقوى” ،و في هذه الأية يدعوا الله إلى إقامة العدل، رافعا درجة من أقامه. و قال : ” هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و هو على صراط مستقيم ” ، فالعدل عامة هو دعوة للوسطية و التوازن المدرك بالبصيرة، لهذت كان العدل ضرورة من ضرورات الحياة، إذ الحياة لا تستقيم مع الظلم و الجور لأن العدل فريضة و تجاوز الحق ظلم و جور، و الظلم غير مقبول سواء فيما يتعلق بعلاقة الافراد فيما بينهما، او فيما يتعلق بالعقيدة، ذلك ان الظلم في العقيدة يعتبر كفر و شرك بالله ، قال تعالى : ” إن الشرك لظلم عظيم”.

اما الظلم في علاقات الناس بين بعضهم فهو تجاوز للحق، قال تعالى: ” إنما السبيل على الذين يظلمون الناس و يبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم “ل ضرورة للفرد في نفسه و ذاته و في ربه، كما انه ضرورة ثابتة في علاقات الناس فيما بينهم، من هذا المنطلق كان العدل فريضة واجبة، و من هذا يتبين لنا ضرورته إذ فرضه الله على رسوله صلى الله عليه و سلم، و امره باتباعه و الحض عليه، قال تعالى: ” فلذلك فادع و استقم كما أمرت و لا تتبع اهواءهم و قل امنت بما انزل الله من كتاب و أمرت لأعدل بينكم “، هذا والعدل بمقتضى شموله قد فرضه الله أولياء الامور من الحكام و الولاة، قاعدة واجبة الاتباع تجاه المتحاكمين و اتجاه الناس عامة، قال تعالى :” و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل “.

أسس العدالة الاجتماعية في الاسلام .

لقد أقام الاسلام بناء العدالة على الاجتماعية على أسس عامة هي :

التحرر الوجداني المطلق.

المساواة الانسانية الكاملة.

التكامل الاجتماعي الوثيق.

و سنعالج كل منها على حدا، و بشكل مختصر .

التحرر الجداني المطلق :

لن تتحقق عدالة اجتماعية كاملة، و لن يضمن لها التنفيذ و البقاء، ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها، و بحاجة الجماعة اليها، و بعقيدة في انها تؤدي الى طاعة الله و الى واقع انساني اسمى. و ما لم تستند كذلك الى واقع مادي يهيئ للفرد أن يتمسك بها و يدافع عنها، و لن يستحقها الفرد بالتشريع قبل ان يستحقها بالشعور، و بالقدرة العملية على استدامة هذا الشعور. و لن تحافظ الجماعة على التشريع ان وجد، إلا و هناك عقيدة تأيده من الداخل و امكانيات عملية تؤيده من الخارج..و هذا ما نظر اليه الاسلام في توجيهاته و تشريعاته جميعا.

و كذلك الاسلام يكفل التحرر الوجداني تحررا مطلقا، لا يقوم على المعنويات وحدها، و لا على الاقتصاديات وحدها، و لكن يقوم عليها جميعا. فيعرف للحياة واقعها، و للنفس طاقتها، و يدفع بها الى التحرر الوجداني كاملا صريحا، فبغير التحرر الكامل لن تقوى على عوامل الضعف و الخضوع و العبودية، و لن تتطلب نصيبها من العدالة الاجتماعية، و لن تصبر على تكاليف العدالة حين تعطاها. وهذا التحرر هو احد الأسس الركينة لبناء العدالة الاجتماعية في الاسلام، بل هو الركن الاول الذي تقوم عليه الاركان.

المساواة الإنسانية:

لقد جاء الإسلام ليقرر وحدة الجنس البشري في المنشأ و المصير، في المحيى و الممات، في الحقوق و الواجبات، في الدنيا و في الاخرة، لا فضل إلا للعمل الصالح و لا كرامة إلا للأتقى. لقد كانت وثبة بالإنسانية لم يعرف لها التاريخ مثيلا، و لا تزال إلى هذه اللحظة قمة لم يرتفع اليها البشر ابدا. بل لقد كانت نشأة اخرى للبشرية يولد فيها الانسان الأسمى، الأمر الذي تراجعت عنه البشرية و لم تبلغ له أبدا إلا في ظل هذا المنهج الرباني .

و يمضي القران يذكر ايات ليقر في خلد الانسان و وحدة أصله و نشأته، الجنس كله من تراب، قال تعالى :” و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين “.

ثم كفل الاسلام للمرأة مساواة تامة مع الرجل من حيث الجنس و الحقوق الإنسانية، و لم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات المتعلقة بالاستعداد أو التبعة، قال تعالى :” و من يعمل من الصالحات من ذكر و انثى و هو مؤمن،فأولئك يدخلون الجنة و لا يظلمون نقيرا”،و في ناحية الاهلية للملك و التصرف الاقتصادي يتساويان، قال تعالى:” للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون، و للنساء نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون”. و قد كفل الاسلام ايضا للإنسان كرامته التي لا يجوز ان تستذل، قال تعالى: ” و لقد كرمنا بني ادم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات..” .

و هكذا يتتبع الإسلام كل ناحية من حياة الناس الوجدانية و الاجتماعية، ليؤكد فيها معنى المساواة توكيدا، و ما كان في حاجة كما قلنا لأن يتحدثعن المساواة لفظا بعدما حققها روحا بالتحرر الوجداني الكامل من جميع القيم، و لنه يحرص على المساواة حرصا شديدا و يريدها إنسانية كاملة غير محدودة بعنصر ولا قبيلة و لا بيت و لا أي كان .

التكافل الاجتماعي:

لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد و لا مدى، يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط، و بالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد و لا شرط، فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته. حيث يجب على حرية الفرد ان تقف عند حدود معينة لكي لا تمس حرية الاخر، و نصبح امام صراعات و نزاعات لا تنتهي. و قد منح الإسلام الحرية في احلى صورها و المساواة الانسانية في أدق معانيها، لكنه لا يتركهما فوضى، فللمجتمع حسابه و للإنسانية اعتباراتها، و للأهداف العليا للدين قيمتها. لذلك يقر الحرية الفردية و إلى جانبها التبعة الجماعية التي تشمل الفرد بتكاليفها، و هذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي.

و الاسلام يقرر مبدأ التكافل في كل صوره و أشكاله، فهناك التكافل بين الفرد و ذاته، و بين الفرد فهو مكلف أن ينهي النفس عن شهواتها و أن يسلك بها طريق النجاح، قال تعالى:” و نفس و ما سواها، فألهمها فجورها و تقواها و قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ” و هناك تكافل الفرد بينه و بين أسرته، و قال تعالى:” و بالوالدين إحسانا،إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا”. ثم تكافل الفرد و الجماعة، حيث يوجب على كل منهما تبعات و يرتب لكل منهما حقوقا.قال تعالى :” و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان “و أخيرا التكافل فيما بين الأمة الإسلامية، حيث مثلا تكون الأمة مسؤولة عن فقرائها و معوزيها فتتقاضى أموال الزكاة و تنفقها في مصارفها، قال تعالى:” كلا بل لا تكرمون اليتيم و لا تحاضون على طعام المسكين .. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد”

و هكذا يفرض الإسلام التكافل الاجتماعي في كل صوره و أشكاله، تمشيا مع نظرته الأساسية إلى وحدة الأهداف الكلية للفرد و الجماعة، و في تناسق الحياة و تكاملها. و على تلك الأسس الثلاثة ، تقوم العدالة الاجتماعية، و تتحقق العدالة الاجتماعية.

ثانيا- وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام.

حاول الإسلام أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية محدودة، و أن يكون التكليف وحده هو الذي يكلفها، فجعلها عدالة انسانية شاملة، و أقامها على ركنين قويين: الضمير البشري من داخل النفس و التكليف القانوني في محيط المجتمع، و زواج بين هذه القوة و تلك، مثيرا في الوجدان الإنساني أعمق انفعالاته غير غافل عن ضعف الانسان و حاجته إلى الوازع الخارجي

و كل من ينظر في هذا الدين نظرة فاحصة يدرك الجهد الضخم الذي بذله لتهذيب النفس البشرية من جميع جوانبها و في جميع اتجاهاتها و ملابساتها، قال تعالى:” و إنك لعلى خلق عظيم “

و على هذا الضمير الذي رباه الإسلام، و على التشريع الذي جاءت به شريعته. اعتمد في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية، و بهذه الوسيلة المزدوجة نجح في إنشاء مجتمع انساني متوازن متناسق، حيث سنستعرض نموذج من تلك الطريقة في التشريع و التوجيه، و نختار موضوع الزكاة و الصدقة. حيث فرض الإسلام الزكاة حقا في أموال القادرين للمحرومين، حقا تتقاضاه الدولة المسلمة بحكم الشريعة و بقوة السلطان. فالزكاة ركن من أركان الإسلام و ضرورة من ضرورات الإيمان، قال تعالى:” قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون و الذين هم للزكاة فاعلون”[26].

و أداة الزكاة وسيلة من وسائل الحصول على رحمة الله، قال تعالى:” و أقيموا الصلاة و أتوا الزكاة و أطيعوا الرسول لعلكم ترحمون”. و الامتناع عن أداء الزكاة و عن الإنفاق في سبيل الله يؤدي للتهلكة، قال تعالى:” و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة “

و الإسلام يقدر غريزة حب الذات و حب المال، و يقر أن الشح حاضر في النفس البشرية، ليعالج هاته النفس لتجود و تعطي، فيرفع الإنسان على نفسه و يغلب جانب التسامي فيه على جانب الضرورة، و ذلك في ذاته هدف إنساني رفيع، بل هدف اجتماعي لإيجاد التوازن و تحقيق التكافل بين القادرين و العاجزين، و تكوين مجتمع متناسق متعاون سليم.

على هذا النهج يسير الإسلام فيهتم بالاقتناع الوجداني كلما شرع تكليفا، و يقف بالتكاليف عند الحد الضروري لسلامة المجتمع، و في حدود الطاقة العامة لجماهير الناس، ثم يخاطب الوجدان للإقناع بالتكليف، و للسمو فوقه ما استطاع ليرتفع بالحياة الإنسانية و يجذبها دائما بخيط الصعود.

و على هذا النهج قد سار الإسلام في تحقيق العدالة الاجتماعية. و قد تناول العديد من العلماء و المفكرين الإسلاميين مسألة العدالة، حيث سنتناول مسألة العدالة عند جمال الدين الأفغاني.

ثالثا- العدالة عند جمال الدين الأفغاني.

من السهل أن يدرك القارئ للأفغاني أنه يتحدث عن العدالة أكثر من الحرية، و ليس في هذا ما يدعو للعجب، فموضوع العدل من الموضوعات الإسلامية التقليدية.و يتكلم الأفغاني عن ضرورة أن يكون هدف السلطة الزمنية تحقيق العدل المطلق ذلك أن السلطة الزمنية بملكها أو سلطانها إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر و صيانة حقوق العامة و الخاصة.و الدافع للسلطة الزمنية نحو تحقيق العدل هو في المحل الأول طاعة الشريعة الإسلامية، و يقول الأفغاني :’ كل فخار تكسبه الأنساب و كل امتياز تفيده الأحساب لم يجعل له الشارع أثرا في وقاية الحقوق و حماية الأرواح و الأموال و الأعراض بل كل رابطة سوى رابطة الشريعة الحقة فهي ممقوتة على لسان الشارع و المعتمد عليها مذموم و المغتصب لها ملموم’.

و إذا تفحصنا النصوص الأفغانية عن قرب و جدنا أن فكرة جمال الدين عن تلك العدالة لا تقل فقرا عن تصور النظرية السياسية التي أخذ بها حكام المسلمين في هذا الجانب، فالعدل المطلوب ما هو في النهاية إلا نسف العدوان الظاهر و رفع الظلم البين. و الواقع انه من المستحيل بالفعل أو يكاد أن تجد عند جمال الدين الأفغاني فكرة واضحة المعالم و مفصلة عن مضمون العدالة، و ذلك اكتفاء بتكرار الكلمة ذاتها، و كأن محتواها و معناها واضحان وضوح نور الشمس، فلا حاجة بها إلى تحديد.و هو يشير مرات عديدة إلى ميزان عدل الله، و الى القاعدة المشهورة ‘الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر’، و الى المساواة التي أكدت عليها الشريعة الإسلامية باعتباره صون العدل، و الى نموذج العدالة الشرعية كم تجسد في سيرة الخلفاء الراشدين، نعم تجد عند الأفغاني كل هذه الإشارات و لكنك إذا تمعنت فيها لتضع يدك على شيء صلد فلن تجد الا تعبيرات

و يبدوا أنه يحدد القول على نحو أكبر حين يحاول تفسير الأية القرأنية الرئيسية في هذا الصدد، و هي “أن الله يأمركم بالعدل و الإحسان”، فيذهب الى أن معنى هذه الأية هو إعطاء كل ذي حق حقه و وضع الأشياء في مواضعها و تفويض اعمال الملك للقادرين على أدائها مما يوجب صيانة الملك و قوة السلطان و يشيد بناء السلطة، و يحكم دعائم السلطة، و يحفظ نظام الداخل من الخلل و يشفي نفوس الأمة من العلل.

و لكن مضمون هذا كله مضمون فقير، فضلا عن طابعه الخطابي، حتى ان الأفغاني وجد يوما أنه يستطيع أن يضع تصوره عن العدالة ‘حفظ الحق و دفع الشر’. أما إذا ادرنا الى مفهوم الأفغاني عن شروط الحاكم العادل و واجباته فسنجده أغنى شيئا ما من مفهومه عن العدالة ذاتها و أكثر تفصيلا، فالحاكم العادل ينبغي أن يكون خاضعا للشريعة، و ألا يتبع هواه، و ألا تكون بينه و بين المؤمنين فروق، و ألا تكون له ميزات خاصة عنهم، و ان يتبع رأي العلماء العارفين بالشريعة.

و قد رأى فيه أتباعه حكيما اجتماعيا من أعظم حكماء هذا العصر، و الحق أن الأفغاني كان شديد الاهتمام بما يسمى بالمشكلات الاجتماعية بوجه عام، و له مواقف بشأن التربية و المرأة و طبيعة العلاقات الاجتماعية، و لن نفصل القول في هذا لأن الذي يهمنا هنا هو أن العدالة ليست ضرورة سياسية و حسب بل هو فضيلة أخلاقية أولا و قبل كل شيء.و من أظهر المواقف التي اتخذها جمال الدين الأفغاني باعتباره حكيما اجتماعيا، الهجوم على استغلال الحكام في شتى المماليك الإسلامية للضعفاء من الأهالي و ظلمهم إياهم، و على إهمال الأغنياء القيام بواجباتهم .

و يكفي هنا أن ينظر القارئ في نص يروي عن خطبة للأفغاني في المصريين كانت لا شك جديدة على مسامعهم لجرأتها البالغة:’ أنكم معشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد و ربيتم بحجر الاستبداد، و توالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم و أنتم تحملون عبء نير الفاتحين، و تعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف و الجور وتنزل بكم الخسف والذل..’. و قد خطب جمال الدين مرة في الإسكندرية، و كان مما قال:’أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت ما تسد به الرمق و تقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ و لماذا لا تشق قلب الذين يأكون ثمرة أتعابك؟’

و هنا الأفغاني يدعوا للثورة ضد الظلم و العدوان، و يدعوا لإحقاق العدالة بين الناس.

و نقول من الآن أن الحل الحقيقي في نظر الأفغاني لمقاومة الاستغلال و إقامة قواعد العد المطلق، إنما هو الحل الأخلاقي القائم على الانقياد لأحكام الشريعة. و يبدو للناظر في مجمل أقوال الأفغاني أنه يرى العلة الكبرى لشرور الأمة إنما هي رذيلة الأنانية، و المهم قيام رجال تتوفر فيهم الفضيلة لمقابلة هذه الرذيلة.

خاتمـــــــــــــــــــــــــة:

نخلص في بحثنا إلى القول إن الشريعة الإسلامية بمبادئها السامية تهدف إلى تقويم الإنسان و تهذيبه، يحضه على الأخلاق و الفضيلة لتحقيق سعادته حيث حددت سلوكه الروحي مع ربه في العبادات، كما و رسمت أسس سلوكه المادي مع الغير في المعاملات، لهذا حددت الحقوق و الحدود و أبانت الحلال و الحرام و الحق و الباطل لتمييز الخبيث من الطيب، كل هذا في ضوء شريعة سمحاء تأمر بالعدل و الإحسان، و تنهى عن الفحشاء و المنكر بغية تحقيق الحاجات و استمرار الحياة. و قد بين لنا التشريع الإسلامي أحكاما في نطاق مؤسسات العدالة ،و بعض الأسس التي اعتمدتها هذه المؤسسات.

ثم كيف تناول جمال الدين الأفغاني قضية العدالة، حيث يختصر مفهوم العدل لديه إلى السير على الطريق المستقيم بغير العدول عن أوامر الشريعة، مع إضفاءه على هذا المضمون الطابع الاجتماعي .

عن موقع انفاس