أ. د. كمال عبد اللطيف: جبهات ومعـارك في المسار الفكري لمحمد عابد الجابري

تقديـــم
واجه الجابري في حياته الفكرية والسياسية والتربوية ثلاث جبهات، وخاض في كل جبهة منها معارك لا تنقطع إلا لتستأنف من جديد، بصور وأشكال لاحصر لها. وقد قررنا التوقف أمام هذه الجبهات، مسلمين أولا باهميتها في حياته، لنتابع من خلالها صور الجهد والاجتهاد والمثابرة، التي ظلت عناوين كبرى في حياته ومساره الفكري العام.

نحن نشير هنا إلى جبهة تدريس الفلسفة في المدرسة وفي الجامعة، وفي الفكر المغربي والعربي. وجبهة التراث وهي جبهة خاض فيها معارك عديدة، وهو يبحث عن صيغة للمواءمة بين التراث وبين مقتضيات الحداثة والتحديث، في زمن جديد اتسم بثورات عديدة في المعرفة والسياسة والتكنولوجية. ثم جبهة العمل السياسي، وقد انخرط فيها يافعا، وظل حضوره المتفاعل مع مقتضياتها قائما حتى عند مغادرته للعمل السياسي المؤسسي، بحكم أن مشروعه الفكري لم يكن مفصولا عن عمله السياسي، وذلك من الزاوية التي ارتأى أن يمارس بها حضوره السياسي، سواء في المستوى الوطني أو في المستوى القومي، أو في المستويات الأخرى، التي كان لا يتوقف عن إبداء الرأي فيها، معتمدا البعد النقدي والرؤية التاريخية أثناء مواجهته للإشكالات التي يطرحها فضاء العمل السياسي في عالم متغير.
لنفصل القول فيما ركَّب الجابري في مشروعه داخل الجبهات، دون إغفال أن هذا التقسيم الثلاثي لا يستبعد أن هناك وحدة في المسار الحياتي للرجل، وفي مشروعه الفكري أيضا.
هناك تعدد في الجبهات، وتنوع في المعارك، واختلاف في القضايا، لكن مقابل ذلك، هناك وحدة في الرؤية، وحرص على تحديد أوليات ومبادئ عامة صانعة لجوانب من هذه الرؤية، وهو الأمر الذي ستتضح معالمه، من خلال رؤيتنا لعينة من المعارك التي خاض طيلة عمره وخلال ما يقرب من خمسة عقود دون انقطاع، بل بحماسة وصبر، يستوعبهما نفس طويل واستماتة نادرة.
1- جبهة الفلسفة والدفاع عن العقلانية
2- جبهة نقد التراث، ونقد آليات عمل العقل العربي
3- جبهة العمل السياسي، دفاعا عن الحرية والتحديث السياسي.

أولا : جبهة الفلسفة والدفاع عن العقلانية

نقف في هذه الجبهة على الأدوار التي مارس المرحوم الجابري في مجال تعليم الفلسفة وتعميم الوعي الفلسفي منذ منتصف الستينيات، حيث أصدر صحبة زميليه المرحوم أحمد السطاتي والأستاذ مصطفى العمري سنة 1966، كتاب “دروس في الفلسفة”، وكان الجابري إذ ذاك مرتبطا بالمؤسسة التربوية ومسؤولا عن الإشراف التربوي. ففي هذا العمل نتبين بداية انخراط الرجل في مواجهة الأسئلة والمعارك، التي صاحبت وما تزال إلى حدود هذه اللحظة تصاحب ظروف تعليم الفلسفة في بلادنا.
وإذا كنا نعرف أن تعليم الفلسفة في مجتمع متخلف، تسود فيه درجات عالية من الأمية، ومن التفكير التقليدي المحافظ، فإن صدور كتاب دروس الفلسفة في مجلدين وفي طبعاته العديدة، وخلال ما يزيد عن عقد من الزمن، شكل تحولا نوعيا في التعليم العصري في المدرسة المغربية. لقد كان الكتاب المذكور يدافع عن برامج تعليمية تستوعب قيما منفتحة على ثقافة أخرى، ويبني جملة من المفاهيم القادرة على المساهمة في صناعة وعي جديد، يعد حدثا لا يمكن تصور أن يقبل بسهولة داخل النظام التعليمي في سنوات ما بعد الاستقلال. ومن هنا بداية انخراطه في المواجهات المعادية لدرس الفلسفة، ومن هنا أيضا، سعيه العقلاني إلى تحصين تدريس الفلسفة بالشروط التي تتيح إمكانية تعليمها، وجعلها قادرة على أن تكون عنصر إخصاب في تربة المدرسة والمجتمع المغربي.
قدم كتاب دروس في الفلسفة مداخل مفيدة في مجال المفاهيم والقضايا الفلسفية الكبرى. كما حاول بناء بعض قواعد النظر، في معالجة بعض المظاهر النفسية والاجتماعية، وذلك بالصورة التي ساهمت بجانب عوامل أخرى في بناء وعي جديد يروم أولا وأخيرا، توسيع مجالات العقلانية والفكر التاريخي في ثقافتنا المعاصرة.
إضافة إلى ذلك، أصبح الجابري أستاذا في الجامعة منذ أكتوبر 1967، وكانت الجامعة المغربية إذاك في بداياتها. وقد عمل ضمن شروط البدايات بكل خصاصها ونواقصها، بروج نضالية، حيث مارس صحبة زملائه، وكان عددهم قليل جدا، مارس تدريس أغلب المواد الفلسفية، يحدوه في ذلك مبدأ ظل ملتزما به طيلة عمره، يتعلق الأمر بتعلمه ثم تعليمه. ومن هنا نفهم خصلة التواضع التي ظلت ملازمة له، وقد كان الهدف من طريقة عمله في الجامعة، هو إتاحة الفرصة لمجموعة من الأجيال (طلبة شعبة الفلسفة في العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي)، من أجل أن يكون للفلسفة مسكن كبير في الثقافة المغربية، وفي الفكر العربي المعاصر.
درَّس الجابري في الجامعة تاريخ الفلسفة، كما درس الماركسية والتحليل النفسي، ودرس علم الكلام وابن خلدون في الفكر العربي الإسلامي، ثم ترجم في مجال نظرية المعرفة والإبستمولوجيا، ونشر جملة من النصوص المعربة لرواد فلسفة العلوم في الفكر الفرنسي المعاصر. كما أشرف على الأطروحات الجامعية الأولى، داخل قسم الفلسفة الأم بكلية الآداب بالرباط. وخلال ما يقرب من أربعة عقود، لم يتوقف عن العطاء في مجال الدرس الفلسفي داخل الجامعة. لقد كان باحثاً مجتهداً في الندوات الكبرى لكلية الآداب في السبعينيات وبداية الثمانينيات، وهي الندوات التي شهدت ميلاد طلائع تعليم الفلسفة في الجامعة المغربية. وخلال الندوات المذكورة (ابن خلدون، ابن رشد، الإصلاح في الفكر العربي الإسلامي، الفلسفة اليونانية والثقافة العربية إلخ..) كان الجابري يقدم أبحاثا مثيرة للجدل. لقد كان يعمل على تطويع وتجريب المناهج وبناء الأطروحات. لقد كان وحده عبارة عن مختبر كبير للفعل وللإنتاج النظرين. وفي قلب كل ذلك، كان يقف بالمرصاد لأولئك الذين كانوا يتربصون بالفلسفة، ولم يكن وقوفه أمامهم يتمثل في السجالات التي لا تستطيع مهما كانت قوتها رفع التحدي، وإيقاف النزيف، بل اختار أمرا آخر وطريقا آخر، لقد اختار الانخراط في الإنتاج وفي التأليف، وأثمرت جهوده مصنفات عديدة في هذا الباب. ونستطيع اليوم أن نقول دون مجازفة، إن مكاسب درس الفلسفة في ثقافتنا المعاصرة تعود في جانب كبير منها إلى مجمل النجاحات التي حققها في معاركه داخل جبهة تدريس الفلسفة وفي مجال توسيع العناية بها.
يصعب حصر الجهد الفلسفي في الآثار التي أنتج الجابري، ذلك أنه خارج المستويات التعليمية والمدرسية، التي كان يحرص فيها على العناية بمكاسب تاريخ الفلسفة مستعيرا المناهج والمفاهيم، ومحاولاً تبيئتها في فضاء الفكر العربي، نستطيع أن نتبين في مشاريعه الفكرية نوعية من المفاهيم الفلسفة التي عاد إنتاجها في نصوصه بطرق مبدعة، ومنحته إمكانية بنائها في ضوء الخصوصيات المطابقة لآفاق الفكر العربي، ولنزوعاته الرامية إلى الإبداع والتجاوز، منحته جدارة بناء نصوص نظرية قوية في الفكر العربي المعاصر. إننا نشير هنا إلى هنا إلى رباعية نقد العقل العربي، التي سنعود للحديث عنها في جبهة نقد التراث.
لقد كانت الفلسفة في أعمال الجابري مجتمعة ترادف العقلانية، ذلك أن حضور الفسلفة في تاريخ الفكر البشري، كانت خيارا يروم تحرير الفكر من هيمنة كل صور التفكير، التي تقلل من دور العقل ودور الإنسان في مواجهة مصيره داخل المجتمع.

ثــانيا : جبهة نقد التراث ونقد العقل العربي

شكلت عناية المرحوم بالظاهرة التراثية مدخلا كبيرا في أعماله الفلسفية والفكرية العامة، ويعرف المتابعون لمساره الفكري، أن أطروحته لنيل الدكتوراه الدولة في الفلسفة، والتي ناقشها عام 1970، كانت في موضوع العصبية والدولة في فكر ابن خلدون.
لكن ينبغي الإشارة إلى أن الجبهة التراثية في مساره الفكري، كانت عبارة عن جبهة مفتوحة على معارك عديدة، بحكم أن الحدوس الأولى لمشروعه الفكري، كانت تستوعب انتباهه إلى خطورة هذه الجبهة، لأن الموروث التراثي في الثقافة المغربية والثقافة العربية، كان في نظره سجين آليات تكرارية في النظر. وكان لهذا الأمر أثره في الحياة المجتمعية وفي الثقافة السائدة داخل بنية المجتمع المغربي والعربي. وهنا سينتبه الجابري إلى أن الأدوات التي تعلمها في مختبر درس الفلسفة، يمكن أن تسعف بإيجاد مخرج من هيمنة القراءات التراثية للتراث.
بدأ مشروع إعادة قراءة التراث في البداية، منطلقا من مخاطرة التفكير في إنجاز أبحاث تتناول بعض الاعمال الفلسفية بعينها، مقالة عن الفارابي، بحث عن الغزالي، ثم مقالات عن ابن رشد وابن خلدون، وقد أثمرت هذه العودته بعدة منهجية، ومفاهيم تنتمي إلى درس الفلسفة المعاصرة، ودروس المنهجية في العلوم الإنسانية، أثمر ت نتائج جديدة في مقاربة بعض النصوص والمواقف التراثية.
وتوج المسار المذكور بكتاب نشر فيه الجابري أبحاثه الأولى، في مراجعة المتون الفلسفية التراثية، يتعلق الأمر بنص “نحن والتراث” الصادر سنة 1980 .
ففي هذا النص، سيصبح الجابري مالكا لرؤية أولية في النظر بطريقة جديدة للظاهرة التراثية، رؤية وضع ملامحها الأولى، فيما أطلق عليه نقد القراءات التراثية للتراث. وبديل القراءات المذكورة، هو ما أنتج خلال عقدين كا ملين من الزمن، نقصد بذلك رباعية نقد العقل العربي، وهي الرباعية التي قدم فيها الجابري معمارا شامخا، في باب ما أطلقنا عليه المواءمة بين التراث والحداثة.
يندرج الموقف الذي بناه الجابري بكثير من الجهد والمثابرة، في إطار الإشكالات الكبرى للفكر العربي المعاصر، حيث بنى مشروعا يهدف بلغته إلى محاولة التحرر من كل ما هو متخشب في إرثنا الثقافي ، من أجل فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها، أي من أجل الإعلاء من راية النقد في زمن سيادة التقليد.
يقترح الجابري في مشروعه الفكري، تصورا محددا لكيفية تجاوز إشكالية المواءمة بين التراث والحداثة. يبني هذا التصور انطلاقا، من اهتمامه المباشر بقارة التراث، وتفكيره في الأوضاع الثقافية العربية الراهنة. كما يبنيه من خلال تركيزه على المجال الثقافي بالدرجة الأولى، وذلك بحكم تخصصه ومهنته من جهة، وربما بحكم نتائج تجربته في العمل السياسي والعمل التربوي.
استغرق بناء هذا التصور كما أشرنا آنفا، أزيد من عقدين من الزمن، ويعرف الذين واكبوا إنتاج الرجل، اهم مراحل تمفصله، وأبرز الحلقات التي استوى فيها مغامرة ومشروعا، ثم ملامح أولية في مقالة وبحث، ثم اطروحة، وجملة من النتائج، ثم قضية تهم الآخرين، كما تهم صاحبها. وقد لا نجازف إذا ما قلنا، قضية تخص جيلا كاملا، وتعكس في كثير من وجوهها، جملة من الطموحات والآمال، وجملة من الحوافز، وصورة من صور الاستواء الفكري، المعبر عن صيرورة تاريخية نظرية معقدة.
لم يتخذ التصور المتضمن في أعمال الجابري، نمطا واحدا ثابتا. ونحن الذين واكبنا التجليات المباشرة لإنتاجه، عندما استمعنا إليها كمحاضرات في شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط، في نهاية الستينيات، أو تلقيناها كعروض في ملتقيات فكرية في منتصف السبعينيات، أو عملنا على دراستها عندما صدرت لاحقا في مصنفات، ثم تحولت إلى مقدمات لبناء أطروحة. ثم شاهدناها وقد استوت مفاصل وحلقات، ضمن مشروع نقدي متكامل. ندرك قيمتها وحدودها، كما ندرك مستويات عديدة من أبعادها، حواجزها وعوائقها، تاريخيتها، علاقتها المباشرة بطبيعة الفكر المغربي خصوصا، والفكر الفلسفي المغربي والعربي على وجه العموم. كما نعرف نسيج العلاقة القائمة بينها وبين تاريخ الفلسفة، ونسيج العلاقة القائم بينها وبين فضاء الصراع الثقافي والإيديولوجي، محليا وقوميا وعالميا.
تعلن مقدمات هذا المشروع في الموقف من التراث وبعبارة صريحة، أن وعيا نقديا جديدا بالتراث يعد أولية ملازمة لكل انفصال تاريخي عنه. ولاتكون المعاصرة ممكنة في إطار هذا المشروع إلا بإعادة بناء مقومات الذات. بالصورة التي تحول منتوجات الحداثة وممكناتها إلى أفق طبيعي، في سياق تطور الذات، إن قراءة التراث هنا، أشبه ما تكون بعملية حفر تبحث لمقومات الحداثة عن تاريخ آخر، سياق آخر مخالف لسياقها، لكنه يمتلك في نظر الباحث كل العناصر، التي يمكن أن تحوله إلى جذر آخر لها، وسياق آخر من سياقاتها.
تتضح قوة هذا الموقف، عندما نضع ثماره، بجوار الخطاب التراثي، الذي يتمظهر اليوم في لغات وحساسيات جديدة، ويتخذ ملامح لا حصر لها في الواقع..
صحيح انها تتخذ في شكلها صورة المقاربة البحثية الأكاديمية، حيث توظف كما أشرنا معطيات، وتستعين بآليات في المقاربة واستخلاص النتائج، إلا انها ترسم لنفسها في المدى البعيد، أفقا في الإصلاح الفكري التاريخي، يتجه لمنع احتكار المنتوج التراثي، من طرف من يعتبرون أنفسهم حراسا لتاريخ أرحب من أن يظل مجرد قيد، مجرد سقف متعال لا يمكن تقويضه.

ثـالثا : جبهة العمل السياسي دفاعا عن الحرية والتحديث السياسي.

نهتم في هذه الجبهة بنوعية حضوره السياسي، فقد انخرط بحماس في العمل السياسي، واتسم فعله السياسي المتنوع بفضائل العمل السياسي الذي يرعى قوة المبادئ. وكان يعلن دائما عدم اقتناعه بلا جدوى العمل السياسي، الذي يقلل من قيمة المبادئ والقيم. ورغم أن هذه القضية تثير اليوم كثيرا من النقاش في موضوع العمل السياسي وإكراهاته، إلا أن ارتباط الجابري بالحركة السياسية الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي، والتزامه بصف الحركة التقدمية واليسار المغربي، جعل مواقفه الفكرية والسياسية تندرج ضمن رؤية معينة للسياسة والعمل الحزبي.
لقد كان رجلا يساهم في المجال الثقافي، انطلاقا من مقدمات سياسية محددة، ويمارس في السياسة أدوار المثقفين. وهذا النوع من المزج بين السياسة والفكر والأخلاق أمرٌ نادر اليوم. وقد كان جائزا في مراحل معينة من تطور المؤسسات السياسية والعمل السياسي في مجتمعنا.. ومثَّل الجابري في غمرة عمله السياسي، الصورة الواضحة للفعل السياسي الموسوم بالنزاهة والاستقامة. ويمكن أن نفترض أن الرجل لم يستطع التكيف مع مستجدات العمل السياسي، التي أصبحت تقلل من شحنة المبادئ في عالم رُكِّب فيه المشهد السياسي على قواعد جديدة. كانت خيارات الرجل السياسية والأخلاقية تمنعه من التلاؤم معها. وقد توقف عن العمل السياسي تحت ضغط ملابسات، ليس هنا مجال تقديمها ولا فحصها، ولذلك مقامات أخرى…
توقف عن العمل السياسي المباشر منسحبا من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1981، وظل حاضرا في قلب المشهد السياسي. وتكشف مختلف أعماله المرتبطة بموضوع الحداثة ونقد التراث اصطفافه في العمل السياسي من منظور ثقافي، حيث تحضر في أعماله الفكرية الغائية السياسية مشفوعة بمطلب النجاعة التاريخية. ويعي الجابري قبل غيره أنه يمتلك كثير من صلات الوصل مع الهموم السياسية المباشرة.
لم ينسحب الجابري إذن، من العمل السياسي، حتى عندما قرر وقف أنشطته السياسية. إن أفعاله في الفكر والثقافة كانت أفعالا سياسية بامتياز، فظل حاضراً في الجبهة السياسية، متحصنا ببلورة الموقف الفكري، والجهد النظري الذي يضيء أفعال وتفاعلات المشهد السياسي، ويتوخى بلوغ أهداف معينة.
وتكشف نصوصه التي نشر في سلسلة الكتاب الشهري، الذي كان يطلق عليه إسم “مواقف”، محاولته الساعية إلى رسم معالم الحياة السياسية المغربية، منذ انخراطه فيها يافعا، في نهاية الخمسينيات إلى مطالع الألفية الثالثة. وقد أصدر خلال العقد الأول من الألفية الثالثة ما يزيد عن سبعين عددا من هذه الكتب الصغيرة الحجم، والمستوعبة لمواقفه وآرائه ونصوصه القديمة والجديدة في الشأن السياسي المغربي. كما أن أطروحته في “نقد العقل العربي” تعد بدورها بمثابة جواب على انخراطه السياسي في العمل الفكري، الذي يساهم في إغناء الحياة السياسية والفكرية مغربيا وعربيا، ذلك ان خلاصات هذه الأطروحة في بعدها السياسي الحاضر بقوة في أجزائها الأربعة تنخرط في مواجهة احتكار بعض التيارات السياسية للإسلام وتراثه، الأمر الذي يكشف أننا أمام مشروع فكري مجسد في أطروحة نقد العقل العربي، وهي أطروحة تساهم في بلورة مواقف من التيارات السياسية المعادية للُغة العقل والتاريخ والمصلحة في العمل السياسي.
لقد ظل الجابري منخرطا في العمل السياسي دائما، وبكثير من الحماس والاستماتة. وتقدم اجتهادته ومواقفه في هذا الباب، جهودا تستحق أن تعمم، ذلك أننا، في البداية وفي النهاية، أمام خطاب في التنوير، خطاب يتجه لتحديث المجتمع العربي. وحاجتنا إلى التنوير في المغرب وفي العالم العربي حاجة ملحة، وخاصة عندما نعاين مدى تزايد المد النصي والقطعي والسلفي في ثقافتنا.
يمكن أن نضيف إلى حضوره السياسي، ونقده لآليات عمل العقل التراثي العربي، وأدواره التربوية في المدرسة والجامعة ومراكز البحث بهدف تعميم مكاسب الفلسفة في الفكر العربي وأبرزها العقلانية والفكر التاريخي. لقد تممت أدواره في المجال التعليمي حضوره السياسي، ونزداد تأكداً من هذا الأمر، عندما نعرف مساره المهني المتدرج في أسلاك التعليم والتربية. فقد بدأ الجابري معلما في الابتدائي، ثم أستاذا، ثم مراقبا تربويا، ثم باحثا مهتما بشؤون التربية والكتاب المدرسي، ثم جامعيا وباحثا أكاديميا من طراز عال. ولا شك أن هذه السيرة الطويلة التي استغرقت ما يزيد عن نصف قرن من الحضور، ومن التفوق، ومن الأداء التربوي الموصول بالأدائين السياسي والأكاديمي، والموصول في الآن نفسه بالبحث والعطاء.

لهذا، نلح اليوم، ونحن نفتقده على أوجهه مجتمعة. فقد كان رجلا من طراز خاص، وملأ الدنيا وشغل الناس دون ضجيج ودون مصالح أنانية، ودون ربح مادي مباشر، فقد كان طيلة عمره رجل المبادئ، النزاهة، الاستقامة والمسؤولية.
وعندما نجمع الحضور الأكاديمي الذي كان يتمتع به بالحضور التربوي، بالإشعاع والإنتاج المتواصل، الإنتاج الفكري المُعَد والمركَّب، بهدف أن يصبح في متناول الجميع، نعرف أن حضوره السياسي ظل قائما، ونعرف أن خياراته التي أعلن عنها، وهو ينسحب من الحياة السياسية المباشرة، تعد اليوم في قلب أسئلة المشهد السياسي المغربي والعربي.

عن موقع الثقافة المغربية