الوحدة والفتنة في فقه الأمس واليوم

د. عبد الاله بلقزيز

حين سقطت بغداد في أيدي البويهيين (336ه/945م)، وأصبح الخليفة الصوري رهينة عندهم، يستظلون باسمه ويحكمون بما يشاؤون، بمقتضى مذهبهم الذي لم يكن مذهب “أهل السنة والجماعة”، لم يكن في وسع الفقهاء – حينها – إلا أن يعترفوا، ولو على مضض، بأن الخلافة انتهت حتى وإن هم ظلوا

متمسكين بتصوير الخليفة الصوري خليفة، فالبويهيون فرضوا أمراً واقعاً ما كان يسع الفقهاء أن يتجاهلوه، تماماً مثلما لم يكن في مكنهم أن يحجبوا الشرعية عن حكم البويهيين .

ولم يتغير الأمر حين دخل السلاجقة بغداد (وهم سنة يتبعون المذهب الحنفي كأغلبية أهل العراق وإن هم جاءوا من أواسط آسيا)، وحين أسقطوا حكم البويهيين (447ه/1055م) بعد نيف وقرن منه، فقد ظلت الخلافة صورية، فيما عادت السلطة الفعلية إلى السلاجقة يتوارثونها، بل يختارون “الخلفاء” من بني العباس . انتقل أمر السلطان في الدولة وفي “دار الإسلام”، إذن، إلى الأعاجم، ثم لم تلبث الصراعات السياسية أن أفضت إلى ظهور، ما أصبح يعرف في كتب فقه السياسة الشرعية، “إمارات الاستيلاء”، وهي كناية عن تغلب أمراء الحروب في النواحي والأطراف، واستيلائهم، وإعلان أنفسهم سلاطين .

ولم يقف الفقهاء من ظاهرة “إمارة الاستيلاء” موقفاً سلبياً، بدعوى أنها نيل من سلطان “الخلاقة”، أو بدعوى أن المستولين لا يستوفون شروط شرعية إمامة “دار الإسلام”، بل ذهبوا إلى تسويغ شرعيتها من طريق القول إن سلطانها يكون مشروعاً ما إن يفوض الخليفة صاحبها أن يحكم باسمه . هكذا كان موقف الفقيه إبي الحسن الماوردي، ومعاصره الفقيه أبي يعلي الحنبلي (القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي) في ما كتباه في الموضوع في كتابيهما اللذين حملا العنوان نفسه (“الأحكام السلطانية”) . أما معاصرهما إمام الحرمين أبو المعالي الجويني – تلميذ أبي الحسن الأشعري وأستاذ أبي حامد الغزالي – فذهب مذهباً آخر مختلفاً عن سلفيه: لم ير حاجة إلى استمرار الخلافة الصورية، بل لم يتحرج في القول إن الخلافة والسلطنة شيء واحد، وأن لا شيء يمنع من أن يصير السلطان السلجوقي نفسه خليفة للمسلمين، مسقطاً بذلك شرط القرشية من شروط الإمامة . ويمكن لقارئ كتابه “غياث الأمم في التياث الظلم” أن يقف على كثير من وجوه التكييف الفقهي التي أخضع فيها الجويني العقل الفقهي الإسلامي لضرورات الواقع: عملاً بقاعدة “أحكام الضرورة” في ذلك العقل .

كيف انتهى “حراس الشريعة” إلى التسويغ لشرعية سلطة تفتقر إلى الشرعية: حسب شروط الشرعية كما وضعوها هم أنفسهم؟ هل مرد ذلك إلى براغماتيتهم التي عرفوا بها بسبب تشبعهم بحس واقعي عال؟ هل يعود ذلك إلى تبعية “المؤسسة الفقهية”، تاريخياً، للسلطان السياسي، واعتيادها تبرير أفعال الدولة وحاكمها نهجاً في التفكير والقول؟

ربما كان التفسيران صحيحين، أو على جانب من الصحة كبير، لكنهما لا يكفيان لفهم “نازلة” التحول الدراماتيكي الكبير في موقفهم من مسألة شرعية السلطة الجديدة، وقد بدا نقضاً لموقفهم السابق . ولعل التفسير الأوفق هو الذي يستحضر الواقع التاريخي الذي حملهم على تغيير أفكارهم، وإعادة تعريف المشروعية السياسية على نحو مختلف . وهنا لا نملك أن نتجاهل وقائع كبرى مثل انهيار نظام الخلافة، وتفكك الدولة، وتناسل الإمارات من بعضها، وتنامي الصراعات والحروب على السلطة وما استجرته من فتن وحروب أهلية، وما كان يسع هؤلاء الفقهاء أن يتمسكوا بنموذج مثالي وطوبوي للحكم والدولة والسياسة في مثل تلك الأحوال من التفكك والتآكل والاهتراء! لذلك أجبرتهم ظروفهم على إعادة النظر في منظومة الشرعية . هكذا لم تعد الشرعية تعني، في فقه السياسة الشرعية، التطابق بين السلطة والدين، وخضوع الأحكام لشرائط الثاني كما حددتها كتابات الفقهاء السنة، وإنما الشرعية في أن تقوم الدولة بواجب حفظ وحدة الأمة والجماعة – وإن كانت الجماعة صغرى في مكان محدود – وحفظ “دار الإسلام” (الوطن) من خطر الغزو الخارجي، وحفظ أمن المجتمع من الفتن التي مصيرها إلى التفكيك .

قبل أن ينتهي الماوردي وأبي يعلي والجويني وابن تيمية (خاصة في “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”) إلى هذه النظرة إلى الشرعية، بعد زوال الخلافة، كان فقهاء نهاية القرن الهجري الأول، وبداية القرن الهجري الثاني، قد اهتدوا إلى مقدمات هذه الفكرة من طريق التشديد على وحدة الجماعة، وهي مقدمة عندهم على الخروج على السلطان الجائر . ليس ذلك بسبب خوفهم منه أو تقاعسهم – فأكثرهم عارض نظام الأمويين وأفكار الأمويين الجبرية – وإنما قالوا ما قالوه مخافة الفتنة والحرب الأهلية التي مزقت وحدة الجماعة الإسلامية، وكانت ذكراها مازالت – حينها – طرية في الأذهان (حروب: “الجمل”، “صفين”، “النهروان”، “كربلاء”، ثورة عبدالله بن الزبير، ثورة القراء وابن الأشعث . . التي اندلعت بين المسلمين واستمرت من ثلاثينات القرن الأول حتى ثمانيناته) .

مناسبة هذا الكلام هي ملاحظة الفارق الفلكي بين فقهاء الأمس و”فقهاء” اليوم، فقهاء الوحدة وفقهاء الفتنة، بين الذين يستفتون عقولهم والذين يستفتون غرائزهم، بين الذين يعفّون أمام مأدبة السلطة والذين يسيل لعابهم السياسي حين يشمون روائحها، بين من يخشون سؤالهم من الله عن دماء حرضوا على سفكها، ومن لا يخشون أحداً في الدعوة إلى “الجهاد” في دماء المسلمين . ولا حول ولا قوة إلا بالله .