في ندوة نظمها فرع حزب الاستقلال بالقصر الكبير

عبد الحميد جماهري : ضرورة تكوين جبهة ديموقراطية يسارية وطنية لتحصين المكتسبات والبحث عن الحلول بطريقة سلمية

عبد الله البقالي : الانسحاب من الحكومةجاء بعدما حولونا إلى آلية من آليات حزب العدالة والتنمية والمعارضة الحالية ستعرف انتعاشة كبرى

العرائش : مصطفى الرواص

نظم فرع حزب الاستقلال بالقصر الكبير الخميس الماضي ندوة سياسية، تحت عنوان « التحول الديموقراطي وأسئلة المرحلة « صحبة عبد الله البقالي عضو اللجنة التنفيذية لحزب الميزان والبرلماني بإقليم العرائش بمساهمة عبد الحميد جماهري عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وذلك بحضور جمهور كثيف ونوعي قام خلالها المحاضرين بتشخيص دقيق للوضعية السياسية العامة التي يمر منها المغرب

أكد عبد الحميد جماهري إن المغرب اليوم مطالب بأن يستمر في منطق الإصلاحات الذي دشنه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وذكر عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في ندوة سياسية نظمها فرع حزب الاستقلال بالقصر الكبير الخميس الماضي، تحت عنوان « التحول الديموقراطي وأسئلة المرحلة « صحبة عبد الله البقالي عضو اللجنة التنفيذية لحزب الميزان والبرلماني بإقليم العرائش بحضور جمهور كثيف ونوعي، ذكر بالمراحل التي قطعها المغرب لكي يخلق نوعا من الانفراج السياسي ولكي يستشرف الاستشراف الديموقراطي على أساس أن يبقى بلدا مستثنى من جميع الزوايا. وتوقف عند الأوضاع الدولية في تلك الفترة خاصة التغييرات التي عرفتها أوروبا الشرقية وما تلتها من تغييرات هزت البلدان الاشتراكية، موضحا أن القوى السياسية آنذاك إلى جانب القصر، قامت بقراءة لما وقع في تلك البلدان وخلصت إلى ضرورة التفاهم على الانفراج السياسي لخدمة البلاد وللدخول في مسلسل جديد من الإصلاحات دشن بملتمس الرقابة الذي قدمه كل من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي ليتبع بالانفراج السياسي وعودة المغتربين والقيادات اليسارية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والشروع في مشاورات تعديل دستوري 1992 و 1996 .وحسب رأيه فإن المغرب لأول مرة في تاريخه شهد تعديلين دستوريين في أقل من أربع سنوات بعد أن ظل لسنوات طويلة يرزح تحت وطأة دستور 1972، الأمر الذي أبان أن هناك إرادة مشتركة لكي يدخل المغرب في منطق جديد سمي بالحل السياسي للصراعات السياسية، وبالخصوص إشكالية الديموقراطية بالبلاد .

المغرب اليوم مطالب بأن يستمر في منطق الإصلاحات

منذ ذلك الوقت دخلت البلاد في وضعية جديدة فيها أمران أساسيان :
أولا ، أن منطق الإصلاحات الذي كانت ترفضه الدولة طوال أربعين سنة ، أضحى منطقا مقبولا ، سواء أكان إصلاحا دستوريا أو إصلاحا مؤسساتيا أو سياسيا بما فيها الانفراج السياسي .
ثانيا، الإقرار بأن السياسة المتبعة طوال الأربعين سنة الفائتة أوصلت البلاد إلى السكتة القلبية مع ما يقتضي ذلك القول من شجاعة أدبية من جانب المرحوم الحسن الثاني ، يجب الاعتراف بها بعد سنوات.
على أن هذه الإصلاحات بدأت تشهد نوعا من العياء في نظر المتدخل ابتداء من 2002 حيث أن جميع الاستحقاقات التي جاءت بعد هذا التاريخ أظهرت مشكلة حقيقية تجلت في العزوف الواضح للمغاربة عن السياسة وذلك بـ :
– تقلص نسبة المشاركة بشكل تدريجي بلغت أوجهها في انتخابات 2007 على الرغم من «الدوباج» الذي أقيم لها وعكست حقيقة واضحة هي أن البلد يعيش أزمة سياسية سماها جماهري عجزا في الثقة بين المغاربة والدولة من جهة ثم بين المغاربة والأحزاب السياسية ، وأخيرا بين المغاربة والسياسة ، حيث المشتغل بالسياسة أضحى بالضرورة كائنا مشبوها إن لم يكن لصا ومتواطئا؛
– الأحزاب لم تعد تساوي شيئا بالنسبة إلى المغاربة؛
– ضعف نسبة الاستجابة للنداء الملكي عشية الانتخابات من أجل أن يتوجه المغاربة إلى التصويت.
الأمر الذي أصبح معه من الضروري الدخول في جولة ثانية من الإصلاحات الدستورية حسب الفهم الذي كان وحسب ميزان القوى آنذاك .فكانت المذكرة التي رفعها الاتحاد الاشتراكي إلى جلالة الملك في 2009 من أجل تعديلات دستورية، لكن الأمور في رأي عضو المكتب السياسي لحزب المهدي وعمر ، تسارعت فيما بعد وانتفضت الشعوب في تونس ومصر وليبيا رافضة الحكرة ورفع المواطنون شعارات الكرامة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم ،مما تسبب في سقوط تلك الأنظمة ، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي هزت البلدان الأوروبية الغربية التي لها علاقة وطيدة بالاقتصاد الوطني والمندرجة في إطار الاتحاد الأوروبي خاصة اليونان وفرنسا وايطاليا واسبانيا، فكان التأثير على المغرب في خرجات جزء من الشعب المغربي في مسيرات وتظاهرات 20 فبراير مما هدد لأول مرة في تاريخ المظاهرات بالمغرب، توقيف القطارات الخاصة والقطارات المحملة بالفوسفاط، فكان الجواب بالخطاب الملكي في9 مارس .واعتبر جماهري أن المغرب نجح مرة أخرى في طريق التغيير وان كان نسبيا وان لم يكن في السقف المطلوب ، لكنه خطوة أساسية وجبارة للاعتبارات الآتية :
* لأول مرة يقام دستور في المغرب دون خبراء أجانب ؛
* لأول مرة تفتح مشاورات مع تمثيليات نقابية وسياسية ومدنية في الموضوع مع حوار وطني مصاحب؛
* لأول مرة أعطيت للمعارضين الكلمة للقيام بالحدث على الرغم من النسبية، إضافة إلى أن المضمون كان متقدما؛
* اعتبار الاتحاد الاشتراكي أن الدستور استجاب بنسبة 97 في المائة للنقط التي طرحها في المذكرة المقدمة إلى جلالة الملك والتي وردت إما كعناوين كبرى أو حرفيا.
غير أن المتدخل أشار إلى أن الزمن السياسي لم يكن في صالح القوى الوطنية الموجودة بالبلاد والتي طالبت على الأقل بإعطائها مهلة ثلاثة أشهر أو ستة للاستعداد للانتخابات السابقة لأوانها، لكن لم يتم الاستماع إليها وبالمقابل قدمت أجندة أخرى لم يتم الاحترام منها إلا نقطة واحدة ، ألا وهي الانتخابات الجماعية.وفي رأي المحاضر فإن الاتحاد الاشتراكي،على الرغم من العقاب الذي عرفه في تلك الاستحقاقات،اعتبر أن المؤشر كان ايجابيا لأمرين أساسيين :
أولا ،أن المغاربة دولة وأحزابا وناخبين، قاموا بقراءة ذكية لما يقع حولهم : فعوض أن ندخل في مسلسل الصراع والاحتقان ،يقول جماهري، لبى الشارع المغربي مطلب التيار الإسلامي المؤطر للمجتمع ولفعاليات الربيع العربي عن طريق صناديق الاقتراع وتم القبول به على الرغم من أنه لم يتجاوز نسبة 27 في المائة خلافا للفوز الساحق لحزب النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر ؛
ثانيا ،أن القوى الوطنية السياسية الفاعلة ،ومن بينها الاتحاد الاشتراكي، على الرغم من تراجعها فإنها حافظت على وجودها السياسي وان لم تكن ضمن الكوكبة الأولى كما أن الأجندة الخاصة بالتحول الديموقراطي ما زالت سارية المفعول .
وتساءل عضو المكتب السياسي لحزب الوردة قائلا:وماذا عن الوضعية الحالية للدستور بعد مرور سنتين من التصويت عليه ؟
ويخلص عضو المكتب السياسي لحزب القوات الشعبية إلى أنه يناقش هذه الوضعية من زاوية أساسية ، وهي الزاوية الوطنية، داعيا في هذا الصدد إلى ضرورة تكوين جبهة ديموقراطية يسارية وطنية تضم جميع القوى الوطنية ، نساء ومثقفين وحقوقيين، لتحصين المكتسبات والبحث عن حلول بطريقة سلمية، مستحضرا البعد الوطني والقراءة الوطنية التي أقيمت في مراحل الأزمة لكي لا يقع ما لا تحمد عقباه ، مؤكدا أن التنسيق مع حزب الاستقلال مسألة أساسية لا ترتبط فقط بتقديرات المرحلة ولا بإسقاط الحكومة ولا بالتقديرات الظرفية ، مذكرا في هذا الصدد باللقاء بين الحزبين الكبيرين في سنوات الاستبداد والصراع مع السلطة في 1970 بعيدا عن أي ارتهانات انتخابية لمواجهة فترة الاستثناء آنذاك عندما كان الاتحاد يتعرض لانتكاسة كبرى وكانت صحف حزب الاستقلال هي المتنفس والمدافع عن الاتحاديين في تلك الفترة الحالكة ، مبرزا أن الكتلة الوطنية أكبر منجز استراتيجي في تاريخ مغرب الاستقلال حيث أدخلت منطق الإصلاح إلى الدولة

التحول الديمقراطي والأسئلة الراهنة

من جانبه تطرق عبد الله البقالي إلى الموضوع من محورين أساسيين : المحور الأول ويتعلق بالتحول الديموقراطي ؛ والمحور الثاني ويتمثل في الإجابة عن الأسئلة الراهنة المتمثلة في سؤال الهوية والدستور والاقتصاد .
ففيما يخص المحور الأول ، توقف عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال عند معنى التحول ، مجيبا بكونه الانتقال من وضعية إلى أخرى : من وضعية الاستبداد والانغلاق إلى وضعية الانفراج السياسي ، موضحا أنه في الحالة المغربية لا ينطبق عليه هذا المفهوم، لأن المغرب بصدد الانتقالات البطيئة والتدريجية سواء في حجمها أو في منسوبها على الرغم من أنه كان بإمكان البلاد تحقيق أعلى مما راكمته حتى الآن بسبب غياب مراكز البحث العلمي وموت السوسيولوجيا السياسية بالبلاد.
أما بخصوص المحور الثاني فتوقف النائب البرلماني عن إقليم العرئش عند أسئلة الهوية وعلاقتها بالدستور وحماية التنوع وشكل الدولة مع التوقف عند بعض الفصول القانونية ليخلص إلى أنه لأول مرة يتم التنصيص عليها بوصفها من نموذج بنية دولة منغلقة إلى نموج بنية أخرى تمارس النقد الذاتي من خلال عنصر الدين وروافدها المتعددة ، مع التوقف عند الفصل الخامس من الدستور وما يطرحه من إشكالات .
وبخصوص الدستور فقد أبان عن جدواه بكونه يكمن في تنزيل الوثيقة وأهميته تقاس بالمضمون ومدى الحرص على تطبيقه.
أما الاقتصاد فهو العامل الحاسم لذلك تفطن إليه السياسيون منذ القدم للاعتماد عليه في تحقيق سعادة المواطنين. ليخلص إلى أن معدل البطالة بالمغرب في ارتفاع مستمر مع تقلص كبير في العملة الصعبة وتراجع في الاستثمارات العمومية وارتفاع في المديونية، داعيا الجميع إلى تحمل مسؤوليته لتفادي الوضع المتأزم للاقتصاد المغربي ولقطع الطريق على المؤسسات الدولية التي تتطلع للتدخل في شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، معيبا على الحكومة التلكؤ في إبداع الحلول، لأنها الجهة التنفيذية المسؤولة التي حظيت بثقة الشعب المغربي وتحملت المسؤولية العامة، مشيرا إلى الاعتراف إلى الحاجة بقراءة ديموقراطية للدستور تتسم بالحداثة والتطور، علما بأن التطورات السياسية الأخيرة لا تذهب في هذا الاتجاه.
هذا وخرج عضو اللجنة التنفيذية لحزب علال الفاسي من «جلبابه الأكاديمي»، أثناء الردود، ليصرح لأول مرة بسبب انسحاب حزب الاستقلال من حكومة الأستاذ عبد الاله بنكيران وحصرها في الأسباب الآتية :
– الانفلات المطلق والكامل لجميع القضايا المركزية المرتبطة بجميع أوراش الإصلاح من جانب وزراء حزب العدالة والتنمية، خاصة الدعم المباشر الذي كان سيقدم إلى المغاربة في فاتح يوليوز وإصلاح صندوق التقاعد دون الاستشارة مع وزراء الأغلبية وبإقصائهم الفادح ؛
– اصطفاف رئيس الحكومة مع جزء من الأغلبية وتحيزه لها ضد أجزاء أخرى ؛
– حين يدعو حزب الاستقلال إلى اجتماع الأغلبية ينتظر عشرين يوما بينما حين يوجه الدعوة حزب العدالة والتنمية تتم الاستجابة للدعوة في اليوم نفسه، وبالتالي إحساس المناضلين في حزب الميزان وكأنهم رقم زائد ؛
– تنصل رئيس الحكومة من تنفيذ محضر 20 يوليوز علما بأن المنطق يفرض الاستمرارية، لأن الحكومة مؤسسة، وبالتالي رئيسها ملزم بتنفيذ ما التزمت به سابقتها، وهذا التلكؤ ليس فيه إخلال فقط بالنسبة للأطر العليا والمعطلة، بل فيه إهانة لحزب الاستقلال ؛
-تجاهل رئيس الحكومة للورقة التي قدمتها له اللجنة الاقتصادية لحزب الاستقلال في شخص وزيرها نزار بركة مرات متكررة للخروج من الأزمة التي تتخبط فيها البلاد ؛
– التلويح بورقة الفساد والمفسدين دون التجرؤ على تقديم الملفات إلى القضاء للبت فيها ، وكأن المغرب لم يعرف إلا الفساد طوال خمسين سنة الماضية، علما بأن البلاد شهدت بناء المطارات والمؤسسات الاقتصادية والطرق السيارة إلى جانب الفساد الذي كان ينخر اقتصادها .
– رفض رئيس الحكومة لمقترح وزير الداخلية العنصر حول استعداد الحكومة لإجراء الانتخابات الجماعية بكون أن هذه الأخيرة ليست من أولوياته، بينما يعكف فريق العدالة والتنمية على تقديم هذا المقترح في مجلس النواب ؛
– توجيه مذكرة إلى رئيس الحكومة عدة مرات تضم مقترحات حزب الاستقلال للخروج من الأزمة لكنه يجيب في إذاعة بلوس بأنه «ممسوقشي »؛أي لا يبالي ؛
– تأزيم الحكومة للجبهات المتعددة مع القضاة والمحامين والمتصرفين والباطرونا والفرقاء الاجتماعيين وهذا يعتبر في رأينا ، يقول عبد الله البقالي ، تعبيرا عن العجز لإيجاد الحلول الممكنة ؛
– إحساس وزراء حزب الاستقلال داخل الحكومة بأنهم مجرد موظفين عند الأستاذ عبد الإله بنكيران ويجب الامتثال لأوامره وتوجيهاته ؛
– عجز رئيس الحكومة عن التمييز في حديثه بصفته رئيس الحكومة وبصفته رئيس الحزب إلى الحد الذي صرح به داخل البرلمان : «نحن نشتغل مع الناس الذين صوتوا علي » ؛
ليخلص في الأخير إلى أن حزب الاستقلال لم ينسحب من الحكومة إلا بعدما شعر بأنه آلية من آليات حزب العدالة والتنمية داخل الحكومة، وهذا أمر فيه إهانة للحزب، وليبرز أن التكلفة السياسية التي سيدفعها رئيس الحكومة الآن أغلى بكثير من التكلفة السياسية التي كان سيؤديها لو جلس للحوار مع حزب الاستقلال للبحث عن مخرج للأزمة التي تعرفها البلاد، محذرا من التلويح بالانتخابات السابقة لأوانها، لأنها ستعيد نفس التشكيلة بتفاوت في العدد ، متنبئا بفشل التجربة الجديدة، لأنها لن تعمر أكثر من سنة، مؤكدا أن المعارضة ستعرف انتعاشة كبرى في السنة القادمة بسبب توفر الحزب على الذروع النقابية والتنظيمات الموازية، وأيضا بسبب تحالفه مع الاتحاد الاشتراكي، ذلك التحالف الذي أعطى الكثير للمغرب في التسعينيات .

…7/31/2013