في الحاجة إلى إعادة تحديد مفهوم المشاركة وعلاقتها بالديمقراطية

عبد السلام بن ابراهيم

لا شك أننا اليوم مع بروز، لأول مرة، في تاريخ المغرب السياسي بعد مضي أكثر من سنة ونصف على التجربة الحكومية الحالية، أزمة لا تشبه في الموضوع ولا حتى في الشكل، بل وعلى مستوى الشروط والظروف، أي أزمة حكومية أخرى، عرفها تدبير الشأن العام ببلادنا منذ فجر الاستقلال. فبالرغم من أن هذه الحكومة تعد نتاجا للحراك الاجتماعي والسياسي الذي شهده المغرب خلال سنة 2011 مع حركة 20 فبراير الخالدة، مدعمة بالقوى الحية والديمقراطية والذي كان من نتائجه (الحراك) صدور دستور جديد تم من خلاله الإقرار الدستوري بصلاحيات مهمة للسلطة التنفيذية، وفي مقدمتها رئاسة الحكومة، وتوسيع مجال السلطة التشريعية والاعتراف بسلطة القضاء لإعادة التوازن بين السلط، ودسترة العديد من المؤسسات القطاعية والوطنية المرتبطة بمجالات الحقوق والحريات؛ مع ذلك فإن العمل الحكومي يوجد في ظل الوضع الحالي في مأزق حقيقي، حيث لا يلمس المواطن على أرض الواقع تفعيل مضامين البرنامج الحكومي الذي نالت بموجبه الحكومة ثقة البرلمان، ناهيك عن تجميدها عن سبق وإصرار للوثيقة الدستورية والإحجام الكلي عن تنزيل أهم مقتضياتها، ولربما كل ذلك بفعل قوة وصلابة التماسيح والعفاريت التي وجد فيها الحزب الحاكم ملاذا لتعليل فشل تدبيره للشأن العام، الذي توج بفقدانها للأغلبية.
أمام هذا الوضع، وفي وجود حكومة أقلية يبحث رئيسها المتشبث هو وحزبه بكراسي الحكومة، فإن هذا الأخير يتحرك الآن على قدم وساق وفي كل الاتجاهات وبكل ما تبقى لديه من صبر وقوة لإيجاد حليف جديد، حتى وإن كان من بين من كان يصفهم إلى عهد قريب بأقبح الأوصاف وأبشع النعوت، لا لشيء، فقط للترميم السياسي لتجربة حكومة متهالكة ومحاولة ضمان استمرارها حتى ولو كان ذلك على نقيض التصريحات والتلميحات، بل والمقاربات والمواقف والمرجعيات، من جهة؛ وفي غياب أي انسجام مع النهج الديمقراطي المتبع في التجارب المقارنة الذي يفترض في مثل هذه الحالة الانسحاب الكامل للحكومة من موقعها واللجوء إلى انتخابات سابقة لأوانها من جهة ثانية. فإنه لا يسعنا في هذا الباب إلا أن نتساءل عن الأسباب الحقيقية والشروط الموضوعية لهذا الإصرار من أجل البقاء على الإمساك بمقاليد السلطة، وحتى دون مزاولتها، من خلال العجز البين الذي أبانه الحزب الأغلبي في تدبير شؤون البلاد، ويمكن أن يمتد نفس التساؤل في الجانب الآخر أيضا عن أسرار الشهية المفتوحة للحزب المستهدف لتكملة الأغلبية الحكومية المقبلة، وهو الذي كان ولا يزال يصرح برفضه لأن يكون عجلة للإنقاذ، لكن المؤشرات الحالية تفيد عكس ذلك.
فالمشهد السياسي ببلادنا يتسم، اليوم، بالزيغ عن السكة وفقدان البوصلة، وخلافا للمتوقع مع الاصلاحات السياسية والدستورية التي أفضى إليها النظام السياسي للالتفاف على الحراك الشعبي الذي عرفته الساحات العمومية المغربية، فإن ذلك لم يزد الوضع إلا خلطا والتباسا وغموضا وضبابية على مستوى عمل البرلمان والحكومة التي استقوت ضدا على مقتضيات الدستور على دور المعارضة، مما يضاعف في تأزيم الحياة السياسية ببلادنا، وبالتالي العصف بكل الترميمات السياسية والدستورية الأخيرة التي أقبل عليها المغرب منذ سنتين، وهي التي لم تساهم للأسف الشديد في تكريس المبادئ الديمقراطية لمواصلة بناء الدولة الوطنية وتثبيت القيم الإنسانية الكونية المؤسسة للحقوق والحريات لتبوئ الإنسان موقع الصدارة في كل السياسات والاستراتيجيات المعتمدة.
ومن ثمة، وعلى هدي هذا الواقع الذي لا يتكيف مع وصف محدد، خاصة مع تراجع الحكومة الحالية عن المكتسبات الشعبية والزحف على مصالح الطبقة الكادحة والتحرش بالطبقةالمتوسطة، مما قد يهدد التماسك الاجتماعي، وانعدام الرؤية والأفق لإحداث أي تحسن في أوضاع عموم الشعب، وغياب معالم الإصلاحات الكبرى المبشرة بها؛ فإن سؤال الديمقراطية وسؤال المواطنة يعود إلى الواجهة ليفرض نفسه من جديد، وهو ما يستحق في تقديرنا إعادة طرحهما بجدية والتداول الرصين والنقاش العميق بشأنهما داخل مختلف التنظيمات، انطلاقا من أجهزة الأحزاب الوطنية مع ضرورة الانفتاح على الفضاء العمومي لإشراك كل الفاعلين وفي مختلف المجالات للتأمل والتقرير في حال ومستقبل البلاد على ضوء الرهانات المطروحة، وما ينتظرها من تحديات يجب رفعها.
فلا ديمقراطية، إذن، بدون مواطنة ولا مواطنة بدون ديمقراطية وفق المعادلة التي يرسم بها آلان تورين طبيعة العلاقة التي تربط المواطنة بالديمقراطية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة. فالمواطنة كفضاء للحياة الجماعية تقوم على مرتكزات عدة؛ قانونية، وسياسية وسوسيو ثقافية، وإنسانية وحضارية، ومن خلالها تفرز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الكفيلة بتمتع المواطن بالحرية والمساواة والعدالة بطريقة فعلية وفعالة. ولا يتأتى هذا إلا عن طريق مشاركة كل مواطن في تدبير شؤونه بإبداء الرأي، والانخراط في المبادرات الهادفة إلى تحقيق المنفعة العامة، والمساهمة في اختيار نوع السلطة التي يجب أن يحتكم إليها المجتمع. وهذه المشاركة تدفع في اتجاه تكريس الثقافة والممارسة الديمقراطية التي تظل بحاجة إلى بناء اجتماعي شامل ومتكامل تمتزج فيه الحركة النقابية والجمعوية والحركات الاجتماعية بالمبادرات الفردية والجماعية المنظمة والمؤطرة الفاعلة، سلوكا وممارسة في الحياة العامة.
ونقصد بالمشاركة في الحياة العامة، كما سبق الذكر، مساهمة الأفراد في تدبير شؤونهم وإبداء الرأي حولها، والقيام بالمبادرات التي تهدف إلى تحقيق المنفعة العامةإن محليا أو وطنيا. وحق المشاركة يندرج ضمن الحريات السياسية الأساسية، غير أن هذا المفهوم، يتجاوز كون أن المشاركة هي مجرد حق، بل هي ممارسة فعلية وثقافة حقيقية في مواجهة ثقافة الإقصاء والتهميش المفضيين إلى اللامبالاة والعزوف، وهو ما يفرض حاجة تثبيتها بكل المجتمعات من خلال تربية النشء على الديمقراطية على أسس التكوين والتأطير والتعبئة والانخراط، باعتبار أن قوة الديمقراطية تكمن في إرادة المواطنين للمساهمة في تدبير الحياة العامة، والمشاركة مع الأغيار في التدبير العمومي، واختيار ممثليهم، وتقييم أدائهم، بل ومحاسبتهم سواء خلال طول مسار الولاية وعلى الخصوص عند انتهائها، إما بتجديد الثقة فيهم أو اختيار ممثلين آخرين مكانهم. وهذا ما يصطلح عليه لدى بعض منظري الديمقراطية «بالذهنية الديمقراطية» المقترنة بالتكوين والممارسة السليمة.
ولقد قطعت المشاركة عبر تاريخ البشرية مراحل وأشواطا وتطورت بتطور المجتمعات، وهكذا فإن هذه المشاركة كانت في أول الأمر محصورة على فئة دون أخرى وكانت تنعت بالمشاركة الامتيازية، حيث خيضت صراعات طويلة لتحويلها إلى حق يمنح لكل مواطن بغض النظر عن اللون أو العرق أو النوع أو الوضع الاجتماعي. وهكذا، فإن المواطنة بكل من أثينا وروما قامت على جعل صفة الأهلية القانونية حقا للرجال فقط، وتم حرمان النساء منه، في حين شكل عصر الأنوار مرحلة ضوء مع تحول مفهوم المواطنة التي أصبحت حقا إنسانيا خالصا يتمتع به على قدم المساواة جميع المواطنات والمواطنين، كما جعلت منه الثورة الفرنسية مع إعلان حقوق الإنسان والمواطن، حقا قانونيا وسياسيا.
وتعتبر المشاركة العامة حقا دستوريا وقانونيا، فقد أكدت المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلاده بشكل مباشر أو عن طريق الاختيار الحر لممثليه وأن لكل شخص الحقوق ذاتها التي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد، وأن إرادة الشعب هي مصدر السلطات يعبر عنها بانتخابات نزيهة ودورية. غير أن هذه النصوص تبقى بدون فعالية ما لم يتشبع المواطن بروح المشاركة وأهميتها بالنسبة لمجتمعه ولذاته، وهو ما يعني وجود الحاجة المستمرة للتنشئة الديمقراطية التي تقع مهمتها على عاتق الأحزاب وهيئات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة. وإذا كان هذا الأمر يهم المواطنين عموما، فإن فئة الشباب أكثر حضورا فيه لاعتبارات متعددة؛ أهمها أنه يمثل فئة واسعة من فئات المجتمع، ويتميز بمواصفات معرفية وسيكولوجية تجعله أكثر قدرة على طرح التساؤلات بجرأة مصحوبة بالرغبة في التطوير وتحقيق القيم النبيلة؛ مثل العدالة والمساواة والرفاه الاجتماعي والشغل، إضافة إلى حافز تحقيق الطموح الذاتي المشروع بتجديد النخب، وتعزيز قيم الديمقراطية والحداثة.
وبهذا المعنى، فإن المشاركة التي قد تتعدد أوجهها وتتنوع أنماطها لا يجب أن تتوقف عند مواطن بعينه، وإنما يجب أن تمتد إلى الجميع، باعتبارها حقا وواجبا للجميع. ولعل الوجه البارز لهذه المشاركة قد يتمثل في المشاركة السياسية، التي غالبا ما يربطها البعض بمسلسل الاستحقاقات الانتخابية، إلا أن مفهوم هذه المشاركة هو أوسع بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن الانتخابات تعد بحق إحدى أهم الآليات التي تساهم في تنظيم العملية الديمقراطية. غير أن هذه الآلية ليست حكرا على جهة دون أخرى، بل هي نتاج لمشاركات متعددة يشترك فيها، كل من موقعه، حيث يساهم في تحضيرها وإنجازها الحزبي والنقابي والجمعوي والمدني والحقوقي والحكومي، والمواطن عامة. وعلى هذا الأساس، فإن المشاركة هي مبدأ عام ولا تنحصر في مناسبة بعينها، فالمواطن إجمالا هو أصل المشارك انطلاقا من قناعاته بسمو المبادئ السامية والضرورية للحياة، من قبيل التعايش وحق الاختلاف والقبول بالنقد والتفاعل مع الغير، بغض النظر عن المرجعيات والأسس الفكرية أو المرتكزات السياسية.
فحرية الاختيار من خلال المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية تعتبر العنصر الحاسم في إعمال الديمقراطية، وعن طريقها تتم عملية منح تفويض سلطة المجتمع للأحزاب السياسية بواسطة التصويت وقت هذه الاستحقاقات، غير أن هذا التفويض ليس مطلقا ولا يحول دون تعبير المشاركين عن مواقفهم ولا يوقف حقوقهم، حيث يبقى بإمكانهم السهر على تتبع تنفيذ الالتزامات والتعاقدات المبرمة التي على أساسها اختاروا ممثليهم، وهو ما يؤكد أن آثار المشاركة تظل مستمرة في الزمن، فهي ذات بعد قبلي وبعدي، بمعنى أنها تتحقق قبل الانتخابات ووقتها وبعدها. إن المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية انطلاقا من هذا المنظور، لن تكون إلا بناءة وستساهم ولاشك في جعل التأثير في السياسات العمومية فعالا. فأهمية الاستحقاقات لا تتوقف عند لحظة المشاركة في لحظة الانتخابات والتصويت، ولا تكمن أيضا في ذات هذه الانتخابات وفي نتائجها؛ بل بما ستضفيه من قيمة مضافة في العمل السياسي المرتكز على الشرعية الانتخابية من جهة، وبما ستضيفه من قيم إنسانية وحضارية تعكس تشبع المواطن بالمبادئ الكونية في التعايش مع الآخرين والاعتراف بحقهم في التواجد والمشاركة في إطار رؤية منفتحة، تعتبر المصلحة العامة أرقى وأسمى من الانتماءات الحزبية الضيقة أو الاقتناعات الفكرية المنغلقة. فالنجاح الحقيقي في أي مشروع سياسي يظل رهينا بطبيعة الممارسة الديمقراطية المؤسسة على المشاركة المتعددة والسليمة والبعيدة عن كل العقبات والمعوقات.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن المشاركة في تدبير الشأن العام والحياة العامة هي في نفس الوقت حق وواجب، وبهذا المعنى فإنها توجد على النقيض من المنطق الأحادي والاتجاه المغلق، لأنها كما تؤكد القاعدة فإنها لا تتوقف عند امتلاك كل شيء أو لا شيء، بل هي عملية ترتبط بمدى قدرة المواطنين بجميع فئاتهم على ممارسة ضغطهم على من يتولون صناعة القرار السياسي العام في تسيير شؤون الدولة بتطبيق سليم للمبادئ الديمقراطية، اقتناعا منهم أنه كلما اتسعت مساحة الديمقراطية تقلصت مساحة التطرف. ذلك أن الدروس المستفادة من المشاركة قد تكون أهم من المشاركة ذاتها، إذ بواسطتها ندرك أن الديمقراطية مشروع إجرائي وقيمي وثقافي يسمح بتنظيم الاختلاف داخل المجتمع وترشيده. ويعكس قدرة النظام على استيعاب ضغوط التدافع والتصارع والتنافس بين الأفكار والمؤسسات المختلفة بشكل سلمي، ومعنى ذلك أن المشاركة تتحول من وسيلة إلى آلية لإنتاج الذهنية الديمقراطية وإشاعتها.
فأين نحن، إذن، من مقاربة المشاركة المتعددة الأوجه بدءا بالمشاركة السياسية والمشاركة في الانتخابات والمشاركة في المجتمع المدني والتنظيمات النقابية ومشاركة الشباب في الحياة العامة في ظل التدبير الحكومي الحالي، على وجه الخصوص، لرعاية مصالح الأمة والنهوض بشؤون البلاد في التدبير الحكيم والتنمية المستديمة. والديمقراطية الحديثة ليست في وجهها التمثيلي فحسب، ولكن أيضا في صيغتها التشاركية كما أقرها دستور يوليوز 2011، والتي أبانت قدرتها ونجاعتها على تحقيق تقدم الشعوب وازدهار الاقتصاديات في العديد من التجارب الدولية، لعل أهمها على مستوى دول أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، تظل على مستوى تجربتنا المستمرة في الانتقال الديمقراطي، الحاجة أكيدة وماسة إلى إعادة تحديد مفهوم المشاركة وربطها في العلاقة بالديمقراطية في شقيها التمثيلي والتشاركي لخدمة مصالح الأمة والمجتمع معا.ش

7/31/2013