الاعتدال في الخطاب الديني دليل وعي والتزام
 

الواقع الإسلامي المعاصر يتطلب الاعتدال مع الحياة للحيلولة دون تفاقم الفرقة الإيديولوجية في العالم العربي والإسلامي.

يطرح الكاتب في هذا النص قضية الاعتدال الديني وتأثيراتها المتعددة في الحياة الاجتماعية على اعتبار أن الاعتدال يساهم في تكريس خطاب متصالح مع الذات ومع الآخر ويسعى إلى الحوار والتقارب بين الشعوب والأديان.

عندما نلقي نظرة سريعة على الأحداث التي يمر بها بلدنا- بل والبلدان الأخرى- نجد أن وراء كل حدث أو موقف أفكار وقناعات لأطراف مختلفه تحاول إثبات صحة ما لديها من توجهات وآراء من خلال الخطابات والتصريحات واللقاءات إلخ.

مما له انعكاساته كذلك على تكوين ذلك الاختلاف في قناعات أفراد المجتمع وتوجهاتهم وبالتالي تأثيره على واقع الحياة اليومية كما هو معلوم. لأن كل كلمة أو عبارة أو تصريح منفعل قد يكون له أثره في إثارة مختلف المواقف المتشنجة القابله للتطور إلى أشكال من الانفعال والعنف والتطرف،هذا ما شهدناه ونشاهده عند متابعتنا لسير الأحداث، وبصورة خاصة ما نسمعه من خطاب ديني من على منصات الخطابة هنا وهناك.

الوعي بالواقع

أصبحنا اليوم بحاجة إلى خطاب ديني معتدل يضع في المقدمة مصلحة أبناء البلد من خلال وعي يستند إلى المسؤولية الوطنية والواجب الأخلاقي والتكليف الشرعي، وذهنية تدرك أن الدين هو رسالة المصلحين وصفة المتعقلين.

نحتاج إلى تحليل لما يدور في أوساطنا من ظواهر، والانطلاق من تحليلنا لكل ظاهرة نحو تكوين رؤية واعية تستوعب الأسباب وتستقصي النتائج ومن ثم الخروج بصيغ وأساليب عمليه لتجاوز ما يشهده واقعنا من سلبيات أدى إليها الفهم القاصر، والتعصب الأعمى، والتفسير الخاطئ.

ومن أبرز تلك الظواهر، ظاهرة الخطاب الديني وتأثير تلك الظاهرة سلبا وإيجابا على مجمل الأوضاع السائدة.

ولكي نخضع هذه الظاهرة إلى التحليل ودراسة ما يتعلق بها من جوانب لابد من الإشاره إجمالا إلى وظيفة كل من الدين كنظام سماوي والعقل واستنتاجاته ودوره في تقويم مسيرة الإنسانية وإيضاح العلاقة بين الدين والعقل.

ولفهم هذه العلاقة لابد أن نستحضر حقيقة مهمة تمثل نقطة انطلاق نحو بلوغ هذا الفهم، وهي أن كلا من الدين والعقل منهجان يؤديان إلى غاية واحدة وهي تنظيم الحياة الإنسانية وإن اختلفا في الطريقة والأسلوب الذي يوصل فيه كلا منهما إلى تلك الغاية وبناء على ما تقدم لابد من الإشارة إلى وظيفة كلا المجالين:

الدين رسالة إلهية هدفها رسم المسار الذي ينبغي أن تسير بموجبه حياة الإنسان، وفي هذه الرسالة قانون شامل لكل ما من شأنه أن يقيم الحياة على أساس من العدل والمساواة وحفظ الحقوق وصيانة الكرامة، وكل ما يرتقي بالإنسان إلى مستوى إنسانيته، والدين يضع لحياتنا هدفا ويحدد لنا الوسائل التي توصلنا إلى ذلك الهدف.

أما العقل فإننا عندما نتأمل في بداية وجود الإنسان نجد أن العقل حاضر منذ النشأة الأولى وقد ورد في الأثر أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان وأوجد فيه العقل قال له (أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر قال بك أعاقب وفيك أثيب) وفي هذا دلالة على أن وجود العقل سابق على وجود الدين، وبإمكان الإنسان بهذا العقل أن يدبر أموره وينظم شؤونه ويبني حياته.

الدور المنوط بالدين

فهذه المؤثرات تحاول دائما اجتذابه وتحيد به عن الطريق السوي، وهنا يبرز دور الدين الأساسي وهو إرجاع الإنسان إلى رشده وإلى ما يستقيم مع الفطرة السليمة، وإلى ترسيخ وظيفة العقل الذي أودعه الله تعالى في الإنسان.

فالدين والعقل يلتقيان عند غاية واحدة أساسية هي بلوغ الإنسان إنسانيته، وإذا ما أدركنا هذه الغاية وأخضعنا سلوكنا لمنطق العقل فإننا في نهاية الأمر نكون قد حققنا هدف الدين الأساسي وهو تحقيق كرامة الإنسان من خلال نضوجه الفكري وفهمه للحياة. ولكن عندما نلقي نظرة بسيطة على تاريخنا الاجتماعي ماذا نجد؟ أن التاريخ يطلعنا على كوارث أصابت نظامنا الاجتماعي، ويوقفنا على مآسي وقعت نتيجة التوظيف الخاطئ للعقل، وكان قدر مجتمعنا أن يرزح تحت نير هذه الويلات والحروب والدمار والفقر والتخلف والصراع الذي لامبرر له، أما الدين فإنه لم يأخذ فرصة كافية في الإصلاح ولم يسمح لرسالته أن تؤدي دورها في تصحيح مسيرة المجتمع بل إن الفهم السيء والتفسير الجامد، والتعصب الأعمى جعلا من الدين سببا للفرقة والتناحر والعداء بين الإنسان وأخيه الإنسان وهو ما نطالعه ونلمسه كل يوم في واقع نتمنى أن يعود له صفاؤه ونقاؤه.

وبناء على ما تقدم فقد ارتبط الخطاب الديني بمستوى فهم وظيفة الدين إجمالا وصلتها بالقيم الإنسانية فبالقدر الذي يبدو فيه الخطاب الديني ضروريا لنشر الوعي، وإشاعة الأحكام الالهية وإرشاد الناس فإنه في الوقت ذاته قد يكون وسيلة لنشر مفاهيم وآراء تثقل كاهل المجتمع بأعباءها عندما يتخندق الخطاب في إطار طائفي متعصب لايرى إلا صحة الرأي الذي ينادي به. وقد كان الخطاب الديني ولازال ذا تأثير بارز على مجمل الأوضاع السائدة إيجابا وسلبا وسببا لاستقطاب الكثير من التوجهات، وبث مختلف الأراء والأفكار هنا وهناك تبلورت فيما نراه من تجمعات يحاول كل منها الإعلان عن وجوده وإيجاد مساحه لتحركه، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام كم هائل من العناوين والمسميات التي لاتنتهي، مما كان له الأثر الكبير في إيجاد كثير من الاتجاهات والتيارات بفعل التأثير الذي أحدثه الخطاب الديني في هذه المناسبة أو تلك، وهذا يعود إلى عوامل عديدة أهمها:

* غالبا ما يرتبط الخطاب الديني بطقوس تضفي عليه طابع القداسة لاسيما إذا كان ذلك الخطاب مشبعا بمفاهيم العقيدة الدينية فيصبح حينئذ عند أصحاب هذه العقيدة من المسلمات التي لايرقى إليها الشك.

* غياب الوعي الثقافي والفكري عند نسبة كبيرة من الجمهور مما يعني عدم وجود عقلية نقدية لما يطرح من آراء وأفكار.

* التوجهات السياسية التي تتخذ من الخطاب الديني وسيلة لتمرير أفكارها وتنفيذ برامجها.

* غياب الخط الفكري الذي يتبنى مشروع توحيد كافة التوجهات تحت رؤية وطنية واعية تضع في الاعتبار الأول مصلحة الشعب والوطن.

إن النقاط المتقدمة ونقاط أخرى تفسر لنا ما للخطاب الديني من أثر عندما يتجه هذا الخطاب في خط طائفي متعصب، لايرى إلا صحة رأيه وخطأ الآخرين، وقد يتعدى ذلك إلى تكفيرهم كما حدث ويحدث وما نسمعه بين فترة وأخرى من هذا المنبر أو ذاك، فالمشكلة في واقع الأمر مع هذا النوع من الخطاب إذ أن الخطاب الديني المعتدل لا إشكال فيه ولاغبار عليه بل هو من ضرورات الإرشاد والثقافة والمعرفة في كل زمان.

القراءة المستنيرة

المتشددون… فكر منغلق على النص الديني ومتعصب له

وفي أوساطنا من جهابذة الفكر الإسلامي ممن أغنوا بمؤلفاتهم ساحة الفكر العالمي وأثروا بأطروحاتهم مختلف الميادين الثقافيه ونالوا إعجاب القاصي والداني على اختلاف الأديان والقوميات. ولنا أن نفتخر حقيقة بهؤلاء المفكرين الذين عبروا عما في الإسلام من فكر ناصع، وقابلية على التفاعل مع الآخرين، واستعداد لمد جسور الإخاء الإنساني .

ولعل الركيزة الأساسية التي يستند عليها أي خطاب هي انطلاقه من رؤية فكرية تنبثق عنها جملة من الآراء والتصورات المعبرة عن هوية الخطاب.

وعندما تكون هذه الرؤية منغلقة على ذاتها ومتقوقعة في قالب جامد خاص بها، فمن المؤكد أن الخطاب الصادر عنها خطاب محدد بمفاهيم ومقولات وشعارات قد لاتلقى من الآخرين قبولا تلقائيا، لأنها صدرت من الأساس عن رؤية لاتقيم لأفكار وقناعات الآخرين وزنا وبالتالي إيجاد حالة من التقاطع والتنافر ينتج عنها كذلك ردود أفعال مقابلة تزيد الحالة سوءا.

لذا أصبح من الضروري في عصرنا الحاضر أن تتعامل كافة التوجهات والتيارات بذهنية منفتحة على واقعها، تؤمن بالحوار، وبقيمة التفاعل المستمر بين تجارب بني البشر في الحياة الانسانية، والإيمان بالتعايش السلمي وأن العنف والإرهاب والاقتتال والتخريب والدمار ظواهر لايقرها دين ولاعقل وتنبذها تجربة الحضارة الإنسانية التي ماوصلت إلى ماوصلت إليه إلا بتعاضد العقول وتلاقح الأفكار والتقاء التجارب وتعاون بني البشر على اختلاف أديانهم وقومياتهم وألوانهم ولغاتهم.

لكن ذلك لايعني بأي حال إلغاء الهوية الذاتية لهذا المجتمع أو ذاك، أما من أعرض عن ركب الحياة الإنسانية وركن إلى قرون الأسلاف باحثا عن قوالب تراثية محطمة لتطبيقها على الحاضر.

إن الانفتاح على فكر الآخرين يوفر فرصا للتلاقي والحوار والتفاعل ومن ثم إيجاد أرضية من التفاهم الإنساني وتوفير مناخ هادئ من الاحترام والفهم وتجاوز لكثير من الإشكاليات الموجودة في هذا الجانب أو ذاك.

وعلى ضوء ما تقدم فإن أي اتجاه فكري لكي يستكمل مقومات نجاحه لابد أن يفهم ما لدى الاتجاهات الأخرى المنتمية لنفس الميدان ويتعامل معها تعاملا موضوعيا مقترنا باحترام ثوابتها ومبادئها مع الاستعداد لفتح باب الحوار الهادف وصولا إلى تحقيق فهم مشترك لكثير من الجوانب ينتج عنه وسط شفاف خالي من الغموض والتعقيد ينعكس على الحياة الاجتماعية فيجعلها أكثر استقرارا وأمانا، ولتحقيق هذه الغاية لابد من توافر جملة من الشروط في أي خطاب ولاسيما الخطاب الديني ومنها:

* بناء مفاهيم ومقولات الخطاب على أسس موضوعية قابلة للفهم من الأطراف الأخرى باستخدام الوسائل التي تساعد على تكوين هذا الفهم .

* الإيمان بأن فهم الآخر وإفهامه وسيلة أساسية لرسم مسارات فكرية مستقلة لاتصطدم مع بعضها من خلال تكوين ذلك الفهم للطرفين.

* وجود قناعة بأن الحياة الاجتماعية لكي تسير في إطارها الصحيح لابد من إيجاد حالة من الاحترام بين مكونات المجتمع السياسية والدينية والقومية… الخ وأن المصلحة الاجتماعية تقضي باجتناب كافة حالات التصادم والتنافر.

* استيعاب الخطاب لظروف المرحلة وما يكتنف تلك الظروف من إشكاليات والتعامل مع تلك الإشكاليات بعقلية تستوعب أسباب نشوئها والعوامل المؤثرة فيها بحيث لايثير الخطاب عندما يستحضر هذا الجانب أي ردود فعل سلبية لدى الأطراف الأخرى.

* محاولة إيجاد قراءة تاريخية مشتركة قدر الإمكان واجتناب الخطاب للقراءة التاريخية الذاتية لأن ما هو موجود لدينا من اتجاهات دينية ومذهبية قد تختلف في القراءة التاريخية لمختلف الوقائع والإحداث .

* وبما أن المفترض في الخطاب الديني -خاصة- أنه يصدر عن رسالة الدين باعتبارها رسالة بناء وإصلاح للإنسانية فمن باب أولى أن يستحضر الخطاب هذه الغاية ولا يتخطاها ويسعى إلى تكريس قيم ومبادئ ما أُنزلت الأديان إلا لإشاعتها بين بني الإنسان.

وفي الوقت الذي ننشد في صفة الاعتدال في الخطاب الديني فإن ذلك لايعني إلغاء الثوابت الأساسية لهذا الاتجاه أو ذاك بقدر ما يعني التزام الخطاب بمسار ليس فيه تجاوز على ثوابت الآخرين واحترامها.

وإذا كانت هناك وجهة نظر أو رأي مخالف فإن الحوار المؤدي إلى قناعات موضوعية مشتركة هو السبيل الأمثل أما التطرف بأي حال فلا ينتج إلا الصدام.

موقع جريدة العرب

1غشت 2013