تأملات في “العنف

 بقلم عبد الله البياري

تقدم الأنثروبولوجيا العنف كالتالي، تعريفاً: “العنف: هو خطابٌ أو فعلٌ مؤذٍ أو مدمر يقوم به فرد أو جماعة ضد أفراد أو جماعة/ت أخرى. وتشتمل أنماط العنف على أسطورة البطل، وديناميكية إستغلال القاتل/الضحية، وثنائية الجسد/العقل، وأسطورة الكاوبوي، وأسطورة الفردية التنافسية، ونظرية العنف الفطري، وأسطورة العدوان الذكوري، والمجمع الصناعي العسكري، والحتمية التكنولوجية (خاصة التكنولوجيا المدمرة)، وإخضاع النساء، وأسطورة تفوق العقلانية على العاطفة والإبداع، وأسطورة نخبوية الجنس البشري”.

بالنسبة إلى فرويد فإن الحضارة تحاول “منع الإفراط في العنف القاسي”(!) عبر “إعطائها لنفسها الحق باستخدام العنف ضد المجرمين” ويميز فرويد العنف الشرعي، بوصفه حقاً للسلطة المقبولة إجتماعياً كي تسيطر على العنف غير الشرعي وغير المصادق عليه إجتماعياً لدى الفرد، وبالتالي المهدد للمجتمع”.

عبر دمج التعريفين السابقين، نجد هوة بين إدراك مفهوم العنف ومواجهته (سواءاً بالمنطق الفردي أو المجتمعي أو المؤسسي)، تلك الهوة توضح العلاقة بين العنف كفكرة وتطبيقه كخطاب (لغوي/مادي)، يمكن تناولها تحليلياً من أكثر من جهة:

أولاً: على مدى التاريخ الإنساني، كانت أنماط العنف كلها قائمة على فرضية تتجدد بلبوس حضاري مختلف باختلاف العصور، فبين دونية ثقافية و مادية و فكرية وغيرها، تجتمع كل تلك النقاط على إفتراض أن العنف في ذاته أصل فردي، تؤججه القطيعية (الصورة المادية من الجماعة)، وبالتالي وجب وجود بنى مسيطرة على ذلك العنف. حينها يصبح النظام/الفضاء الثقافي قادراً على تشريع العنف وعقلنته واستخدامه ضد “الناس العنيفين” كأداة للسيطرة الإجتماعية، وبالتالي يصبح النظام/الفضاء الثقافي آلة تدوير العنف، عن طريق “إستخدام العنف من أجل منع العنف”، وبالتالي فما يتم تعزيزه في ذاته هو العنف، باسم الأمن الثقافي والفكري، وهو مايتناقض موضوعياً وقيمياً مع الفكرة والثقافة في ذاتهما، بلفظ آخر يتحول العنف من كونه سبب إلا علامة.

ثانياً: إن أنماط العنف، هي عبارة عن نسيخ خطابي في البينة الثقافية، تنتجه علاقات القوى الإجتماعية والمؤسساتية، برعاية السلطة المسيطرة، عن طريق تطريز خطاب رمزي مختزل في المعتقدات والتصرفات والممارسات الإجتماعية والفردية. فنجد مثلاً أصحاب البنية الايديولوجية أياً كانت ينظرون إلى المعتقد والمبدأ ضمن إطار مرجعي، ما يوجد في حدوده له شرعية مهما تبدى عنيفاً كعلامة، ومهما إستدعت تلك العلامة من أسباب العنف لتصبح مبررة، فيرمى المختلف في الفكرة بـ”الكفر”، أو المختلف السياسي بـ”عدم الوطنية”، وكل تلك العلامات التصنيفية العنيفة في الخطاب، لا يمكن تعريفها في ذاتها إنما في بنية التمثيل الخطابي الذي يقدمها “مثال ذلك: وصف الإعتراض على الإنقلاب العسكري في مصر على الثورة، بأنه “إرهاب أسود” ومافي ذلك من إستدعاءات معنوية مركبة.

وبالتالي فأنماط العنف المشرعن هنا تعتمد على السيطرة كقوة سيالة مستغلة في المنطق الفردي ومتحكمة في المنطق القطيعي، وللسيطرة في الثقافة أسس عضوية، يمكن رصدها في الخطاب العنفي:

– الثنائية القيمية: نحن وهم، الخير والشر، الجنة والنار، الوطن وأعداء الوطن.
– الهرمية: وتلك فيها وجهان، الأول أن يتم وصف الواقع عليه “العنف المشرعن” باعتباره تهديداً لهرمية وتراتبية المجتمع و/أو المؤسسة ، أو أن يتم إعتباره في ذاته هرماً، وهنا تظهر أولى تجليات العنف في البخس بالإنسان/الفرد/الفكرة (مثال ذلك من الساحة المصرية: حديث مرشد جماعة الإخوان في مناصري عودة الرئيس المخلوع محمد مرسي قائلا:”في الساحة المصرية هناك فقط كيانان منظمان هما: الجيش والإخوان المسلمين”، وكأن الشارع الفردي الأفقي لا وجود له لأنه خارج الهرم؛ وفي الجهة المقابلة مطالبة وزير الدفاع المصري للشعب بتفويض الهرم لمواجهة الهرم الإخواني).

العزلة: عطفاً على الإبتئاس والبخس بالفرد و/أو الجماعة ضمن ما سبق، يتم إعتباره معزولاً و خارجاً عن النسق العام، وتلك ظاهرة أيديولوجية، وإن بدت معادلة/مقابلة للأيديولوجيا، بمنطق أكثر تفصيلاً تتحول الثنائية القيمية السالف ذكرها إلى إستحواذ قيمي، يجعل القطيعية في الجهتين مستحوذة للقيمة بالشكل الهرمي وليس الفردي.

ثالثاً: تجري إعادة ترميز العنف، أو بالأصح غعادة غسله تشريعياً، عبر استحضار نماذج سابقة زمنياً، أظهرها خطاب السلطة بشكل ثابت عبر الزمن والتغيرات، مثال ذلك مقولة “التاريخ يعيد نفسه”، وهو ما يبرر مذابح وجرائم السلطات في إتجاه المعارضة، وهي عقلية تقوم على تحويل الصدمة من جيل إلى آخر ، للإحتفاظ بآلية تفريخ البطل الأوحد، عن طريق إجترار المحنة، وتنميط الآخر بالحكم بثبوتية العنف كمبدأ فطري لديه، متجاوز لديه على فكرة “التغير” الإنساني و المجتمعي و”حق الإختلاف و حرية التعبير عنه”، واللذيِّن هما أسس تقويض العنف وتفكيكه، وبالتالي يتم تعميد ثالوث كامن و متجاوز و مسيطر من الكلية والعضوانية ضمن ثالوث الثقة: المكون من الأنا مركزاً و المجتمع و العالم إنعكاساً.

رابعًا: خطاب العنف المشرعن والممأسس، ينحو إلى التغاضي عن الفصل بين “العنفط كسلوك مكتسب ومهندس و”الغضب” كعاطفة بشرية خام. وبالتالي فإن تناول تناول الأسباب الموضوعية المؤسسة لعاطفة الغضب (كالغبن والظلم والإجحاف وغيرها)، وبالتالي فالمؤسسة ترعى بالعنف هنا “عملية إدارة العنف” وليس تفكيكه.

خامساً: السلوك العنيف هو استجابة من الناحيتين الإدراكية والعصبية لدوافع مقيتة متخيلة تنظمها مسوغات يتم تقديمها بما يناسب علاقات القوى التي تهندس المخزون المعنوي للثقافة الجمعية لتضمن بقاء الأقوى والأقدر على العنف التطهيري/المخلص، فيخدم ديمومتها.
بصياغة أخرى هذا المركب الحداثي فيما يتعلق بدولنة العنف و تشريعه خطابيًا، في داخل بنية علاقات القوى، لحل الصراعات العنفية منبثق من النظام النفعي (المادي والمعنوي)، لذا فالإشكال يُحل عندما نقوم بإزاحة هذا المركب العلاقاتي من القوى إلى تناقضات بين الجماعات و الأفراد، فيما يتعلق بالإجراء/الوسيلة والقيمة/الغاية.

ويمكن هنا إستخدام “تقنيات إدارة الإنطباع” لتقديم “صور” معرفية وحكمية، تختزل العقل النقدي وهو الملكة افلردية في جذرها، فيصبح نعت شخص بأنه “عنيف”، هو بمنزلة لوم له على فعل غير معياري مقبول عدديًا، مما يكلف الفاعل ثمناً إجتماعياً. فيتم تحويل اللوم إلى الضحية، كما يحصل غالباً في الإعتداء على الزوجة (مثال من مصر: إتهام فتاة التحرير التي عراها العسكر بالقول: ما الذي ذهب بها إلى هناك؟!).

سادساً: الخطاب العنفي، يقوم من ضمن الكثير مما يقوم عليه على الفصل بين “الجسد” و”العقل”، لذا يتم تبرير العنف الممأسس على أنه تخليص للجسد من غياب العقل، إذ يتم تصوير المختلف “الواقع عليه العنف” بأنه شخص مغيب العقل، وبالتالي يتم إنتهاك الجسد لتحرير العقل و الروح الضالة، ولعل أشهر تلك الجرائم المتلبسة لبوس الحضارة والإنسان كانت في حرق الساحرات والإستعباد والتملك والإستعمار، والتضحية بالمختلفين، لضمان سلامة الجسد الإجتماعي (المدعى) المقابل للجسد المنتهك والواقع تحت العنف.
الجسد أهمية بارزة تفسرهوس السلطة به لشرعنة عقلها وخطابه الثقافي السلطوي/الإخضاعي. فالجسد الخاضع الأكبر للقوى المهيمنة مجتمعياً، كما أنه المقاوم والمتصدي الأهم لها (أنظر دور الثقافات والفنون الشعبية في أفريقيا إبان الفترات الكولونيالية)، وهو ما يفسر كون العقوبات الأكثر قسوة تنفذ علناً، حيث كان المدانون تقطع رؤوسهم وأطرافهم أو يجلدوا بطريقة طقوسية في الفضاء المجتمعي العام بإسم المخزون القيمي الجمعي من ثقافة و دين وخصوصية وغير ذلك، مما يجعل الجسد هدفاً مرئياً لقمع القانون وثقافة العنف الممأسس في الفضاء الجمعي. (ولعل ما صاحب دعوات العسكر في مصر لمحاربة “الإرهاب والعنف الأسود” من تصاوير جسدية، طبقية تؤكد دونية المختلف الثقافية وبالتالي القيمية المعيارة، كالقول أن بأن معارضوا حكم العسكر لا يهتمون بنظافتهم الجسدية).

يشير تقسيم العنف إلى سلوك شرعي و سلوك غير شرعي، إلى التعارض بين الحق الإجتماعي- الذي يقره القانون والمكانة  والعادة أو القبول الاجتماعي، و بين التبرير الأخلاقي القيمي الذي يقره الاحتكام إلى التعاليم الدينية والمباديء والحجج الأخلاقية. يمكن لشخص في موقع سلطة قانونية أن يقوم بفعل شرعي ولكن غير أخلاقي، وبالمقابل يمكن أن يقوم عضو مبدئي في مجموعة إجتماعية محسوبة “شريرة” بعمل غير شرعي، ولكنه أخلاقي. وتظل عملية تدوير العنف وشرعنته دلالة على أن العنف والقتل ، ليس فقط في الفعل المادي، إنما هو قبلاً فعل أخلاقي وقيمي، يساوي بين قمة الهرم وقاعدته عنفياً، وبالتالي تدوير فكرة الطغيان والقهر، وإستنساخ الإستبداد.

عن موقع الجدلية ..1 غشت 2013