الشورى بين الحقيقة والخيال

منبر عبد الحكيم الصادق الفيتوري

ذكرت في مقال سابق أن تجربة النبي السياسية في المدينة في مفهوم الدولة والسلطة كانت في إطار الجهد البشري المتطور، من حيث قراءة الواقع قراءة صحيحة، والتجادل معه بقصدية الوحي وبأساليب متحضرة آنذاك. وفي هذا المقال نبحث عن حقيقة مفهوم الشورى في الفكر الاسلامي السياسي، ولعله من المناسب تجاوز تلك التعريفات التقليدية لمعاني الشورى اللغوية والاصطلاحية لأن هذا المقال لا يقصدها بالبحث، وإنما يقصد الوقوف على قيمة الشورى ومجالات ممارستها في فضاء الأمة بمعنييها (الديني والسياسي)، وكيفية استخدامها هل كان في إطار العرف القبلي العربي السائد آنذاك، أم في إطار منظومة سياسية اتفق عليها أطراف الأمة الموقعة على عقد التراضي من خلال البيعة أو وثيقة المدينة؟

بقراءة استقرائية لمفهوم الشورى في القرآن الكريم نجد أنها قد جاءت في سياقات مختلفة تؤكد على أهمية هذه القيمة بالنسبة للانسان في فضائه الاسري،والمدني، والعسكري،والسياسي، مما يعني أن القرآن الكريم أراد لقيمة الشورى أن تكون سمة من سمات المجتمع الانساني المتطور في حالة انفراده واجتماعه، ولهذا عنون الوحي سورة من سوره بعنوان هذه القيمة(سورة الشورى)، وقد جاء ذكرها في القرآن المكي بين ركنين من أركان الإسلام الصلاة والزكاة وذلك للأهمية، قال تعالى:( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، وامرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون).

 

وأحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تخلق بهذه الاخلاق الرفيعة على كافة المستويات الفردية والمجتمعية والسيادية حيث كان( خلقه القرآن)، فلم يكن ينجز السياسات العامة والخاصة المنوطة بجانبه( الانساني )دون( الرسالي ) إلا عبر الشورى والمشورة كما جاء ذلك في مصنفات السيرة والتاريخ. ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المجال، هل كان تداوله لقيمة الشورى عبر آلية سياسية ضمن منظومة معرفية،أم كان تداوله من خلال آلية من آليات المجتمع العربي القبلي المعترف بها؟ بقراءة متأنية تحليلية لوقائع السيرة النبوية نجد أن شورى النبي عليه السلام كان يتداولها من خلال الآليات السائدة والمعترف بها من قبل المجتمع العربي آنذاك، ولعل ذلك كان من باب( خذ العفو وأمر المعروف)، لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا بل كالمشروع شرعا كما قال الفقهاء.

 

وعلى هذا النهج استمر الخلفاء من بعده، ولعل حادثة السقيفة والتداولية السياسية بين الفرقاء كان جاريا على العرف القبلي كما قال ابوبكر الصديق( ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش)، وتلك التداولية العرفية لقيمة الشورى جاءت بدولة أبي بكر الخليفة الأول التي قال عنها الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب ( إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها المسلمين).وهكذا تعاطى المتلقي لقيمة الشورى القرآنية بتأويلية عرفية عربية عبر تاريخ المسلمين السياسي، ولكن هذه القيمة ظلت حبيسة تلك التأويلية العربية ولم ترتقي إلى منظومة معرفية كما حصل ذلك في الفكر الاغريقي والروماني. ولعل وقائع تاريخ تداول الشورى في عهد خلافة بني أمية والعباسيين والسلاجقة والعثمانيين وغيرهم، تشير إلى عدم ارتقاء قيمة الشورى القرآنية إلى منظومة معرفية قابلة للنمو والتطور في جوانبها النظرية والعملية.

 

على الرغم من تطور المجتمع الإسلامي في بعض نواحيه إلا أن جانبه السياسي ظل اسيرا لقيم المجتمع الزراعي الذي يعظم ملاك الاراضى، ويخشى نفوذ أصحاب الأموال، ويخاف سطوة الفقهاء ورجال الدين. وأحسب أن هذا المجتمع الزراعي بهذه الحيثيات هو الذي انتج لنا فكرة الدولة المركزية التي تعتمد في إدارتها وشورتها على ملاك الاراضي،وأصحاب الأموال والتجارات، ورجال الدين، وقد اضفت الدولة المركزية على هؤلاء لقب(أهل الحل والعقد )، وفي المقابل قام هؤلاء بأضفاء الشرعية على الدولة ،وحق توريث الخلافة، وحق سحق مخالفيها والمتمردين عليها بسلطة الاجماع وولاية المتغلب !!

 

ولعل هذه الشراكة أو إن شئت هذا الحلف بين السلطة السياسية،والتجارية،والدينية(= السيف،والقلم،والمال) هي التي حملت بعض أئمة التفسير إلى تأويل آيات السمع والطاعة لصالح السلطة السياسية ولي الأمر، ودفعت ببعض المحدثين إلى انتحال أحاديث السمع والطاعة لصالح ولي الأمر وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، ودفعت ببعض الفقهاء إلى تأصيل قتل البغاة الذين يتمردون على سلطة ولي الأمر تحت باب قتل البغاة. وبهذه الشراكة والعمل الدؤب من قبل هذا الحلف صار الخليفة السلطان ظل الله في الأرض كما جاء ذلك في مصنفات الاحكام السلطانية والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، التي كرست لهذا المفهوم المتخلف الذي يأتي على قيمة الشورى من اساسها، فقد قال ابن تيمية: وأما الحديث النبوي الشريف السلطان ظل الله في الأرض ، يأوي إليه كل ضعيف وملهوف، وهذا صحيح، فإن الظل مفتقر إلى آوي، وهو رفيق له، مطابق له نوعا من المطابقة، والآوي إلى الظل المكتنف بالظل صاحب الظل، فالسلطان عبد الله مخلوق، مفتقر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي بها قوام الخلق، ما يشبه أن يكون لله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس، وإذا فسد فسدت بحسب فساده، ولا تفسد من كل وجه، بل لا بد من مصالح، إذ هو ظل الله، لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من جميع الأذى، وتارة لا يمنع إلا بعض الأذى، وأما إذا عدم الظل فسد الأمر، كعدم سر الربوبية التي بها قيام الأمة الإنسانية، والله تعالى أعلم .

 

وهكذا تم التناغم بين تنظير الفقهاء(رجال الدين)،والممولين لهم(رجال المال) مع فكر الخليفة والسلطان المستبد الذي اغتال قيمة الشورى جملة، فقد قال أبو جعفر المنصور الخليفة المستبد توافقا مع حلفائه: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وأقسم أرزاقكم وإذا شاء أن يقفلني عليها أقفلني…!!

 

والغريب أن رجال الدين من المحدثين وأصحاب الاسانيد لم تعوزهم الحيلة لكي يجعلوا لكلام هؤلاء المستبدين سندا ومتنا إلى رسول الله عليه السلام مرة للمستبد الأموي وتارة للمستبد العباسي، كما جاء في سنن أبي داود بسنده عن شريك عن سليمان الأعمش، قال: جمعت مع الحجاج فخطب، فذكر حديث أبي بكر بن عياش، قال فيها: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان … وساق الحديث!!

 

بل أحاط المحدثون هذه المفاهيم السلطانية بروايات منسوبة لرسول الله عليه السلام تبيح للسلطان ضرب أعناق من يفارقه أو ينقض سلطته، كما في الحديث الصحيح عن رسول الله أنه قال: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية. وعند مسلم: إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوه بالسيف كائنا من كان !!

 

ومن هنا فأنني أحسب أن مصنفات الاحكام السلطانية والأحاديث السياسية ما هي إلا منتج من منتجات ذلك الحلف(السيف،القلم،المال) التي تم بها الاعتداء على قيمة الشورى القرآنية، لذلك ينبغي عدم اعتبار مصنفات الاحكام السلطانية ضمن الفكر السياسي لأنها في حقيقتها قد خلت من التنظير الفلسفي والفكري للسياسة إلا في النزر اليسير، ولعل اسماء مصنفات(الاحكام السلطانية)قد تشفع لأصحابها من حيث أنها كتبت للسلطان(=الراعي) في كيفية ضبط شؤون رعيته(=الرعية)، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عنوانها الرئيس الذي يشير إلى صورة استعارية من بيئة زراعية رعاوية كانت تمثل صورة الحاكم والمحكوم(=راعي، ورعية )كما جاء مصنف ابن تيمية(السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية).

 

ولا يغيب عن بالنا أن هذه المصنفات انسجاما مع تكريس مفهوم الراعي والرعية الذي كان سائدا في المجتمع الزراعي، فقد أصلت لاستبداد الراعي (الخليفة) من خلال تقديم مفهوم الشورى على أساس أن الشورى غير ملزمة للراعي، ولعل هذه المصنفات اعتمدت ذلك باعتبار تجربة النبي السياسية التي اجتمع فيها بعدين لا يجتمعان لاحد من بعده،البعد الرسالي والبعد الانساني، حيث قامت هذه المصنفات؛ لعلها بدافع الحلف والمحافظة عليه، إلى سحب تجربة النبي وتعميمها على بقية الخلفاء والحكام والسلاطين من بعده دون فرز ولا تمييز بين البعدين، ولاشك أن هذا الخلل المنهجي كان مصدرا للاستبداد والتفرد والاستئثار بالحكم في الماضي والحاضر، وأعتداءا على مفهوم الشورى القرآني،ورفعا لشأن الشوكة والعصبة في إدارة الحكم.

 

وهكذا تم قبول واعتماد تلك المصنفات؛ مصنفات الاحكام السلطانية دون نقد وفرز وتمييز من قبل حركات الإسلام السياسي المعاصر التي نادت بإعادة الخلافة، حيث صار فكر هذه الحركات اسيرا ومكبلا بقيود تلك المصنفات السلطانية التي اغتالت قيمة الشورى المنزلة وكرست الشورى المؤولة التي تم تطبيقها عبر تجربة الحكم العاض والجبري، من خلال حكم الفرد، والاستبداد، وإلغاء التعددية، وحرية الرأي.لذلك نرى الاستاذ حسن البنا يقول:…ويعتقد الإخوان أن هذه الحرية الحزبية قد افسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم…. إلى أن قال: أحب أن اقول: إن الإخوان يعتقدون من قرارة نفوسهم أن مصر لا يصلحها ولا ينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها ..(الرسائل) ولعل كتابات سيد حافلة بأشد من كلام البنا.ولكن لا يفوتني أن ننبه على أن ثمة أفكار إسلامية معاصرة قد خطت خطوات جرئية تجاوزت رتابة وفكرة أصحاب مصنفات الأحكام السلطانية كما حصل ذلك في تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، والحركة المغربية، والحركة السودانية بقيادة الترابي،كذلك الأقلام التي انفتحت واستفادت من تجارب الغرب في الفكر السياسي ، ولكن هذه الخطوات الجرئية في جانبها النظري كثيرا ما تتعثر حين دخولها المعترك السياسي التطبيقي، وأحسب أن مرد ذلك يعود إلى عدم تحرر فكر حركة الاسلام السياسي المعاصرة من آصار وقيود إسلام التاريخ ، مما جعل فكرها يجمع بين خطابين متناقضين: خطاب سياسي منفتح على تجارب الغير، وخطاب ديني منغلق خلف جدران مصنفات الاحكام السلطانية وحقب الاسلام المؤول التي تناولت وجوب إقامة الخلافة وتعيين الخليفة وصفاته، وولي عهده، وشرعية ولاية المتغلب، والشوكة والعصبة، وتكريس مفهوم حكم البيوتات وأن السلطان ظل الله في الارض من أهانه فقد أهان الله. كما قال المهدي العباسي:نحن آل البيت نجري من أسباب القضايا، وموقع الأمور على سابق من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب وتتابعت به الرسل…إن لله تعالى في كل زمن عِترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا لنصرة دينه، يجدِد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذهم لأولياء دينه أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا يسدّون!!

 

فإذا كان ذلك كذلك، فلا سبيل لحركة الاسلام السياسي من إحياء الشورى القرآنية إلا بفتح ملفات النقد ثم النقد ثم النقد لكثير من المسلمات التاريخية، وإعادة قراءتها في سياقها ومساقها الثقافي والاجتماعي والسياسي، ومن ثم التحرر من هذه الاحمال الثقيلة وتفريغ تلك التوابيت التي تحملها على عاتقها فيها بقية من آل فلان وآل علان!!

3غشت 2013