شبكة النبأ:

حرب الاستثمار والتنمية في إفريقيا اصطبحت من أهم الأولويات للعديد من دول العالم وخصوصا الدول الكبرى، التي تسعى الى تامين مستقبلها السياسي والاقتصادي في هذه القارة الغنية بالبترول والماس المعادن الأخرى التي تثير شهية تلك الدول وشركاتها الكبرى على الرغم من وجود بعض المشاكل الأمنية في العديد من دول إفريقيا كما يرى بعض المحللين، الذين أكدوا على وجود منافسة شرسة بين بعض الحكومات لضمان الحصول على موطئ قدم في هذه القارة. وتشير التوقعات أن يصل حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في القارة إلى 56.6 مليار دولار هذا العام ارتفاعا من 49.7 مليارا في العام الماضي، ليقترب من المستوى القياسي وهو 57.8 مليارا الذي سجل عام 2008.

لكن من المتوقع أن تظل التدفقات الاستثمارية متركزة في الاقتصادات الرئيسية مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر والمغرب، وأن تظل بقية دول القارة معتمدة بشدة على المعونات. وعن آفاق النمو الاقتصادي أفاد التقرير السنوي للبنك الأفريقي للتنمية بأن اقتصاد أفريقيا سينمو بمعدل 4.8% عام 2013, و5.3% عام 2014 بقيادة الدول المصدرة للسلع الأولية في غرب أفريقيا مثل نيجيريا وغانا وساحل العاج. لكنه أشار إلى أن ضعف الاقتصاد العالمي واستمرار الأزمة في منطقة اليورو يمكن أن يتسببا في خفض عائدات تصدير السلع الأولية والمعونات الخارجية وتحويلات المغتربين وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

وتوقع التقرير أن يصل حجم التدفقات المالية الخارجية إلى أفريقيا والذي يشمل الاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمارات في محافظ الأوراق المالية ومساعدات التنمية الرسمية وتحويلات المغتربين، إلى 203.9 مليارات دولار عام 2013 متجاوزا مستوى قياسيا في عام 2012 بلغ 186.3 مليارا.

اليابان في افريقيا

في السياق ذاته عبرت اليابان واربعون دولة افريقية عن رغبتها في تطوير الاستثمارات الخاصة اليابانية في منطقة افريقيا التي ستكون “في صلب التنمية” في العقود المقبلة، على ما اعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو ابيه. واكد “اعلان يوكوهاما” المدينة الواقعة في منطقة طوكيو حيث عقد مؤتمر طوكيو الدولي الخامس من اجل تنمية افريقيا (تيكاد)، وهو مبادرة اطلقتها اليابان في العام 1993، “نحن مصممون على العمل معا لتسريع النمو والتنمية المستدامة والحد من الفقر”.

وشدد ابيه على “وجوب ان تعزز اليابان علاقاتها مع افريقيا. فنحو منتصف القرن الحادي والعشرين ستصبح افريقيا بدون ادنى شك في صلب التنمية، اذن فان لم نستثمر فيها اليوم فمتى سنفعل ذلك؟ متى سيكون الوقت مناسبا؟ اكرر القول ان النمو موجود اليوم في افريقيا ويجب الان ان نستثمر فيها”، مكررا نيته في التوجه الى القارة “في اقرب وقت ممكن”.

وشدد اعلان يوكوهاما كثيرا على اهمية القطاع الخاص “المحرك الحيوي للنمو” الذي يتوجب “دعمه وتعزيزه” لا سيما من خلال “تحسين المناخ للمستثمرين خصوصا في الاطار القانوني”. وحرص رئيس الحكومة اليابانية على التذكير في مؤتمر صحافي عقده في ختام الاجتماع “بان اليابان بلد يفي بوعده: وما قد اعلن سيجري تنفيذه”.

ويستعيد “الاعلان” بعض الافكار الرئيسية الضرورية لتنمية القارة مثل ضرورة “التركيز على البنى التحتية” خاصة في مجال الطاقة والنقل والمياه، واهمية الزراعة والمزروعات الغذائية. الى ذلك، اعتبر المشاركون “ان السلام والاستقرار والادارة الرشيدة”، احد المواضيع الرئيسية في هذه القمة اليابانية الافريقية، تشكل الشروط اللازمة لتحقيق تنمية مستدامة.

وأعلنت اليابان عن مساعدة عامة لافريقيا تبلغ 10,6 مليارات يورو موزعة على خمس سنوات، وذلك لدى افتتاح مؤتمر مخصص لهذه القارة التي تزيد فيها الصين حضورها بشكل كثيف سعيا وراء توفير احتياجاتها من المواد الاولية. ووعد رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بهذه الاموال في اطار سلة اشمل من المساعدات “العامة والخاصة” التي تبلغ 24,2 مليار يورو “لدعم النمو الافريقي”.

واوضح شينزو آبي ان بلاده ستقدم من هذا المبلغ الاجمالي “650 مليار ين (حوالى خمسة مليارات يورو) موزعة على خمس سنوات لتطوير البنى التحتية”، مشددا على اهمية “الممرات الدولية” للنقل في القارة وعلى تحسين الشبكات الكهربائية. وشدد رئيس جيبوتي عمر غيلله على اهمية هذه المسألة مشيرا الى ان “افريقيا تخسر نقطتين في معدل النمو سنويا بسبب بناها التحتية المتهالكة”.

الا ان رئيس الاتحاد الافريقي رئيس الوزراء الاثيوبي هايلي مريم ديسالين، قال ان “افريقيا شهدت خلال العقد الاخير نسبة نمو بلغ متوسطها 5%”. لكن ديسالين اشار الى ان هذا النمو “نجم خصوصا من صادرات المواد الاولية”. واضاف ان “ذلك سيتغير في السنوات المقبلة بمقدار تنويع القارة لاقتصادها”.

ومن اجل دعم هذه الحركة، اعرب عن الامل في ان تؤدي عمليات التعاون التي عقدت في السنوات الاخيرة الى نتائج حاسمة على صعيد انشاء هذه البنى التحتية الاساسية وتحسينها. واشار ديسالين الى “شراكات” بدأت مع “مختلف اعضاء المجموعة الدولية” منها اليابان، وبالتأكيد الصين التي بات حضورها راسخا في القارة، وكذلك بلدان ناشئة اخرى البرازيل والهند.

والصين التي تبحث باستمرار عن المواد الاولية ومصادر الطاقة التي ستغذي نموها، اصبحت في 2009 الشريك التجاري الاول لافريقيا قبل ان تحل محل اليابان باعتبارها القوة الاقتصادية العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة. وزادت المبادلات الصينية الافريقية عن الضعف بين 2009 و2012، وهي السنة التي لامست 200 مليار دولار،

وقد تغير الوضع تغيرا جذريا منذ القمة الاخيرة بين اليابان وافريقيا في 2008، ووعد رئيس الوزراء الياباني بأن يقوم “في اقرب فرصة ممكنة بزيارة افريقيا” حيث ما زالت التجارة والاستثمارات اليابانية الخاصة ضعيفة جدا (2% من اجمالي الاستثمارات اليابانية)، كما قال عدد كبير من المسؤولين الافارقة في يوكوهاما.

واضاف رئيس جنوب افريقيا جاكوب زوما ان مجيء الشركات اليابانية الى افريقيا ينطوي على اهمية قصوى لانه بات على هذه القارة التركيز على “انشاء سوق مشتركة وعلى التنمية الصناعية وتطوير البنى التحتية”. ومن اجل دعم المبادلات الخاصة، ستقدم اليابان 20 مليار دولار كتغطية تأمينية للتجارة والاستثمار في القطاع الخاص في السوق الافريقية التي ستضم 2,2 مليار نسمة في 2050. بحسب فرانس برس.

وكشف رئيس الوزراء الياباني عن وجوه دعم اخرى، مثل تدريب الف مثقف زراعي لمضاعفة انتاج الأرز في منطقة جنوب الصحراء قبل 2018، ودعم تعليم 20 مليون طفل وتحسين حصول 10 ملايين افريقي على مياه الشرب. واستفاد من هذا المؤتمر ليطلب من رؤساء الدول والحكومات الافارقة الحاضرين دعم ترشيح طوكيو لتنظيم الالعاب الاولمبية في 2020. واشاد ببرامج المساعدة اليابانية الامين العام للامم المتحدة بان كي مون ورئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم اللذان اعلن كل منهما دعم الجهود الرامية للقضاء على الفقر.

مشكلة الفقر

الى جانب ذلك حذر المسؤول الثاني في صندوق النقد الدولي ديفيد ليبتون من مابوتو من ان منطقة جنوب الصحراء الافريقية التي بدات باظهار قدراتها الاقتصادية مع توقع 5,4 بالمئة من النمو في العام 2013، لا يزال يتعين عليها ان تتصدى بشكل عاجل لمشكلة الفقر. وقال ليبتون مساعد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي الذي يزور عاصمة موزمبيق ان “افريقيا تتغير والعالم يدرك ذلك”.

لكنه اضاف انه “لا يوجد ما يدعو الى الفرح بالنجاح الحالي لافريقيا” حيث ان “معدلات الفقر تبقى مرتفعة ولو انها تراجعت كما هو الحال هنا في موزمبيق”. وقال ان “افريقيا جنوب الصحراء هي المنطقة التي احرزت اقل قدر من التقدم في العالم لبلوغ اهداف الالفية في التنمية وتبقى متاخرة في مجال التربية الاساسية والوفيات عند الولادة”.

وتبقى دول القارة من جهة اخرى معرضة لتقلب اسعار المواد الاولية ومستوى تدفق الرساميل، ويتعين عليها ان تعد احتياطات للوقاية من الصدمات المستقبلية، كما اوصى ليبتون، وحض الحكومات على التخلص من اسعار الطاقة المتدنية بصورة اصطناعية وتوسيع سلتها الضريبية.

وخلصت منظمة اوكسفام غير الحكومية الى نتائج مماثلة بشان الفقر. ولفتت في بيان الى ان “افريقيا جنوب الصحراء تؤوي ست من اصل الدول العشر التي تشهد اكبر قدر من الخلل في العالم في مجال التباينات الاقتصادية”.

وتشهد القارة نموا اقتصاديا ملحوظا مدفوعا باكتشافات النفط والغاز وغير ذلك من الحقول المعدنية الاستراتيجية “لكن التقدم يواجه معوقات بسبب تفاوت المداخيل وهروب كثيف غير قانوني للرساميل غالبا تحت شكل التهرب الضريبي او سعر ادنى مما كان يفترض ان يسدده الصناعيون عند الاستخراج”، كما قالت اوكسفام.

على صعيد متصل بات 16 بلدا إفريقيا في طور تخفيض الفقر المدقع بحلول العام 2015، وفقا للأهداف الإنمائية للألفية التي حددتها الامم المتحدة، على ما جاء في تقرير نشرته منظمة “وان” غير الحكومية. وهذه البلدان هي رواندا ومالاوي وإثيوبيا وبوركينا فاسو وغانا وبنين. غير أن تسعة بلدان أخرى لم تحرز أي تقدم ملحوظ على هذا الصعيد منذ العام 2010، حتى أن بلدانا أخرى تراجعت في هذا لمجال، أبرزها جمهورية الكونغو الديموقراطية وزيمبابوي. ومن البلدان الأخرى التي سجلت أداء سيئا جمهورية الكونغو وغابون.

وتبين من التقرير أن الموارد العامة لا تخصص بصورة عاما في القطاعات التي ينبغي التركيز عليها لقلب المعادلة، مثل الصحة والتعليم والزراعة. وأعطى التقرير مثل أنغولا التي تشهد طفرة نفطية “لكنها تسجل أدنى نسبة من الموارد العامة المخصصة للتعليم”، في حين يكفي مجهود مالي بسيط لمضاعفة عدد المدرسين. وجاء في التقرير ان “النمو الاقتصادي لا يترافق مع تراجع الفقر كما ينبغي”، لكن المنظمة غير الحكومية شددت على أهمية التعاون الدولي لتسريع وتيرة تخفيض الفقر.

ويذكر ختاما أن الأهداف الإنمائية للألفية التي حددتها الأمم المتحدة في العام 2000 تقصى بالخفض إلى النصف نسبة الفقر المدقع والجوع في العالم، وذلك بحلول العام 2015. وهي تقيم أيضا التقدم المحرز في مجال مكافحة الايدز ووفيات الأمهات والأطفال وتوسيع الحصول على المياه والاستفادة من التعليم؟

افريقيا تحتفل

في السياق ذاته احتفل القادة الافارقة في اديس ابابا بمرور خمسين عاما على جهودهم نحو وحدة القارة بالرغم من حصيلة متفاوتة، معربين عن الأمل في ان يسمح الازدهار الاقتصادي الحالي في افريقيا في نهاية المطاف بتحقيق ما راودهم من احلام مع الاستقلال والتخلص من نير الاستعمار. وقال هايلي مريم ديسالين رئيس وزراء اثيوبيا “ان الاباء المؤسسين (للوحدة الافريقية) اتفقوا على تأسيس منظمة الوحدة الافريقية مع فجر حركات الاستقلال قبل خمسين عاما، ومن المناسب ان نلتقي مجددا اليوم في وقت تنهض فيه افريقيا”. وفي تحيته لمؤسسي مشروع الوحدة الافريقية حدد ديسالين هدفا افريقيا جديدا ل”بناء قارة خالية من الفقر والنزاعات ينعم فيها مواطنونا بوضع بلد متوسط الدخل”.

واقرت رئيسة مفوضية الاتحاد الافريقي الجنوب افريقية نكوسازانا دلاميني-زوما من جهتها “بان الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي اللذين تحدث عنهما مؤسسونا لا يزالان بعيدي المنال الى حد ما كما لا يزال التفاوت الاجتماعي قائما”. وقالت من على منصة المقر الجديد للاتحاد الافريقي الذي بنته ومولته الصين، “ان تحدثنا عن حلول افريقية للمشكلات الافريقية فذلك لاننا نعلم انه ليس بامكاننا اسكات السلاح الى الابد الا اذا تحركنا بشكل متضامن وموحد”.

ورئيس الدولة الاوروبية الوحيد الذي حضر هو الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. وقال هولاند الذي وصل الى اديس ابابا امام بعض الصحافيين “ان امن افريقيا مسالة تخص الافارقة، الا ان ذلك لا يمنع بلدا مثل فرنسا او اوروبا من تقديم الدعم”. وتتدخل فرنسا عسكريا في مالي لصد المتمردين الاسلاميين في الشمال.

ولفت وزير الخارجية الاثيوبي تيودروس ادهانوم اثناء لقاء مع وزير الخارجية الاميركي جون كيري، بخصوص هجومين انتحاريين اسلامين اوقعا نحو عشرين قتيلا في شمال النيجر، “ان الارهاب بات تهديدا جديا لافريقيا ان ما يحدث في النيجر ليس حالة معزولة”. وحضر حفل الافتتاح فضلا عن جون كيري رئيسة البرازيل ديلما روسيف والامين العام للامم المتحدة بان كي مون..

وقال كيري للصحافيين “ان افريقيا تتغير بعمق ما يحث العديد من الدول، (مثل) روسيا والصين والبرازيل واليابان واخرى على الاستثمار فيها للاستفادة من الامكانات الاقتصادية. والولايات المتحدة جاءت متأخرة في هذا المجال وعلينا تغيير ذلك”. اما الصين التي تستثمر منذ سنوات بشكل كثيف في افريقيا، فكانت البلد الوحيد الذي تم شكره بالاسم من على منصة الاتحاد الافريقي. وعبر رئيس الوزراء الاثيوبي عن “امتنانه الكبير للصين التي استثمرت مليارات من اجل دعم جهودنا في تنمية البنى التحتية”. بحسب فرانس برس.

واذا كان عدد الحروب في انخفاض عموما في افريقيا فان الوضع الاجتماعي الاقتصادي يبقى متفاوتا بالرغم من تحقيق بعض التقدم. فخلال السنوات الخمسين الماضية سجل تحسن كبير في مؤشرات التنمية في افريقيا في مجالات الصحة والتعليم ووفيات الاطفال والنمو الاقتصادي والادارة الرشيدة. وتشهد بعض دول افريقيا نموا اقتصاديا بوتيرة تعتبر الاسرع في العالم بحسب صندوق النقد الدولي. لكن بحسب مؤشر التنمية البشرية للامم المتحدة فان البلدان الاثني عشر الاقل تطورا في العالم تقع ايضا في افريقيا.