النقد سبيل النهضة

السمة البارزة للمجتمعات التقليدية تتجلى في حالات الرتابة والجمود، واجترار الماضي، والتغني بأمجاد الاجداد والاسلاف، ومحاربة نقد الماضي، والوقوف في وجه تمحيص منتجات الاسلاف، ورفض الخروج عن مألوف الفكر والثقافة والسلوك. ويبدو أن هذه الخصال والسمات المأساوية لا تسمح للمجتمع التقليدي ولوج حلبة التفكير وإعادة النظر في مسلمات الفكر والاجتماع والسياسة التي اكتسبت قداسة بالقدم والممارسة الجماعية أللا واعية.

وليس ثمة سبيل لهذا المجتمع إذا ما أراد يوما النهوض والمشاركة في النهضة الانسانية القائمة إلا بمراجعة جادة لمنظومته الفكرية والثقافية ومناهجه التعليمية، من خلال مناهج البحث العلمي الحر وأساليب الاستقصاء والنقد العقلاني بمعزل عن إكراهات منهج التقديس والتمجيد وسلطة الأنا المركزية… نحن شعب الله المختار… ولو كان خيرا ما سبقونا إليه!!

فإذا كان ذلك كذلك، فلا ينبغي للعقلاء أن يكتفوا بالتربيت على أوضاع الناس المتدهورة، ومناهجهم الحشوية، واعتقاداتهم المخلوطة بالاسطورة، وإنما بفتح مجالات واسعة للحوار التنويري والنقد العلمي، والخروج عن مألوف وسطوة الميثولوجيا، وإعادة تقييم كل ما هو سائد من اعتقادات ونصوص مؤسسة ومدونات وتأويلات بغية فرز الدين من أشكال التدين، والقيمة من الذات، والنص المنزل من النص المؤول، ومن نطاق الغموض والابهام إلى نطاق التمييز والوضوح، لإحداث نقلة فريدة عبر حركة نقد وتجديد وإقناع بكافة المناهج والوسائل التنويرية الحديثة.

لا سيما وأن الخروج عن المألوف وسطوة الميثولوجيا إلى عالم البحث العلمي، وإعادة النظر في مسلمات تراثنا بالمنطق العلمي بعيدا عن منطق التمجيد وأساليب الانفعالات والهيجان، قد يكون أولى واجبات حملة رسالة الفكر والتجديد في مرحلته الحضارية الراهنة التي لا يزال منهج التقديس والتمجيد والتصنيم يحكم فيه بصورة رهيبة، والتي لا يمكن أن تخلف سوى الاستلاب والاغتراب والبعد عن التفكير والتجديد والابداع وتحقيق الاقلاع الحضاري في نطاق الفكر وقيم المجتمع وثقافته.

ويبدو أن سمات التخلف في المجتمعات التقليدية تتشابه لحد كبير، فهي تتقاسم وتتقاطع في تمجيد الاسلاف، وتقديس المفاهيم، ونبذ النقد والتجديد ولو كان النقد والتجديد بقصد البناء والتطوير والابداع والخروج من حالات التخلف التي تعيشها تلك المجتمعات. والغريب أن تلك السمات تشكل جزءا لا يتجزأ من ذاكرة وضمير المجتمع المتخلف الذي لا يهون عليه نقدها وتجديدها ناهيك عن هدمها والتمرد عليها، وكأن لسان حاله يردد(…إنا وجدنا أبائنا على أمة وإنا على أثارهم مهتدون…ومقتدون….) ولو كانت مقولات الاباء والاسلاف خارج نطاق اهتمامات وقضايا مجتمعه، وتزيد من معاناته وتخلفه وقد يكون فيها حتفه… ( أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) !!

فآنى لمجتمع هذا منطقه وفكره أن يتبنى عملية البحث العلمي الحر والنقد المستمر وإخضاع المفاهيم للاستقصاء والتقصي والغربلة واستنطاق تاريخ انتاج المفاهيم بكل حيثياتها واشكاليتها. لأن هذه المجتمعات التقليدية لا زالت تعتبر طرق واساليب البحث العلمي في تلك المجالات من المحرمات والمكفرات، بل تظنه تقويضا لبنيان مفاهيم ومسلمات المجتمع، وكفى بذلك جريمة وخيانة توجب الردة والقتل، كما فعل مع العلماء الرواد القلائل الذين حاولوا إخضاع بعض المفاهيم والمسلمات للنقد العقلاني، فقد قوبلوا بهجوم شرس وسخرية وتسفيه وتكفير ما أقنع باقي العقلاء بعدم محاولة الاقتراب من ذلك التيه الحافل بالمخاطر، وهكذا تراكمت الاساطير حول تلك المفاهيم جيلا بعد جيل مما جعل تبني البحث العلمي الحر وإخضاع المسلمات لذلك مهمة في منتهى الصعوبة.

ولعل في تجربة تحول مجتمعات الغرب الحديثة حين تبنت مبدأ البحث العلمي والاستقصاء وإخضاع المسلمات والمفاهيم الحاكمة والسائدة في المجتمع؛ يعد نموذجا عمليا لمرحلة التحول من التقديسة إلى العقلانية، ومن الصنمية إلى الانسانية، حيث رفضت مجتمعات الغرب الحديث منذ عصر التنوير والثورة العلمية كل منهج قبلي وكل معطى سابق في عملية التفكير والاستقصاء والنقد والتجربة، وبذلك تمكنت من اكتشف تاريخية كثير من المسلمات والمفاهيم التي كانت في دائرة المقدس والمطلق بفعل تراكم الخرافات حولها، وتسفيه وتكفير كل من تسول له نفسه نقدها  والتمرد عليها.

ويبدو أن المجتمع التقليدي في منطقتنا بحاجة ملحة لتبني مناهج البحث العلمي الحر، وإخضاع كثير من المسلمات والمفاهيم والعلوم الدينية لأضواء العقل وميزان النقد، مستبعدا كل مناهج التلقين والحشو والتمجيد، ولا يثنه هذا المسار عن الانتصار لقضايا الإيمان والماروائيات بطريق العقل البديهي والحدس. وبهذا وحده يمكن أن يبني فكرا حضاريا وينشىء حضارة حقيقة تستهدي الحقيقة وحدها دون تهيب أو خوف من إكراهات المجتمع، وسطوة التاريخ، وبالتالي يوقد شمعة معرفية في آخر نفق الجمود والتخلف والميثولوجيا

موقع نقد معرفي

غشت 2013.