توقع الاطاحة بمسؤول مغربي كبير وتحميله مسؤولية فضيحة العفو عن مغتصب الاطفال وخطاب الملك لم يخفف الاحتقان

file1375390941

الرباط ـ “القدس العربي” من محمود معروف: لم يبدد بلاغ القصر الملكي القلق المغربي بشأن عفو الملك محمد السادس عن مواطن اسباني مدان باغتصاب اطفال مغاربة والذي تبعته احتجاجات واسعة بمحتلف المدن المغربية ووجه بعضها بعنف مفرط من قبل السلطات الامنية.

وأصدر الديوان الملكي بلاغا، مساء الجمعة، يؤكد عدم مسؤولية الملك محمد السادس عن منح العفو للبيدوفيل الإسباني دانييل غالفان المدان بـ30 سنة سجنا على خلفية اغتصابه 11 طفلا في مدينة القنيطرة قبل أن يخلى سبيله مع حلول الذكرى الـ14 لعيد العرش.

وقال الديوان الملكي إنّه لم يتم بتاتا إطلاع الملك محمّد السادس، بأي شكل من الأشكال وفي أيّة لحظة، بخطورة الجرائم الدنيئة المقترفة التي تمّت محاكمة المعني بالأمر على أساسها.. واضاف “من المؤكّد أن الملك لم يكن قط ليوافق على إنهاء إكمال دانييل لعقوبته بالنظر لفداحة هذه الجرائم الرهيبة..”.

وجاء بلاغ الديوان الملكي كتقديم العناصر الإخبارية والتوضيحات لملابسات قرار العفو الى الرأي العام وقال انه ” لم يتم بتاتا إطلاع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بأي شكل من الأشكال وفي أية لحظة بخطورة الجرائم الدنيئة المقترفة التي تمت محاكمة المعني بالأمر على اساسها” ومن المؤكد انه لم يكن قط ليوافق على إنهاء إكمال دانيل لعقوبته بالنظر لفداحة هذه الجرائم الرهيبة التي اتهم بها”.

واوضح البلاغ ان الملك “الحامي الأول لحقوق الضحايا، وفضلا عن ذلك الأطفال وعائلاتهم، لن يدخر أي مجهود لمواصلة إحاطتهم برعايته السامية. وتبرز مختلف مبادرات صاحب الجلالة بالتأكيد، تمسك العاهل الكريم بمجموع القيم الأخلاقية الثابتة، وبمركزية النهوض بحقوق الإنسان وحماية الطفولة وكذلك الدفاع عن المجتمع المغربي ضد أي مساس به، وكل الأعمال المدانة من قبل الضمير الإنساني.

واعلن ان الملك قرر “بمجرد أن تم إطلاعه على عناصر الملف، أن يتم فتح تحقيق معمق من أجل تحديد المسؤوليات ونقاط الخلل التي قد تكون أفضت لإطلاق السراح هذا الذي يبعث على الأسف، وتحديد المسؤول أو المسؤولين عن هذا الإهمال من أجل اتخاذ العقوبات اللازمة. وستعطى التعليمات أيضا لوزارة العدل من أجل اقتراح إجراءات من شأنها تقنين شروط منح العفو في مختلف مراحله”.

واذا كان البلاغ استبعد مسؤولية الملك شخصيا عن العفو الذي منح للاسباني مغتصب الاطفال المغاربة، فانه اتى بسياق تقارير صحفية تتحدث منذ انطلاق الاحتجاجات على مسؤولين بالقصر سيحملون المسؤولية، دون ان تحدد اسماء هؤلاء المسؤولين، في وقت تتصاعد فيه هذه الاحتجاجات.

وللمزيد من التوضيح خصصت وكالة الانباء المغربية الرسمية قصاصة مطولة وصفت فيها الاحتجاجات بـ”التأثر المشروع″ والصادق مع الضحايا لكنها قالت انه “يجب ان يتخذ الأشكال التي تسمح بها دولة الحق والقانون والتي توفرها حياة اجتماعية منظمة وإمكانيات العمل الجماعي التي يتيحها القانون في بلد ديمقراطي” وتحكيم العقل و”لا ينبغي البتة أن يمنح خصوم بلادنا المعروفون وأعداء أمتنا المألوفون فرصة ذهبية للإساءة للمغرب وتلطيخ صورته وصورة مؤسساته”.

وحذرت الوكالة من ان “محاسبة سياسوية رخيصة لجلالة الملك بسبب هذه القضية غير اللائقة ينم عن جهل كبير بالقيم الحقيقية التي تتشبع بها الأمة المغربية وعن عدم تبصر، قد يكون متعمدا على اعتبار سوء النية التي تحكمه”.

وطغى نقاش بلاغ الديوان الملكي على نقاشات المغاربة على الفايسبوك وتويتر وتباين الاراء بين مرحب ومدافع عن الملك ومدين للهجمة على الملك محملا المسؤولية لمسؤولين اخرين ويعتبر البيان “شجاعة من الملك” لان فيه اقرارا “ضمنيا بالاعتذار” وان الملك طوى هذا الملف نهائيا بمجرد صدور البيان، محذرة من وجود مخطط يستهدف الملك محمد السادس وان هناك من يحركه بغرض الاساءة اليه وتشويه سمعته.

وقال موقع لكم يوم الخميس الماضي ان مسؤولا رفيع المستوى في الدولة اتصل بالعديد من المواقع الإلكترونية والصحف والوكالات الأجنبية المعتمدة في المغرب لتسريب خبر عن قرب اتخاذ قرار يطيح بمسؤول “سام” داخل الدولة بعد تحميله مسؤولية قرار العفو” وأن التعليمات صدرت إلى قيادات الأحزاب السياسية بالتزام الصمت وعدم التعليق على تفاعلات الفضيحة التي اتخذت أبعادا شعبية. وطبقا لنفس المصادر فقد طلب من قيادات الأحزاب الاكتفاء فقط في حال إصدار بيانات المطالبة بفتح تحقيق حول ملابسات استفادة مغتصب الأطفال من العفو الملكي.

وقال لكم “إن الهدف من تسريب هذا الخبر هو امتصاص الغضب الشعبي الذي عبرت عنه الاحتجاجات ضد قرار العفو الملكي في أكثر من مدينة مغربية. وبعد تسريب هذا الخبر ينتظر أن تقدم الدولة “كبش ضحية” كقربان للتغطية على الفضيحة التي اتخذت أبعادا أكبر بعد أن اكتشف أن المغتصب هو جاسوس مزدوج اسباني أمريكي ساهم في تسريب معلومات إلى المخابرات الأمريكية قبل غزوها للعراق عام 2003، وقامت السلطات الأمريكية بتواطؤ مع نظيرتها الاسبانية بمنحه جنسية اسبانية قبل إرساله إلى المغرب كملجأ له”.

ولم تنتظر الاحزاب كثيرا لتؤكد تقرير لكم حيث انهالت بلاغات الاحزاب قبيل او بعد بلاغ القصر الملكي تطالب بتشكيل لجنة تحقيق بملابسات العفو الملكي وهو ما يرسخ الصورة التي رسمتها هذه الاحزاب لنفسها امام الرأي العام من كونها فاقدة للمبادرة وطرح الاسئلة حول القضايا الكبرى والنأي بنفسها عن الاحتجاجات التي عمت المدن المغربية باستثناء بعض قيادييها الذين شاركوا بمبادرة شخصية. بل ان حزب العدالة والتنمية، الحزب الرئيسي بالحكومة، ومعه احزاب تاريخية بالمعارضة، لا زال رسميا يلتزم الصمت، ولم يطلب حتى تشكيل لجنة تحقيق. وتبقى بلاغتها التي بدأت تنهال بعد بلاغ الديوان الملكي ليس فقط فاقدة للتأثير والمصداقية، بل تبدد ما تبقى لهذه الاحزاب من مصداقية.

وبالتأكيد ان مسألة العفو وملابساته وارتباطه بالعاهل المغربي جعل “الصمت” والتحذير من مخاطر المس بالملك وبالامن والاستقرار وخدمة “خصوم المغرب” خيارا للاحزاب وايضا منظمات المجتمع المدني الناشطة في ميدان حماية الطفولة والتي بعد ان التزمت الصمت على العفو او بررته اسرعت باصدار بلاغات التأييد لبلاغ القصر الملكي.

وبالنسبة للصحف قال الناشط نجيب شوقي “الأكيد ستخرج علينا يوم الاثنين كل الصحف اليومية بعناوين متشابهة من بينها مثلا:” في بلاغ تاريخي وفي سابقة من نوعها الملك يتفاعل مع الشارع الغاضب”، ولما لا عنوانا كهذا “الملك محمد السادس ينتصر للمغاربة ويتوعد المسؤولين عن فضيحة “دنيال”…الخ. ولعلمكم هي خرجات يهندس لها من جهات معلومة في الظل من أجل قطع الطريق على أي انتصار لحفظ كرامة المغاربة وحقوقهم.

ويضيف شوقي “سنقرأ في نفس الجرائد يوم الاثنين تصريحات للنخب السياسية الحزبية والجمعوية المقربة من السلطة والتي ضربت “الطم” طيلة ثلاثة أيام، منتظرة الإشارات المولوية.  لكن بعد البلاغ حان وقت خروج هذه النخب المفلسة للعلن، لكي تحلل وتنظر وتؤول مضمون البلاغ، وفق منطق انتهازي مقيت تعودنا عليها منذ أن باعت الحراك الشعبي، في معركة الدستور الممنوح الذي لا يضمن فصلا للسلط ولا يربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، مما تسبب في مأساتنا اليوم.”

بالمقابل وجدت الاحزاب اليسارية والاسلامية المعارضة في العفو الملكي عن الوحش الاسباني فرصة لتجديد موقفها من الملكية وسلطات الملك والاصلاحات السياسية والدستورية ولتقود الاحتجاجات في المدن المغربية ولتتخذ من قمع السلطات لهذه الاحتجاجات واستخدام العنف المفرط حجتها على “عدم ديمقراطية” النظام.

ونددت جماعة العدل والإحسان ذات المرجعية الاسلامية شبه المحظورة بالعفو الملكي عن  مغتصب الأطفال دانييل فينو كالفان واعتبرته “إهانة لكرامة المواطن المغربي، وإفلاتا من العقاب، في الوقت الذي تتابع فيه الدولة إصرارها على الاعتقال السياسي في حق الإسلاميين السلفيين، ومناضلي حركة 20 فبراير، والسياسيين”.

ودعت الجماعة كافة الفاعلين السياسيين والحقوقيين من أجل إبداء المزيد من التضامن و ذلك للدفاع عن كرامة المواطن المغربي وحقوقه وردا على البلاغ الملكي عبر عمر احرشان القيادي في جماعة العدل والاحسان في صفحته على الفايسبوك عن استغرابه لتوقيت وصيغة وخلاصات وفلسفة بلاغ الديوان الملكي بخصوص فضيحة العفو الملكي عن مغتصب 11 طفلا مغربيا واوضح انه كان بلاغا صادما.

كما تحدث عن تأخير نشر هذا البيان واوضح ان صياغته كانت تقليدية ومحشوة بلغة مخزنية قديمة لا تتماشى مع سباق الأحداث والوعود التي أطلقت منذ 2011، بل إنه كان فرصة أخرى لتذكيرنا بتلك اللغة الخشبية التي تصلح لكل شيء إلا التواصل والإقناع لمحاولة ربح الوقت والسعي من حيث فلسفته إلى تبرئة الملك من أية مسؤولية رغم أن العفو اختصاص ملكي ويصدر باسم الملك ومن يشتغلون على الملف ليسوا إلا موظفين إداريين.

وعبرت اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين عن استغرابها واستنكارها من استفادة من وصفته “السفاح مغتصب” الإسباني دانييل، من عفو ملكي وقالت “كان الأولى أن يستفيد منه (العفو الملكي) مئات المظلومين المغاربة على رأسهم المعتقلون الإسلاميون في إطار قانون مكافحة الإرهاب”، مشيرة أن منهم “من اغتصبت كرامته وانتهك عرضه”.

وأشارت اللجنة إلى “حادث هتك عرض أربعة معتقلين إسلاميين، خلال شهر رمضان، بواسطة عصي أدخلت في أدبارهم بسجن تولال 2 بمكناس.. كما لا تزال صرخة المواطن المغربي بوشتي الشارف تصم الآذان حول موضوع إجلاسه على القنينة – وفي شهر رمضان- بمعتقل تمارة”.

وجددت الهيئة الحقوقية مطالبها بإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، معتبرة أن العفو عن “دانييل” تبخرت معه “آمال المئات من الأطفال والأمهات والزوجات في معانقة ذويهم المظلومين الحرية بهذه المناسبة”.

وادان تجمع ضم الحزب الإشتراكي الموحد، النهج الديمقراطي، حزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي، حزب المؤتمر الوطني الإتحادي، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حركة 20 فبراير، النقابة الوطنية للتعليم العالي، شبيبات تجمع اليسار، فصيل طلبة اليسار التقدمي وهو تجمع ليساريين ديمقراطيين معارضين قرار العفو الملكي واعتبرته خرقا سافرآ لحقوق الضحايا ومسّا بكرامة الشعب المغربي وطالبت الملك محمد السادس لاعتذاره للشعب المغربي وإلغاء اجراءات العفو الجاري بها العمل، ومحاسبة المسؤولين عن تنفيذ هذا القرار وبدستور ديمقراطي يضمن فصلا حقيقيا للسلط على قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

من جهة اخرى تجددت اشكال الاحتجاج على العفو الملكي عن المغتصب الاسباني اذ بالاضافة الى التظاهرات والوقفات في جل المدن المغربية رغم العنف الذي تتعاطى به السلطات مع المحتجين  أقدم مواطن مغربي من مدينة فاس، يوم السبت على حرق جواز سفره، واعلن محمد الكنياري المستشار بجماعة الزيتون بمدينة تطوان استقالته من المجلس احتجاجا على “ذمة هذا المغتصب وعلى العفو الذي ناله ولا نعرف كيف ناله “وقال أيضا: انا كمستشار اقدم استقالتي من اليوم ولا رجعة فيها لأني لا يمكنني العمل في ظل حكومة كان عليها أن تقدم استقالتها وأنا أنوب عنها في تقديم استقالتي ” مضيفا: لا تشرفني هذه الحكومة” .

 وتابع قوله مؤكدا، انه تعرض للاهانة واتم لاعتداء عليه بالشارع من طرف قوات الأمن بتطوان، إلى جانب تعرض آخرين للقمع والاعتداء بطريقة غير حضارية، ولهذا السبب ” وعلى ذمة هذا العفو أقدم استقالتي من مجلس جماعة الزيتون فلا يمكنني أن أعمل في ظل هذه الحكومة المتواطئة”.

وطلبت مواطنة مغربية تحمل الجنسية الهولندية من وزير العدل سحب جنسيتها المغربية التي باتت مسخرة امام العالم وقالت “سميؤرة الحنكوري في رسالتها “كوني مغربية أصبحت أحس بأني “مسخرة” بعد تداول وسائل الإعلام الدولية لخبر العفو، وما تلاه من قمع حديدي لمن حاول إظهار امتعاضه عن هذا القرار، لهذا أطالبكم بإسقاط الجنسية المغربية عني ابتداءً من تاريخ عيد العرش المنصرم، أي تاريخ إصدار العفو الملكي”..