imagesCATOGEEZ
مجتمع المعرفة في اليابان والدروس المستفادة عربياً
د. مسعود ضاهر
تحاول هذه الورقة الإجابة على تساؤل مشروع حول قدرة العرب على مجابهة مشكلاتهم بالاستفادة من تجربة اليابان وباقي الدول الآسيويّة في بناء مجتمع المعرفة،
عبر تنشيط العلوم العصريّة والتكنولوجيا المتطورة لتنمية الوعي العقلانيّ والحسّ النقديّ لدى الأجيال المتعاقبة من الشباب العربيّ. لكن تحقيق ذلك الهدف يحتاج إلى إصلاح ثقافيّ، بنيويّ وشموليّ، وتوظيف العامل الثقافيّ لنشر التنمية البشريّة والاقتصاديّة المستدامة، وبناء الإنسان الحرّ والمجتمع المنتج والمستقرّ.
أضواء على تشكل مجتمع المعرفة في الياباناعتمدت اليابان في نهضتها الحديثة التي بدأت مع إصلاحات الإمبراطور المتنور “مايجي” عام 1868م سياسة عقلانيّة في مجال الاستفادة من ثمرات العلم والتكنولوجيا التي كانت متاحة لدى الدول المتطوّرة. وكانت البلاد قد عاشت عزلة طويلة تجاوزت القرنين ونصف القرن، منطوية على ذاتها، ومكتفية بعلومها التقليديّة.ولم تكن لدى اليابان سوى موانئ صغيرة جداً منفتحة على ثقافات أوروبا وأميركا، وموضوعة تحت حماية مشدّدة من جانب الحكم العسكريّ بقيادة “الشوغون”.

لذلك كان لسياسة الانفتاح التي اعتمدها الإمبراطور “مايجي” أثر بارز في تعزيز تفاعل الشعب اليابانيّ مع ثقافات الشّعوب الأخرى، من دون عقد أو مركّب نقص.

تجدر الإشارة إلى أنّ اليابان عبر تاريخها الطويل أظهرت اهتماماً كبيراً بثقافات الشّعوب الأخرى. ولشدّة انفتاحها، هناك من يبالغ في التشكيك بخصوصيّة اليابان الثقافيّة وفي هويّة التراث الذي يفاخر به اليابانيّون. فاللغة اليابانيّة الكلاسيكيّة، المعروفة باسم “الكانجي”، مقتبسة عن الصين، ومعها حفلات تقديم الشّاي، وتنسيق الزهور، والرسم المسند إلى الحروفيّة اللغويّة، ولباس الحرير أو الكيمونو، وموسيقى النو، ومسرح الدمى، ومسرح الكابوكي، وغيرها الكثير. أمّا طقوس الاحتفالات الشعبيّة المصاحبة للديانة البوذيّة فوفدت إلى اليابان من الهند عبر كوريا.

في مرحلة الإصلاحات، تبنّت اليابان العلوم العصريّة والتكنولوجيا المتطورة المقتبسة مباشرة عن أميركا وأوروبا. فردّ اليابانيون بأن التراث العلميّ، أو الدينيّ، أو الإبداعيّ ليس ملكاً لصاحبه أو لدولة بعينها بل للإنسانيّة جمعاء. ويقدمون الدليل على أنّ عدداً كبيراً من منتجي الثقافة والإبداع والفنون طردوا من أوطانهم الأصليّة ولاقوا الترحيب لدى حكّام ومؤسّسات دول أخرى.

عندما تأسّست أوّل وزارة للتربية في اليابان عام 1872م، رفعت على الفور شعار: “لن يبقى أمّي واحد في اليابان”. وتظهر السيرة الذاتية للإمبراطور “مايجي” أنّه بقي شديد الحرص طوال أيّام حياته على منح جميع اليابانيين فرصة التعليم. فاحتفلت وزارة التربية عام 1896م بمحو الأميّة في اليابان وتأمين الدراسة لجميع الطلبة.

اليوم، يشترط بطالب العمل أو الوظيفة الحصول على الحدّ الأدنى للتحصيل العلميّ في اليابان، وهو إنهاء المرحلة الثانويّة. ولا يسمح للطالب بالعمل في أيّ من أجهزة الدولة أو المصانع أو الشركات اليابانيّة قبل الحصول عليها. والأهمّ من ذلك أنّ مؤسسات التصنيف التربويّ اتّخذت قراراً حدّدت بموجبه تعريفاً جديداً للإنسان (الأمي) في عام 2000م، بأنّه من لا يتقن وظائف الكومبيوتر، وليس فقط من لا يحسن القراءة والكتابة، على غرار ما هو معتمد لتعريف الأميّة في الدول النامية، ومنها الدول العربيّة.

اعتمد اليابانيّون الترجمة المكثفة عن الثقافات الأخرى كلّ ما هو مفيد لترقية بلادهم. وتمثلوا مقولات ثقافيّة لدى الشّعوب الأخرى بعد أن أعطوها سمة يابانيّة واضحة المعالم. فطوّروا الكانجي الصينيّ، وأضافوا إليه لغة حروفيّة خاصّة باليابان، معروفة باسم “الكاتاكانا”، و”الهيراغانا”. كذلك طوّروا باقي الفنون التي اقتبسوها عن الآخرين وأضافوا إليها سمات يابانيّة أصيلة لم تكن معروفة سابقاً. حتّى أنّ اليابانيين أنشأوا ديانة الشنتو الخاصّة باليابان، بعد أن حافظت الديانة البوذيّة على طقوسها التقليديّة.

واللافت للنظر أنّ الشّعوب التي تدين بالبوذيّة بدأت تعتمد أسلوب اليابانيين في ممارسة طقوس البوذيّة، وفق النماذج التي أطلقتها فرق الشنتو، والزان، وغيرها.

ومنذ بداية إصلاحات مايجي، ترجم اليابانيون الكثير من الكتب والدراسات، في مختلف حقول المعرفة، ونقلوها عن اللغات الأجنبية إلى اللغة اليابانية. وكان الهدف منها تثقيف الشعب اليابانيّ بالعلوم العصريّة وأسرار التقنيات العلميّة المتوافرة لدى الدول المتطوّرة في مختلف دول العالم. واستمرت تلك السياسة بوتيرة متصاعدة حتى الآن.

وكانت الترجمة، والرحلات، والمشاهدات العيانيّة، نوافذ عملية وعقلانية للتعرف على تراث الشعوب الأخرى. ولم يكتف اليابانيون بنقل التجارب الآخرين بل تمثلوها وحوّلوها إلى جزء لا يتجزأ من شخصيّة الإنسان اليابانيّ. وكانت ثمرة تلك التجربة أنّ اليابانيّ بات على استعداد دائم للتعلم من تجارب الآخرين، من دون عقد أو مركّبات نقص. وهي تنبع من نصيحة الإمبراطور المتنوّر مايجي حين خاطب اليابانيين في بداية النهضة بقوله: “الحقوا بالغرب وتجاوزوه”.

لحق اليابانيون بالغرب كتلميذ يُريد التفوّق على معلمه. وهذا ما أشار إليه المفكّر الجزائريّ مالك بن نبي بقوله: “الفارق العظيم بين الصلة التي ربطتها اليابان بالحضارة الغربية وبين صلتنا بها. إنّ اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون. إنّها تستورد منها الأفكار خاصّة ونحن نستورد منها الأشياء خاصّة. إنها كانت خلال سنوات 1868 – 1905م تنشئ حضارة، وكنّا نشتري بضاعة حضارة. فكان البون بيننا شاسعاً والخلاف جوهرياً، يؤدّي حتماً إلى ترجيح كفة اليابان كما بيّنا في الموازنة التي عقدناها لسنة 1905م”.

بعد أن أنجز اليابانيون الخطوة الأولى لنقل العلوم العصرية وتوطين التكنولوجيا الغربية سارع الإمبراطور مايجي إلى إصدار قرار آخر يحصّن تجربة التحديث اليابانية من مخاطر السقوط في دائرة التغريب الذي يفضي إلى تبعية لا انفكاك منها للغرب. فأطلق شعاره الشهير: “التكنولوجيا غربيّة أمّا الروح فيابانيّة”. وكانت تلك المحاولة تهدف إلى تلافي سلبيّات نقل التكنولوجيا ومضارّها الكثيرة على التقاليد الموروثة التي يفتخر بها اليابانيون ويعتبرونها من أبرز خصوصيّات مجتمعهم. فنجحوا في بناء نهضة جديدة تجمع بين الحداثة والمعاصرة بشكل عجزت عنه الدول الأوروبيّة والأميركيّة نفسها، وتحوّلت التجربة اليابانيّة في التحديث إلى نموذج يحتذى لدول النمور الآسيويّة.

تندرج مقولة بناء مجتمع المعرفة في إطار المسألة الثقافية بمدلولها الشموليّ الذي يتضمن التعليم العصري، والترجمة، والفنون، والبحث الأكاديمي، والتكنولوجيا وغيرها.

وبإيجاز شديد للغاية يمكن القول بأنّ بناء مجتمع المعرفة في اليابان لا يفهم إلا انطلاقاً من تحليل ركائز المسألة الثقافية فيها. إذ تؤدّي الثقافة الدور الأساسيّ في نشاط القطاعين العام والخاص معاً، وعلى مستوى جميع المؤسّسات التربويّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والماليّة اليابانيّة، وبصورة تكامليّة.

لذلك تقدّم اليابان نموذجاً متقدّماً للدولة التنمويّة التي ترعى الثقافة والإبداع. وهناك أمثلة لا حصر لها تظهر بوضوح تامّ ما تقوم به حكومة اليابان ومؤسساتها الخاصّة في مجال بناء مجتمع المعرفة، وتشجيع التعليم، والبحث العلميّ، والإبداع في مختلف المجالات. وتقدّم العائلة اليابانيّة أقصى ما تستطيع لتعليم أبنائها، ولا تتقاعس الشركات الخاصّة أو مؤسّسات الدولة عن مساندة الطلبة اليابانيين لتحصيل أعلى الدرجات العلميّة، أو تأمين العمل لهم، أو مدّهم بقروض مالية ميسّرة لإتمام دراساتهم. وهي تعتبر من الدول التي تصرف بسخاء لدعم التعليم، ومساندة الباحثين الشباب، وتأمين موازنة كبيرة ومستمرّة لمراكز الأبحاث والتطور التكنولوجيّ. علماً أنّ توجيهات الحكومة والدعم السخيّ الذي تقدّمه المؤسّسات الماليّة تضع مراكز البحوث العلميّة اليابانيّة أمام مسؤوليّات وطنيّة وقوميّة يتطلب تنفيذها القيام بالعمل المضنيّ الذي اشتهر به اليابانيون في مختلف مجالات البحث، والإنتاج، وزيادة ساعات العمل مع تقليص حادّ في العطل الأسبوعيّة والسنويّة.

تمسّكت الحكومات اليابانيّة المتعاقبة بشعار ثقافيّ بالغ الأهميّة هو: “التعليم حقّ مقدّس لجميع اليابانيين”، على أن تتحمّل نفقاته الدولة أو الأهل أو الشركات الخاصّة تبعاً لقدرة كلّ منها، والشعور بالمسؤولية الإنسانية والقومية الملقاة على عاتق على جهة. فاليابان بين قلة من الدول التي لا يشعر الطالب فيها بانسداد السبل أمام تحصيله العلمي لنقص في المساعدات المالية الضرورية.

يصنف الباحثون التربويون النظام التعليمي في اليابان بأنّه مرهق جدّاً، ويعرض الطالب إلى منافسة حادّة تولد أزمات نفسيّة تصل إلى آلاف حالات الانتحار سنوياً؛ لكنّه في نظر اليابانيين من أفضل أنظمة التعليم في العالم؛ فهو يقدّم للطالب أطول عام دراسيّ من حيث أيّام العمل، وكثافة النشاطات العلميّة المرافقة للتحصيل العلميّ. ولم يول مسؤولو التربية والتعليم في اليابان اهتماماً جدياً بالدراسات النقديّة التي تندّد بقسوة نظامهم التعليميّ. لكنّهم لا يستطيعون تجاهل الإحصاءات الرسميّة التي تؤكد حالات الانتحار السنويّة لدى الطلبة، والأعمال العدائيّة المتزايدة التي يقومون بها ضدّ مدرّسيهم وتصل أحيانا إلى درجة قتل معلم أو الاعتداء بقسوة على معلمة.

برغم ذلك يتمسّك اليابانيون بنظامهم التعليميّ، ويعتبرونه ملائماً جداً لطبيعة المجتمع اليابانيّ؛ لأنّه يساهم في تأهيل أعداد متزايدة سنوياً من الطلاب المتفوقين جداً في تحصيل معرفة متطوّرة في مجالات عدّة. وممّا زاد في تمسّكهم بهذا النظام أنّ تقريراً علمياً دولياً صدر مؤخراً، بإشراف الأونيسكو، دلّ على أنّ الطلبة اليابانيين احتلوا المرتبة الأولى بين جميع طلاب العالم في عدد من فروع العلوم التطبيقيّة، خاصّة في حقل الرياضيّات. ومنهم من يقصر دراسته فقط الفيزياء والكيمياء والفلك والصيدلة والطب وغيرها.

وبنى اليابانيون مراكز أبحاث، وجامعات خاصّة بالطلبة المتفوقين في نوع معيّن من العلوم، كجامعة (تسوكوبا Tsukuba) ذات الشهرة العالميّة، ولأنّها تعدّ المتفوقين إعداداً علمياً مختلفاً عن باقي الطلبة الجامعيين. وتضع لهم برامج دراسيّة خاصّة بهدف اكتشاف مواهب الطلبة، وقدراتهم الذاتيّة، من أجل تطويرها بعد تأمين الشروط الماديّة والتكنولوجيّة الملائمة لتفتحها وإبداعها.

على جانب آخر، إنّ ما تنفقه المؤسّسات الرسميّة والشركات الخاصّة في اليابان على تشجيع الطلبة، والباحثين، والبحث العلمي، والإبداع الثقافيّ والفنيّ يكاد يكون من أرقى ما تقوم به جميع الدول المتطورة. فالباحث الياباني المتميّز، ومن ذوي الكفاءة العلميّة المتطورة، يتمتع برعاية تامّة من جانب مؤسّسات الدولة ومن كثير من الشركات الخاصّة في آن واحد. وبنتيجة الدعم غير المحدود للطاقات العلميّة الإبداعيّة في مختلف حقول العلوم العصرية والتطور التكنولوجي والاكتشافات أصبحت مراكز الأبحاث اليابانيّة في طليعة مراكز البحث العلميّ العالمية، وبشكل خاصّ في مجال التنمية البشرية المستدامة. وتوظّف المؤسسات الرسمية والخاصّة في اليابان توظف نسبة عالية من موازنتها على الأبحاث العلميّة، وتكاد تكون بين النسب الأعلى في العالم.

وبرغم ما عاناه الاقتصاد اليابانيّ من ركود حادّ وأزمات مالية كبيرة منذ أكثر من عشر سنوات، حافظت موازنة البحث العلميّ اليابانيّة على ثبات ملحوظ طوال تلك الفترة، مِمَّا أمّن للباحثين القدرة على مواصلة أبحاثهم، وإقامة أفضل أشكال التواصل مع زملائهم في حقل الاختصاص في مراكز البحث العلميّ العالمية، وذلك عبر شبكة حديثة من وسائل الاتصال والتواصل التكنولوجي.

ولفتت وسائل الإعلام اليابانية الانتباه إلى أنّ حصول عدّة باحثين يابانيين على جوائز نوبل في مجال العلوم البحتة خلال السنوات الخمس الأخيرة يُشكّل اعترافاً عالمياً صريحاً بالدور البارز الذي يلعبه نظام التعليم اليابانيّ في مختلف مراحله من جهة، ودور مراكز البحوث اليابانية في مجالات إنتاج العلوم والتكنولوجيا المتطورة وصناعة الروبوت أو الإنسان الآليّ من جهة أخرى. وأصدرت حكومات اليابان توجيهات صريحة نصّت على ضرورة دعم جميع الباحثين اليابانيين، من مختلف الأعمار وفي مختلف حقول المعرفة الإنسانية، الذين يمتلكون طاقات مميّزة يمكن أن تؤهلهم لنيل جوائز عالمية، وبشكل خاص جائزة نوبل.

دور النخب الإدارية في بناء مجتمع المعرفة في اليابان

أفرزت اليابان نخباً إداريّة قامت في ما بعد بما قد يكون أعظم عمليات التحديث في التاريخ، بل أكثر من ذلك، كانت النخب الحاكمة على استعداد لتتعلم من الآخرين.

وقدم هاربر وصفاً دقيقاً لذهنيّة تلك النخب على الشكل التالي:

“في عام 1868م، قاد الأمير إيواكورا تومومي بعثة مذهلة إلى الخارج. وترك كثير من المسؤولين في الحكومة اليابانيّة وإداراتها مناصبهم بشكل مؤقت. وقاموا بزيارات للولايات المتحدة الأميركيّة وأوروبا في الفترة ما بين 1871 و1873م للإطلاع على التقانة الغربية، وشؤون الحكم والأعمال والمجتمعات هناك. وكانوا يُطبّقون المعرفة التي يكتسبونها على الاقتصاد اليابانيّ”.

لا يقتصر مفهوم النخب الإداريّة في اليابان على الشؤون الاقتصاديّة والمالية وغيرها، بل يتعداها إلى إدارة الأحزاب، والجامعات، والبنوك، والتعاونيّات، والنقابات المهنيّة والحرفيّة، وغرف التجارة، والصناعة، ومؤسّسات الخدمات الاجتماعيّة، وشركات التأمين، ودور النشر، وغيرها. وبعد أن حلّ الغنى الماليّ والاقتصاديّ في اليابان تحول قادة تلك المؤسسات إلى نخب إدارية تتمتع برواتب كبيرة، وكان لها دور أساسيّ في انتشار تلك المؤسسات، وتوسيع رأسمالها، وزيادة فاعليتها، داخل اليابان وخارجها.

تضمّ الإدارة اليابانيّة نخباً مثقّفة ذات خبرة واسعة في العمل الإداري من جهة، وقد آلت على نفسها فضح القوى السياسيّة الفاسدة التي تستغلّ مراكزها العليا في الدولة للإثراء غير المشروع من جهة أخرى.

كانت السمة الغالبة في علاقة السياسة بالإدارة هي بروز صراع -علنيّ أو مضمر- بين السياسيين والنخب الإدارية في مختلف مراحل النهضتين الأولى والثانية في اليابان. وهي تتمتّع بسمة الثبات في العمل، وبالحصانة الإدارية الضرورية من أجل التصدي للطبقة السياسية الفاسدة. وباستثناء شخص الإمبراطور الذي هو رمز الأمة، ليس من سياسي واحد، مهما علت مرتبته، يمكن أن يعتبر فوق الشبهات أو بمنأى عن المساءلة القضائية والمالية. ونالت تلك النخب الدعم الكامل من الإمبراطور، لأنه كان الأكثر حرصاً على تغليب مصلحة اليابان العليا على المصالح الفئوية للسياسيين ورجال المال والأعمال.

على قاعدة إصلاحات مايجي عرفت اليابان نخباً إدارية متماسكة، وتعزز دورها في عهد خلفائه إلى أن باتت اليوم حجر الزاوية في استقرار اليابان واتساع نفوذ شركاتها على المستوى الكوني. وتوزعت النخب الإدارية اليابانية ضمن ثلاث فئات قوية هي التالية:

أ- الفئة الأولى ويقدّر عددها بالعشرات فقط، وتضم القادة العسكريين الكبار، وبعض رجال السياسة، وحاكم البنك المركزيّ في اليابان، ورؤساء مجالس الشركات الكبرى، ورؤساء النقابات المالية، ورؤساء تجمع رجال الأعمال، وغرف التجارة والصناعة، والمنظمات اليابانية الكبرى.

ب – الفئة الثانية ويقدّر عددها بالمئات وتضمّ أعضاء الحكومة، ورؤساء مجالس الشركات والمؤسسات، والمدراء العامين، ورؤساء فروع الشركات الكبيرة، ومدراء البنوك وشركات التأمين ومؤسسات التسليف المالي. هذا بالإضافة إلى ما يزيد قليلاً على قرابة العشرين مليونيراً من الذين يصنفون من كبار أغنياء اليابان.

ج – الفئة الثالثة ذات قاعدة عريضة قوية تعرف باسمPower Elite at Large وهي تضمّ أبرز رجال السياسة، وحكّام المقاطعات أو المحافظين، ورؤساء بلديات المدن الكبرى، وقادة المعارضة، وكبار رجال الإعلام، ومدراء دور النشر، وقادة النقابات ورؤساء تحرير الصحف الكبرى، والتلفزيون، ورؤساء الجامعات، ومدراء مراكز الأبحاث وغيرهم.

حين قررت إدارة الاحتلال الأميركي معاقبة مجرمي الحرب من اليابانيين، وضعت تلك النخب في طليعة القوى الاجتماعية المعرضة للطرد. لذلك حدّدت تقارير القيادة العليا للاحتلال القوى الرئيسيّة التي حكمت البلاد حتى الحرب العالمية الثانية على الشكل التالي: الإمبراطور ومستشاروه، كارتل زيباتسو الاقتصادي، والنخب البيروقراطية أو الإدارية. وقررت إنزال عقوبات صارمة بكلّ من شارك في إدارة اليابان، وعلى جميع المستويات، وذلك بهدف منعها من النهوض مجدداً.

وبعد أن جرّدت الإمبراطور من صفة الألوهة، ونشرت دستوراً جديداً جعل الشعب وليس الإمبراطور مصدر جميع السلطات، أصدرت قرارات تقضي بصرف جميع قيادات البيروقراطيّة العليا ومعاقبة عشرات الآلاف من الإداريين.

لكن تلك القرارات لم تنفذ بسبب التغيير المفاجئ في السياسة الأميركيّة تجاه اليابان بعد اندلاع الحرب الكورية. ثمّ منحت اليابان صفة الدولة الصديقة الأولى في جنوب وشرق آسيا، وقدّمت لها بسخاء المساعدات المالية والاقتصادية والتدريب المهني والتقني. فساهم ذلك التوجه في تنشيط الإدارة اليابانية على أسس عصريّة. فاستعادت النخب اليابانية دورها السابق على أسس جديدة وعادت لتؤدّي دور صمام الأمان لحماية اليابان واليابانيين في دولة منزوعة السلاح ومحرومة من التسلح.

كان من السهل على القوى العسكرية المدربة أفضل تدريب والمزودة بثقافة عصرية وتمتلك خبرات إدارية متطورة، الانخراط في الإدارة المدنية بنفس الروحية من الانضباط والتفاني في خدمة الوطن. واستمرت ذهنية الانضباط الإداريّ الموروثة من والمعروفة باليابانية باسم (Genro – Jushin = officeholders) تفعل فعلها في جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص إبان مرحلة الاحتلال الأميركي لليابان.

كانت الإدارة الأميركية أمرت بحلّ جميع المؤسسات الاقتصادية التي أثبت التحقيق صلتها بكارتل زياباتسو الاحتكاري السابق ومنعت الذين مارسوا أيّ عمل إداريّ قياديّ فيها من تأسيس منظمات إدارية أو اقتصادية أو مالية جديدة. إلا أنّ تبدّل الظروف الإقليمية والدولية أجبر الأميركيين على إبدال الاحتلال باتفاقية للتعاون العسكري مع اليابان، تمّ توقيعها في مدينة سان فرنسيسكو عام 1951م، وعرفت باتفاقية San Francisco Peace Treaty التي ألغت الاحتلال الأميركي لليابان. وقد أطلقت الاتفاقية الجديدة حريّة اليابانيين في مختلف مجالات العمل الاقتصادي والمالي، وفي إنشاء المؤسسات والشركات الاحتكارية. واقتصرت العقوبة السابقة على استبدال اسم كارتل (زيباتسو Zaibatsu القديم باسم جديد هو كارتل كيئيرتسوKeiretsu، من دون تغيير في المضمون الاحتكاريّ سوى الحظر المفروض لمنع اليابان من التسلح وإنتاج سلع ذات منافع عسكرية”.

نخلص إلى القول أنّ النخب اليابانية استعادت دورها بعد توقيع اتفاقية سان فرنسيسكو مع توجه واضح نحو الاقتصاد، والأعمال المالية، والتكنولوجيا، والإعلام، والثقافة، وإنتاج جميع أنواع السلع ماعدا السلاح. لذلك رأى بعض الباحثين بحق أن الإدارة اليابانية الحديثة لم تشهد انقلابا جذريا في أساليب عملها بعد الحرب العالمية الثانية. فطالت عملية التطهير فقط عدة آلاف من الإداريين ولسنوات محدودة.

لكن التوجه العام للنخب اليابانية الجديدة كان يتطلب تغييراً ملحوظاً في الذهنية التي كانت سائدة سابقاً، وفي شكل العلاقة ما بين الأعلى والأدنى في السلم الإداري. فتحولت مقولة الطاعة التامة إلى حوار يومي بين مخططي المشاريع ومنفذيها.

وتبدلت ذهنية النخب الإدارية من تلقي أوامر القيادة السياسة وتنفيذها دون اعتراض إلى عمل مبرمج لرسم الخطط المستقبلية للمؤسسات المالية والاقتصادية والإصغاء إلى انتقادات النخب الإدارية العاملة في المؤسسة.

تنتشر النخب الإدارية اليوم على امتداد المناطق اليابانية، وفي جميع المؤسسات المالية والاقتصادية، ولها معرفة دقيقة جداً ويومية بحركة الأسواق العالمية، وهي تقيم علاقات وثيقة في ما بينها على قاعدة تفضيل مصلحة اليابان العليا، أو “مصلحة الاقتصاد الياباني أولاً”. ولا تبخل بالنصائح الضرورية على الشركات أو المؤسسات المتعثرة، وتقدم الحلول العمليّة لإخراجها من مأزقها من طريق إنزال سلع جديدة أو تكنولوجية متطوّرة تغزو بسرعة أسواق العالم وتكدس أرباحاً مالية كبيرة.

إنّ مجتمع المعرفة في اليابان قد بني على قاعدة التعاون الدائم بين النخب السياسية والإدارية بهدف الدفاع عن مصالح اليابان العليا، وذلك عبر نظام شديد من المراقبة القضائية للأجهزة السياسية، والإدارية، والمالية، وغيرها.
فاستطاعت اليابان الحفاظ على دور اقتصاديّ فاعل طوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وما زالت في طليعة القوى الاقتصادية الفاعلة في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ويعود الفضل في نجاحها إلى بناء مجتمع المعرفة الذي أفرز نخباً ثقافية وإداريّة يابانيّة في من أفضل النخب في العالم بسبب تجانسها الشديد، وتضامنها الكامل في ما بينها، وروح المسؤوليّة الوطنية العالية التي يتمتّع بها أفرادها. وكان لنظام التعليم أثر بارز في جميع التبدّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي شهدتها اليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين. وما زال التعليم والبحث العلمي والتنمية البشرية والاقتصاديّة المستدامة تشكّل حجر الزاوية في التطوّر المستمرّ الذي تعيشه اليابان. فقدّرت نسبة الإنفاق المستمرّ على التعليم من نسبة الإنفاق العام في اليابان بحوالى 6،11 بالمائة سنوياً، من الناتج القوميّ، منها 3.6% نسبة الإنفاق على البحث العلميّ والشؤون الأكاديميّة. مع ذلك، لا بدّ من الاعتراف بأنّ نهضة اليابان ليست معروفة حتى الآن بشكل جيّد في العالم العربيّ. وتنبّهت المؤسّسات الثقافيّة اليابانيّة مؤخّراً إلى صعوبة انتشار الثقافة اليابانيّة في العالم، وذلك لأسباب موضوعيّة ناجمة عن صعوبة اللغة اليابانيّة والترجمة المباشرة منها إلى اللغات العالميّة من دون مساعدة مباشرة من اليابانيين أنفسهم.
وهي تعمل اليوم على ترجمة ونشر المزيد من التراث اليابانيّ إلى اللغات العالميّة الحيّة، وبالاستناد إلى اليابانيين أوّلاً. وبدأت ملامح مشروع متكامل لترجمة كتب أساسيّة ومهمّة تعبّر عن شخصيّة اليابان، وخصوصيتها التاريخيّة والثقافيّة والفنيّة والعلميّة والتكنولوجية والأدبية وغيرها. وتؤدّي مؤسّسة اليابان (TheJapanFoundation) الدور الأساسيّ في ترجمة ونشر التراث الثقافيّ اليابانيّ إلى اللغات الأخرى.
ملاحظات ختامية: العرب والدروس المستفادة من مجتمع المعرفة في اليابان

سبقت النهضة العربية سبقت زمنيا النهضة اليابانية. فقد توفي محمد علي باشا عام 1847م في حين كانت ولادة الإمبراطور مايجي عام 1852م. لكن المفارقة الكبرى أن عملية التحديث في مصر تحولت إلى تغريب وانتهت بسقوط مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882م. فانتكست النهضة العربية الأولى ولم تتجدد حتى الآن.

لقد تجاوز اليابانيون مقولات المركزية الثقافية الأوروبية التي فرضت عليهم وعلى العرب منذ القرن التاسع عشر، في حين بقيت المؤسسات الثقافية العربية عاجزة عن التخلص منها وابتكار مقولات ثقافية تؤسس لنهضة العرب مجدداً.

وبعد أكثر من ثلاثين سنة على رحيله، ما زالت مقولات مالك بن نبي صالحة لاستنهاض العرب شرط أن يحرروا أنفسهم أولاً من سلبيات مرحلة “القابلية للاستعمار”.

ففي الوقت الذي استفادت فيه اليابان إلى الحدّ الأقصى من نظم التربية والتعليم والتكنولوجيا الغربية عبر البعثات العلمية، والخبراء الأجانب، والترجمة كان مصير غالبية أعضاء البعثات التي أرسلها محمد علي باشا إلى أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر وقاموا بترجمة كتب سياسية، القتل أن النفي إلى أقاصي السودان.

والسبب في ذلك أن الترجمات ركزت على إبراز مقولات عصر الأنوار الأوروبي عن الحرية، والإخاء، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة، ومحاربة الاستبداد وغيرها. فوصفت تلك المقولات بأنها تشوش عواطف الشعوب العربية والإسلامية وتحضها على الثورة ضد السلطنة العثمانية وولاتها. كما أن خليفة محمد علي -الخديوي سعيد- أوقف إرسال البعثات، وأغلق الكثير من المدارس، وطرد عددا كبيرا من الخبراء الأجانب. ثم جاء خليفته الخديوي إسماعيل ليفتح الباب على مصراعيه أمام الأجانب، ودون ضوابط عملية. فتحولت حركة التحديث العربية إلى تغريب بسبب الاقتباس السهل لمقولات الثقافة الغربية. وسرعان ما سقطت مصر تحت الاحتلال البريطاني في عهد الخديوي توفيق.

مع ذلك، تصدى عدد كبير من المثقفين العرب، وبجرأة كبيرة، لمختلف أشكال الاحتلال، والوصاية، والحماية، والأنظمة الاستبدادية. ونشروا مقولات علمية مستقاة مباشرة من الفكر الليبرالي التحرري الغربي، وبشكل خاص مقولات الثورة الفرنسية في الحرية، والإخاء، والمساواة. وأقبلت بعض المؤسسات الأكاديمية والتربوية على تعليم اللغات العالمية الحية، مِمَّا ساعد على تعزيز التواصل الثقافي بين النخب الثقافية العربية والأوروبية، وتطوير الترجمة في جميع مجالات المعرفة.

وكتب شارل عيساوي مقالة جميلة حلل فيها أسباب نهضة اليابان وتوصل في نهايتها إلى استنتاج متفائل أكّد فيه أنّ الدول العربية تمتلك طاقات بشرية واقتصادية ومالية كبيرة تساعد على إطلاق نهضة عربية بوتيرة أسرع من نهضة اليابان، في حال توفرت لها القيادة السياسة المتنورة والحكم الصالح.

هكذا بني مجتمع المعرفة في اليابان على الإنسان الواعي، الحر والمبدع، الذي هو ركيزة النهضة. وبعد الهزيمة التي لحقت بها في الحرب العلمية الثانية وحولتها إلى دولة خاضعة للاحتلال الأميركي، ومحرومة من التسلح، لم يعد بإمكان اليابان أن تقدم نفسها مجددا كقوة عسكرية عالمية. يضاف إلى ذلك أن الباحثين اليابانيين نبهوا من مخاطر العولمة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية تحت ستار مكافحة الإرهاب العالمي الذي تحول بدوره إلى إرهاب دول.

وفي إطار تشديدها على أهمية مجتمع المعرفة تبنت اليابان فلسفة النهوض السلمي أو (القوة النظيفة Soft Power) التي تشجع النشاط الاقتصادي، والحلول الدبلوماسية وليس العسكرية للنزاعات التاريخية الموروثة. كما تشجع على نشر العلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، وتعميم اكتشافات البيو – تكنولوجيا أو الجينيوم، والإعلام والتواصل. وهي تحبذ التفاعل أو الحوار وليس الصدام بين الثقافات والحضارات. وتقوم فلسفة (القوة النظيفة) على أساس التركيز على الطاقة الإبداعية الخفية لدى الشعوب، وأبرزها التراث الثقافي، والقدرة على التواصل، والإبداع، والمقولات الإيديولوجية التي تبرز شخصية الأمة وتمايزها عبر العصور، ووسائل نشر المعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية، وتنشيط قطاعات الخدمات المدنية، وتشجيع المؤسسات الاجتماعية وغيرها.

فانتشر إشعاع النهضة اليابانية بين الدول الآسيوية تمهيدا للانتشار على المستوى الكوني. ويدرك اليابانيون جيدا أهمية النموذج الثقافي الياباني الذي تحول إلى نموذج يحتذى لمجتمع المعرفة على المستوى الكوني في مجال الجمع بين الحداثة والأصالة على أساس من التفاعل الحر وليس التصادم ولعل أهم الدروس المستفادة في مجال بناء مجتمع المعرفة في اليابان ودول النمور الآسيوية هو الاستثمار المكثف بالتعليم في مختلف مراحله، ومكافحة مشكلات الأمية، والبطالة، وتحسين مستوى التعلم والعمل والبحث العلمي بوتيرة عالية. وتقدم اليابان إجابات مقنعة فعلا عن سر بناء معجزة اقتصادية صلبة وتوسيع الطبقة الوسطى إلى ما يزيد على 92% من السكان، وذلك خلال فترة زمنية قصيرة.

بالمقابل، ما زالت بعض الدول العربية توظف نسبة ضئيلة جدا لا تتجاوز 0.014% لمحاربة الأمية المتزايدة، ونشر العلوم العصرية، وبناء وتطوير مراكز البحث العلمي، واكتساب التكنولوجيا المتطورة وتوطينها والإبداع فيها. وهي نسبة هزيلة جدا لا تساهم في بناء مجتمع للمعرفة قادر على مواجهة تحديات عصر العولة.

وقد أشارت تقارير التنمية الإنسانية العربية المنشورة ما بين 2002 و2007م إلى أن نسبة الأمية بالمفهوم العصري للأمية، في العالم العربي بلغت حوالي الثلث بين الرجال والنصف بين النساء. وتوقع بعضها أن تصل نسبتها إلى حوالي الستين مليون أمي، أي أكثر من 20 % من سكان العالم العربي عام 2015م. ودلت إحصائيات العام 2007م على وجود 70مليون أمي في العالم العربي، غالبيتهم من النساء. هذا بالإضافة إلى وجود ملايين الأطفال ممن هم في سن الدراسة خارج المدارس، وتسرب ملايين إضافية قبل بلوغ نهاية مرحلة التعليم الأساسي. وأشار التقرير كذلك إلى أن التعليم في الدول العربية، بكافة مراحله الابتدائي، والثانوي، والجامعي، يتصف في الغالب، بتردي النوعية. وذلك يعني افتقار المتعلمين إلى القدرات الأساس للتعلم الذاتي، وملكات النقد والتحليل والإبداع. وهي لوازم لا غنى عنها لاكتساب المعرفة، وإنتاجها.

يعاني التعليم في الدول العربية من غياب التركيز المبرمج على فروع العلم والتقانة، والانصراف إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية. فأدت تلك السياسة إلى تخريج ملايين العاطلين عن العمل، أو ما يعرف بالبطالة الثقافية المنتشرة على نطاق واسع بين خريجي الجامعات في الفروع الإنسانية والاجتماعية. وقدمت تقارير التنمية الإنسانية العربية تحليلا مفصلا لنوعية التعليم السائد في الدول العربية. ونبهت إلى عدد من الملاحظات القيمة التي تظهر القصور النوعي المعشش في المناهج، وأساليب التعليم، والتقييم. فهي تكرس ذهنية التلقي، والخضوع، ولا تفسح المجال لبناء شخصية إنسانية قادرة على الاستفادة من التعلم الاستكشافي، والنشاط الحر، والممارسة الإبداعية في حقلي الثقافة والفنون. كما أن التعليم السائد لا يحض على تجاوز مقولات ثقافة التبرير السائدة باتجاه ثقافة التغيير الشمولي على قاعدة امتلاك العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.

وبرغم اعتراف العرب بالدور الكبير الذي تؤدّيه وسائل الاتصال والتواصل الحديثة على المستوى الكوني، فإنّ الاستفادة منها تتطلب امتلاك الأدوات الضروريّة لما يعرف اليوم بثقافة “القرية الكونيّة”، للتدليل على ثقافة عصر العولمة ذات المصادر المتشعبة والبالغة الاتساع.

ومع أنّ تلك التقارير تستنثي قلة من خريجي بعض الجامعات الخاصة التي تقدم نوعية متميزة من التعليم العصري في العالم العربي، فإنها تؤكد بالوقائع الدامغة أن الاستثناء يثبت القاعدة. فطلاب تلك الفئة التي تحصل على تعليم عصري متميز هم من أبناء الشرائح الاجتماعية الغنية والميسورة. كما أن قسما كبيرا من خريجيها ينتقلون للعمل وللسكن خارج الوطن العربي، وأن الغالبية الساحقة منهم تعمل في القطاع الخاص وليس في القطاع العام.

لذلك تنعكس سلبيات التعليم -بشكل أساسي- على أبناء الطبقات الفقيرة والدنيا من الطبقة الوسطى. وهم -في الغالب- يكتسبون نوعية رديئة من التعليم الذي يشوه شخصية الطالب؛ لأنّه يخنق لديه روح الإبداع، والنزعة الطبيعية إلى الحرية.

“ولا يقتصر خنق الحرية في نسق التعليم على التلامذة والطلبة، كما يشير (تقرير التنمية الإنسانية العربية) للعام 2004م، بل يمتد في الواقع لكامل المنظومة التعليمية.

فالمعلمون – قاهرو التلاميذ- هم بدورهم مقهورون من الإدارة التعليمية سواء في المعهد، أو محليا، أو مركزيا. ناهيك عن قهر فئة المعلمين من المجتمع بكامله، معبرا عنه بتدني المكانة المادية والمعنوية للسواد الأعظم من المعلمين”.

لذلك يتطلب الخروج من المأزق الراهن بناء شبكة عريضة من الجامعات العصرية، ومراكز الأبحاث، وتطوير البرامج والمناهج، وتعزيز حلقات التدريب، وبناء القدرة على التواصل مع مراكز الأبحاث والجامعات المتطورة. وهنا تبرز علامات استفهام كبيرة حول مستقبل التعليم في الوطن العربي، وبالتالي مستقبل ملايين الأطفال والشباب العرب، من مختلف الأعمار، وفي مختلف حقول المعرفة.

فالجامعات العربية، على كثرتها، تشكو نقصا فادحا في الموازنات الثابتة، وهي هزيلة أساسا ولا تصل نسبة ما يوظف منها في البحث العلمي إلى نصف واحد بالمائة من موازنة معظم الدول العربية، وتذهب في الغالب للنفقات الإدارية وليس للبحث العلمي.

لذلك تغادر أعداد كبيرة من أصحاب الكفاءة، والخبرة بين الأساتذة الجامعيين العرب، إلى خارج الوطن العربي. كما أن نسبة ضئيلة جدا من طلبة البعثات التعليمية إلى الخارج، تعود إلى دولها العربية لتستقر فيها وتعمل بصورة دائمة. ونشير هنا بشكل خاص إلى من أمتلك منهم لغات حية، وثقافة عصرية، وتدرب في جامعات ومعاهد علمية وتكنولوجية متطورة في دول أوروبية وأميركية. هذا بالإضافة إلى هجرة شبه دائمة لأعداد كبيرة من المثقفين والإعلاميين العرب الذين استقروا خارج الوطن العربي لأسباب سياسية ناجمة عن نقص في الحريات العامة والخاصة، وانتشار ثقافة الفساد والإفساد على نطاق واسع.

لقد دقت تقارير التنمية الإنسانية العربية المتلاحقة ناقوس الخطر حول المخاطر الجدية التي تحدق بمستقبل التعليم في الوطن العربي على مختلف المستويات.

فبالإضافة إلى زحف الأمية، وانتشارها بنسبة كبيرة في صفوف الرجال والنساء، فإن عجز التعليم العربي عن مواكبة ثقافة العولمة وتقنياتها، والتفاعل مع مراكز الأبحاث المتطورة في العالم، تجعل العرب عرضة لتأثيرات ثقافية وإعلامية وسياسية لا تقل خطورة عن التأثيرات التي مورست عليهم في عهود الاحتلال المباشر، ومختلف أشكال الحماية والوصاية والانتداب. ولا تملك الدول العربية، منفردة ومجتمعة، مشاريع جدية للنهوض بالتعليم إلى مستوى تحديات عصر العولمة. وهي تحديات خطيرة جدا تمنع قيام مجتمع المعرفة على أسس سليمة في الوطن العربي.

وغني عن التذكير بأن مواجهة ثقافة العولمة لا تتم بثقافة التلقين والحنين الدائم إلى الماضي الذهبي، بل باعتماد العلوم العصرية، واستيراد التكنولوجيا المتطورة وتوطينها تمهيدا للإبداع فيها. وذلك يتطلب فتح أبواب الحرية، والانفتاح على ثقافة معرفية جديدة قادرة على التفاعل الجدي مع موجة المعلومات التي تضخها الفضائيات والإنترنيت وباقي وسائل التواصل الحديثة.

إن تجاهل مجتمع المعرفة -من حيث هو مجتمع عصري ومتطور باستمرار- أوصل العرب إلى ما هم عليه الآن من الضعف والتفكك والتهميش على المستويين الإقليمي والدولي. فلا يمكن للمثقف العربي أن يقدم ثقافته الراهنة على أنها رجع صدى لثقافة تراثية ماضوية يعتبرها البعض مكتملة ويدعو المجتمعات العربية اليوم إلى تبنيها والعمل على إحيائها؛ لأنّها خالية من العيوب والسلبيات وتصلح لكل زمان ومكان.

بقي أن نشير إلى أن العالم العربي اليوم في قلب العولمة وليس خارجها. لكن غياب مجتمع العلم والمعرفة فيه يهمش دوره في عصر العولمة ويجعل العرب في موقع المتلقي لسلبياتها الكثيرة مع الشعور بالعجز الكامل عن التأثير فيها أو الحد من مخاطرها. لذا أصبحت موجبات بناء مجتمع المعرفة على امتداد العالم العربي مسألة مصيرية لا تحتمل التأجيل أو المماطلة. وذلك يتطلب التركيز على مرحلة عصر العولمة، والتفاعل مع العالم انطلاقا من فهم دقيق لطبيعة عصر العولمة، وأدواتها، وأهدافها المستقبلية.

وعرب اليوم هم في أمس الحاجة إلى مجتمع المعرفة الذي يشكل الضمانة الأكيدة لحماية الذات أولا، وضمان التفاعل الإيجابي مع الآخرين. وذلك يتطلب تنشيط التعددية الثقافية، ومعرفة الذات ومساءلتها، ورفض النظم الاستبدادية وكل أشكال التمييز العرقي أو المذهبي، أو القبلي، وبناء الدولة المدنية القادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية البشرية المستدامة. لكن الثقافات التراثية وحدها عاجزة عن بناء مجتمع المعرفة الذي يحتاج، وبصورة ملحة، إلى تبني العلوم العصرية والثقافات الكونية بمدلولها الإنساني الشمولي. فمعرفة الآخر ثقافيا تعني الانفتاح على تجربته الثقافية في بناء مجتمعه المعرفي، واحترام خصوصيته وعدم الإساءة إلى تراثه الروحي والثقافي. وتقدم اليابان نموذجا بالغ الدلالة في هذا المجال. والمثقفون العرب مدعوون أولا، وبصورة ملحة، إلى فتح حوار تفاعلي نقدي مع ثقافتهم العربية والإسلامية دون مركب نقص؛ لأنّ مفكريهم الكبار ساهموا في توليد ثقافة الغرب وإنجازاته العلمية الكبيرة. فالمعالم المضيئة في الثقافة العربية والإسلامية جزء لا يتجزأ من الحضارة الكونية المعاصرة التي استفادت منها جميع شعوب العالم أكثر مِمَّا استفاد منها العرب والمسلمون. ومثقفوهم مدعوون للحوار الإيجابي مع مقولات ثقافتهم النقدية، العلمية والعقلانية، كشرط لا غنى عنه لبناء مجتمع المعرفة على أساس الحوار الإيجابي، ومن موقع الندية، مع الثقافات الكونية المعاصرة. ولدى العرب نخب ثقافية كبيرة تتمتع بكفاءة عالية في الحوار، ولديها كافة الإمكانات للحصول على مصادر المعرفة من خلال مصادرها ولغاتها الأصلية. وهي قادرة على تفعيل حوار ثقافي متميز يعالج المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تهم الشعوب العربية في عصر العولمة، والمساهمة الفاعلة في ولادة عولمة أكثر إنسانية.

ختاما: لا يبنى مجتمع المعرفة ويستقر في أي بلد عربي إلا باعتماد المنهج العلمي في الحوار، والالتزام بالموضوعية المطلقة لإنتاج معرفة إنسانية شمولية، ومعرفة الآخر معرفة حقيقية بهدف التفاعل الإيجابي معه، والمشاركة معا في بناء مستقبل إنساني أفضل عبر تطوير نظم التعليم، والبحث العلمي، وتبادل الخبرات الأكاديمية، وتنشيط الحوار الثقافي والمعرفي بين الشعوب. وتقدم تجربة التحديث في اليابان دروسا مهمة للعرب بعد أن استفادت منها الصين، والهند، ودول النمور الآسيوية. فقد تميزت نهضتها بالجمع، بصورة إبداعية، بين الأصالة والحداثة دون تغليب أحدهما على الآخر.

موقع افاق

غشت 2013