بشرى الغزالي

المرأة في الفلكلور المغربي بعدسة ديزي دواير

بشرى لغزالي[1]

ترجمة بتصرف

تُعد الحكايات الشعبية جزءا من التراث الفكري الذي يعكس واقع المجتمعات وفكرها وتقاليدها. وتحمل هذه المحكيات الشعبية بُعدا إيديولوجيا حيث يسعى من خلالها الراوي إلى تقديم دروس وعبر عن القيم الإنسانية المختلفة التي تُمثلها شخصيات الحكاية وأحداثها. انطلاقا من أهمية هذا الفلكلور التعليمية المؤثرة على الفكر الشعبي، زارت عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية ديزي هيلز دواير القادمة من جامعة كولومبيا مدينة تارودانت في سبعينيات القرن الماضي وسعت إلى جمع ما يزيد عن ثلاثين حكاية شعبية سردها بعض سكان المدينة، ثم قامت بدراستها وتحليلها بغية تحديد معتقدات المغاربة بشأن العلاقة بين الرجال والنساء والوقوف عند ظاهرة خضوع المرأة وسيطرة الرجل التي تعززها الحكايات الشعبية المغربية.

افتتحت عالمة الأنثروبولوجيا بحثها بقصة عائشة التي انطلقت منها لتتساءل عن مدى تأثير الأفكار الشعبية التي تُمررها الحكايات على العلاقة بين الرجل والمرأة وعن مساهمة المرأة في تكريس دونيتها. بدأت عائشة تسرد قصتها مُسترجعة ذلك الماضي الذي عاشت فيه حياة شقاء وحرمان بعد وفاة أمها بُعيد ولادتها. فقد حج والدها إلى مكة في سنوات عصيبة ودرس علوم الدين، لكنه سرعان ما تزوج فأنسته زوجته الثانية حاجيات طفلته. أُرسلت عائشة في البدء إلى الجيران لتساعدهم في أعباء المنزل ثم ما لبثت أن زُوجت.

          تزوجت عائشة على غرار قريناتها، غير القادرات على التعبير عن اعتراضهن، برجل من القرية حيث كانت الحياة أكثر وأشد قسوة من المدينة. كان عليها أن تحضر الحطب وتجلب الماء وتحلب البقر وتقوم بغيرها من الأعباء. تتذكر أنها كانت تجيد فعل ذلك كله لأن والدها كان يملك أبقارا، وعائلتها تملك أراض لزرع القمح، حيث دأبت على المساعدة في عملية إعداده. رغم كل هذه المهارات، لم تكن حماتها راضية عنها لأنها كانت تقول إن فتاة الأربع عشرة سنة كانت هزيلة ومتغطرسة وتتجنب العمل تحت الشمس لتحافظ على بياض بشرتها. كانت العجوز تقول بأن الفتاة كانت تساورها أوهام لا تناسب نمط العيش في البادية.

          جمعت عائشة حليها الفضية وأغراضها عندما كان الآخرون منشغلين بعملهم وغادرت بعد أن قضت ستة أشهر في هذه الحياة التعيسة، دون أن تبالي للكيلومترات التي كان عليها قطعها. كتمت حملها لأن معرفة ذلك كان كفيلا بأن يجعلها حبيسة أبدية في منزل زوجها.

          بعد أن رفض والد عائشة إرغامها على العودة، ارتأت أسرة الزوج أن مغادرة عائشة لن تشكل أي خسارة حقيقية لهم. لذلك طالبوا بمبلغ مادي بسيط كتعويض وحصلت على الطلاق. عندما كبرت الطفلة في أحشاء عائشة، أنكرها أبوها واعتبرها “ابنة حرام”. استمع الجيران إلى تلك التهم بتوجس لعدم معرفتهم حقيقة الأمر. أثير لغط كثير حول هذا الموضوع، لكن البعض كان أكثر واقعية حين قالوا: “لماذا نكترث لما تفعله المرأة في السر إذا كانت في العلن طاهرة عفيفة؟”.

          كانت عائشة تقوم بأعمال الغسيل بعد طلاقها قبل أن تتزوج مرة أخرى في نهاية نفس السنة من خياط لمحها في السوق. أبان عن اهتمامه وبادلته بالمثل بقبولها طلب الزواج به. لكن تبين أن الزواج الثاني أيضا كان صعبا رغم توفر عنصر جديد في هذه الزيجة يتمثل في حرية الاختيار التي حصلت عليها لكونها ثيبا. لم تجد في هذا الرجل تلك المواصفات التي كانت تتخيلها في رجل المدينة. قالت إنه لم يكن يستجيب لحاجياتها المادية والجنسية، فقد كانت حالته المادية غير مستقرة “لدرجة كنت أخجل من المرور قرب محل البقال لأنه يدين لي بالكثير من المال. ورغم ذلك، فقد كنت مرغمة على الاستمرار في الشراء من أجل قوت أبنائي.”

          بعد ثمان عشرة سنة، بقي على قيد الحياة ستة من أبنائها وتوفي اثنان وسقط جنين واحد. وتوقف ابناها البكران عن الدراسة. عندما بلغا من العمر خمس عشرة سنة وسبع عشرة سنة، كانا ينقطعان عن العمل، ولم ينما عن أي إحساس بالمسؤولية، بل كانا يشاركان أقرانهما في تناول الخمر والتدخين والتسكع.

          قالت عائشة مشيرة إلى إحدى الفتيات: “هذا هو السبب الذي جعلني أبحث لابني البكر عن زوجة، كنت أظنها ستعيده إلى صوابه وستساعدني في أعباء البيت لأنني تعبت، لكنها عنيدة وكتومة، تأكل وحدها في المطبخ رغم أننا نوفر لها حصة عادلة من الطعام. كما تحاول أن تبعد ابني عني بخلق مشاكل بيننا. لا تريد سوى أن يكون معها في غرفة النوم. للأسف، إنهن لا يفكرن إلا في الجنس. لكن مهام الزوجة تتعدى ذلك لتضم أعمال الطبخ والكنس والغسيل. وكما هو جلي، فقد عقدت مجددا صفقة خاسرة.”

          كانت عائشة امرأة مليئة بالثقة وفاعلة في عملها. تفوقت على زوجها، وأثبتت أنها المسيرة الفعلية بعد إظهار قدرتها على خلق توازن بين المال والديون. كانت توجه أبناءها وتحاول قيادتهم إلى بر الأمان عقب شكواهم العرضية أو احتجاج زوجها الذي كان يفضل الابتعاد عن أبنائه في مثل هذه الظروف. كانت علاقتها جيدة بالجيران الذين كانوا يدركون تماما إمكانية اعتمادهم على مساعدتها لأنها كانت فقيرة من جهة، ولأنهم أيضا يعلمون أنها وحدها من تجرؤ على عبور الطرق الرئيسية للمنطقة. استطاعت عائشة أن تكسب اهتمام عالمة الأنثروبولوجيا لأنها كانت تجيد المناورة في كل تلك العوالم.

          لم تكن معارضة عائشة لزوجة ابنها مفاجئة لأنها أسبقتها بأسباب تدافع بها عن نفسها وتبرر موقفها. “إنها لا تملك الحس الأسري، ولا تلتزم بنظافة الأكل، ولا تدرك المكان المناسب لمغازلة زوجها”. كانت عائشة على يقين أن هذه المواصفات كفيلة لاستمالة عطف من يستمع إليها.

كانت عائشة تستعين في انتقادها بما تعتبره لا يقبل الجدل فيما يتعلق بخصائص المرأة: النهم الجنسي لدى المرأة وسعيها لخلق المشكلات والصراعات وتمتعها بطاقة تسعى من خلالها إلى تدمير سعادة الرجل. وهذه الصفات تعكس ما اعتبره الرجال والنساء المغاربة حقيقة.

          ما يثير دهشة عالمة الأنثروبولوجيا أن المتحدث امرأة تعرضت للظلم في ما مضى واتُهمت خطئا بنفس نقاط ضعف زوجة الابن وتجرعت من نفس تعاستها في بيتها الجديد. لكن رغم ذلك كله سخرت عائشة طاقتها لاستعباد زوجة ابنها واعتبار الأنوثة العدو الرئيس الذي وجب محاربته.

          إن مخالجة مثل هذه المشاعر نساء مثل عائشة ونساء أقل ثقة وذكاء منها، هي عصب البحث الذي أجرته عالمة الأنتروبولوجيا. انطلقت من هذه القصة لتطرح مجموعة من التساؤلات: كيف أمكن لنساء ذوات شخصية قوية ومستقلات فكريا، أن يؤمن بالصور النمطية التي تشوه سمعتهن وتحتقرهن؟ ما هي القوى التي تقف وراء هذه التصورات والتي تمنع إعادة النظر في هذه الآراء الجارحة والظالمة؟ لماذا تستمر النساء في المغرب بعيش وضعية خضوع للرجال في حين أنهن يملكن قوة تمكنهن من إعادة النظر في وضعهن عبر التحكم في التنشئة الاجتماعية للأجيال القادمة؟ لماذا تقف النساء مستسلمات أمام صورة الدونية هاته دون حراك؟

إن التأمل في هذه الأسئلة ضروري لفهم الدينامية الجنسية ليس فقط في المغرب وإنما أيضا في غيرها من المجتمعات العربية والغربية التي تهيكل العلاقة بين الرجل والمرأة حسب منظورها الخاص والتي تعيش حالة من غياب المساواة بين الجنسين.

استنتجت هذه العالمة أن تصور الرجال والنساء المغاربة للأنوثة والذكورة عبارة عن بنية فكرية نُسجت بعناية ومهارة يصعب فك رموزها والتعرف على خباياها في البحوث الأنثروبولوجية التي لا تقحم نفسها في تعقيدات الأنظمة المتشعبة، والتي خلصت إلى أن أنظمة المعتقدات التي تخضع للدراسة غير معقدة وأن المناصرين لها يمكن أن يكونوا أُناسا ساذجين.

نظرا لأن الأنظمة الأيديولوجية المعتمدة معقدة وفي غاية الإقناع، ارتأت العالمة ضرورة تجميع المعتقدات الجنسية التي تدعم خضوع النساء في أي مجتمع لا يساوي بين الجنسين وتجعلُهن يساهمن في الإبقاء عليه لتكتسي المصداقية. كما أن مجموعة من المعتقدات المفروضة في تلك المجتمعات تنعكس على تصرفات ملايين الرجال الذين يملكون معنى خاصا للعدالة ويتعاملون بشكل يفتقر للمساواة. ويمكن ختاما التوصل إلى فهم كامل لعدم المساواة بين الجنسين كما يتصوره مؤيدوه عبر دراسة متأنية للمهارة التي بُني بها نظام المعتقدات.