الإيمان والعقل: هل يمكن عقلنة الخطاب الديني؟

الدكتور محمد سبيلا

عن موقع الدكتور

أقصد بالخطاب الإسلامي كل خطاب صادر عن شخصية أو هيئة تعلن لا فقط الانتماء الأساسي للإسلام، بل الصدور عن جوهره ورؤيته وتفعيل هذه الرؤية بالنسبة للقضايا المطروحة في الحياة العامة وفي الحياة اليومية للأشخاص.
تتسم الكثير من أصناف الخطاب الإسلامي في مجتمعنا وفي عموم البلاد العربية والإسلامية بهيمنة رؤية مناهضة للرؤية العلمية للعالم، والتقنية ومكتشفاتها، ولأشكال التنظيم الاجتماعي الحديث (الديمقراطية ومؤسساتها)، وعلى مستوى ثالث للعديد من مقومات الفكر الكوني الحديث وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

I الخطاب الديني المناهض للعلم والتقنية

يميل الخطاب الديني عامة إلى النظر إلى العلم نظرية شكية ترى أنه معرفة نسبية، متغيرة، وأن الحقيقة العلمية هي حقيقة محدودة وقابلة للمراجعة وللتغيير في الزمان والمكان، وذلك مقابل الحقائق الدينية التي هي حقائق مطلقة ويقينية وغير مرتبطة بالمكان والزمان، وغير قابلة للمراجعة والدحض.
إلا أن هناك أحيانا تشكيكا في بعض حقائق العلم ورفضا لها من حيث أنها تتعارض، في نظرهم، مع المسلمات الواردة في الدين. كمثال على ذلك الفتوى التي كان قد أصدرها الشيخ ابن باز المفتى الأكبر، والممثل الرسمي للسلطة الدينية في السعودية، أنكر فيها إحدى بديهيات العلم المعاصر وهي كروية الأرض ومركزية الشمس.
فهذه الحقائق العلمية التي أصبحت بمثابة بديهيات أولية في العلم المعاصر والتي كان نيكولا كوبرنيق قد برهن عليها في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي في كتاب :
De revolution bus orbium coelsti umlibri المنشور في نورمبرغ سنة وفاة المؤلف (1543)
وفي هذه الفتوى المعنونة ب “الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب، وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض ” يقول صاحبها : ” فلقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرسين في هذا العصر أن الأرض تدور والشمس ثابتة. والواقع المشاهد في هذا العصر أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله سبحانه وتعالى، وأن وأن الأرض ثابتة، قادرة قد بسطها الله لعباده، وجعلها لهم فراشا، ومهدا، وأرساها بالجبال لئلا تميد بهم.1″
ويستمر المفتي في مناقشته لادعاء كروية الأرض ومركزية الشمس بأدلة وبراهين تعتمد على الإدراك الحسي العادي المشترك بين الناس. بل إن الشيخ بن باز ينتهي إلى تكفير من يعتقد بكروية الأرض ومركزية الشمس حيث يخلص إلى أن القول بأن الشمس ثابتة وأن الأرض دائرة هو قول شنيع ومنكر. ومن قال بدوران الأرض وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل. ويجب أن يستتاب فإن تاب فذاك وإلا قتل كافرا مرتدا، ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين “.


يتعلق المثال الثاني برفض التقنية ومستحدثاتها والتشكيك في منجزاتها.
فقد أورد الباحث السعودي عبدالله الغذامي في كتابه “الثقافة التيليفزيونية2 ، أن المسمى الشيخ عبد الكريم ألف كتابا ينكر فيه مسألة الصعود إلى القمر ويقول فيه أ،ن الأمريكيين لم يكذبوا، ولكنهم وقعوا ضحية خدعة ماكرة من إبليس. فقد انتفخ إبليس في الفضاء وبدت صورته كما لو كان كوكبا سابحا في الفضاء أشبه بالقمر، وكان يتربص برواد الفضاء ليخدعهم. وهكذا هبطت المركبة على ظهر إبليس ظنا منهم أنهم واقفون على سطح القمر. فهذا الشيخ نموذج للعديد من الفقهاء الذين ينكرون بإسم العقيدة العديد من المخترعات والإنجازات العلمية والتقنية على أساس أنها ما هي إلا قوي الشيطان وضروب من السحر والطلاسم والخوارق الشيطانية.
ومنذ عدة شهور قام الباكستانيون في إحدى المدن بحرق أجهزتهم التلفزية نتيجة فتوى تحرم مشاهدة التلفزيون، لأنها تتضمن مشاهد خليعة ولأنها تفتن الناس وتلهيهم عن ذكر الله
وهي استمرار الفتوى كان قد أصدرها ابن باز في السعودية قبل ذلك بسنوات تحت عنوان “فتوى ابن باز في تحريم التلفاز”3.


ونفس الموقف خرج به باحث إسلامي آخر حول حكم الإسلام في وسائل الإعلام حيث يقول : ما دام التلفزيون يرمي في أكثر برامجه إلى إهدار الشرف، ويوجه نحو الفساد والإباحية، ويشجع على السفور والإختلاط، فإن اقتناءه والاستماع إلى برامجه، والنظر إلى مشاهده من أكبر الحرام وأعظم الإثم “4 .
ومنذ بضع سنوات كفرت الباحثة المغربية خديجة البطار لأنها جادلت في صحة حديث رواه البخاري منسوب للنبي الكريم. وقد اعتمدت في مجادلتها على الفقهاء والمفسرين الذين سبقوها إلى إنكار صحة هذا الحديث لأنه حديث يمجه العقل والذوق السليم، كما أنه يتعارض مع الاكتشافات العلمية الحديثة حول الميكروبات والجراثيم. ونص الحديث المنسوب إلى النبي هو: “إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء”. وقد اثار تدخلها جدلا فقهيا وصحافيا عريضا، سماه البعض معركة الذباب وصدرت عنه عدة كتب من بينها كتاب الباحثة نفسها “في نقد البخاري “5.
من مظاهر أسطرة الطبيعة اعتبار المد البحري تسونامي عقابا إلهيا ضد السياحة الجنسية، واعتبار كاترينا جندية من جند الله، كما ورد في موقع إسلام أون لاين

II – رفض المنجزات والمكاسب التنظيمية للحداثة

يترى الخطاب الإسلامي بالكثير من مظاهر التشكيك في التنظيمات الإدارية والسياسية والاجتماعية الحديثة، حيث انصبت معظم الانتقادات على الديمقراطية باعتبارها نوعا من الكفر لأنها تنص على أن الشعب هو مصدر السيادة وأساس التشريع والحكم. فهذا في نظر مروجي هذا الخطاب الإسلامي الرافض ، يتعارض مع الدين لأن الله هو الحاكم الوحيد والمصدر الوحيد للسلطة 6.
وهناك اتجاهات إسلامية أخرى متطرفة ترفض كل المظاهر والمكاسب التنظيمية للحداثة السياسية كالدستور والديمقراطية، والأحزاب، والقومية، والمجالس النيابية والأغلبية، بل والأمم المتحدة ذاتها وتعتبرها كلها طواغيت7.
فالله وحده هو مصدر الحاكمية ومصدر السيادة والتشريع، أما الحكم بالدساتير وبالديمقراطية فهو حكم بغير شرع الله وبالتالي فهو شرك وكفر.
منظمة “العدل والإحسان” ترفض الديمقراطية لأنها في نظر شيخها غربية مصطلحا ومفهوما، وبالتالي فهي لائكية، أرضية دنيوية تستبعد البعد الروحي الأخروي وتعتبر التدين مسألة شخصية، وتسوي بين المسلمين وغير المسلمين، وتحل سيادة الأمة محل سيادة الله. إنها كما يقول ياسين ” تحتم الكفر والانفصال عن الدين”8 . هذا إضافة إلى عللها المعروفة في الغرب نفسه من حيث ارتباطها بالمال والرشوة والفساد والنفعية9 .

III – رفض مقومات وأسس الفكر الحديث في مجال فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية

تقتضي الروح العلمية فهم الظواهر كما هي، لا كما تبدو ذاتيا لهذا الملاحظ أو ذاك، بعيدا عن أية ذاتية وعن التفسيرات ما قبل العلمية أو المناهضة للعلم، أي التفسيرات الغيبية، والأسطورية، والإحيائية Aminisme .
تقوم الروح العلمية على خلفية فلسفية عقلانية هي بمثابة مصادرة أساسية ضمنية في العلم وهي العلية بمعنى ترابط وتفاعل وتلازم الظواهر وتأثير بعضها في بعض، وبمعنى لا تلقائية الظواهر انطلاقا من أن لا شيء بدون علة أو سبب.
والنظرية العلمية تقوم على إقصاء كل تصور غائي للظواهر (Finalisme) .وكل تفسير ذاتي أو اسطوري وإحيائي
فدينامية ظواهر الطبيعة هي دينامية داخلية تنتج عن التفاعلات والتأثيرات البينية وليست استجابة لأية إملاءات أو مقاصد خارج عملية التفاعل.


إلا أن هذه الروح تطال علوم الموضوعات أو علوم الطبيعة مثلما تطال ما يسمى في التقليد الأماني علوم الروح أي العلوم الإنسانية والاجتماعية. فالظواهر الاجتماعية والإنسانية ظواهر موضوعية خاضعة بدورها، مثل الظواهر الطبيعية، لكن بصورة مختلفة، لعلية متعددة ولانتظامات وقوانين ميلية، كما أنها هي ذاتها نتيجة عوامل بشرية ملموسة حادثة في التاريخ الحي للناس في المجتمع من حيث هو جملة علاقات تفاعلية. وأنها ليست فقط نتاج تاريخ وتطور بل إن التاريخ هو سياق ظهورها وأن للظواهر أسباب حدوث، وأنها قابلة للتطور، ومرتبطة بالزمن وآيلة للتحول، وخاضعة لنسبية الحقيقة أي لتاريخيتها. فالظواهر الاجتماعية أو الإنسانية مشروطة بالتاريخ ولا يمكن فهمها إلا في إطاره.
إن المجال الاجتماعي والإنساني هو المجال الذي تفرخ وتتكاثر فيه النظرة الأسطورية بشكل ملفت للانتباه.
منذ ثلاثة شهور انتشر في العالم العربي نبأ تحول طفلة إلى قردة مشوهة وأن الله شوهها لأنها استهانت بالقرآن الكريم. وتداولت لهذه الفتاة المسخ اسم ومكان (دمان) والعديد من الصفات. ثم تبين فيما بعد أن هذا الكائن المسخ لا وجود له على أرض الواقع وإنما هو محض تجسيدات خيالية قامت بها باحثة أسترالية مناهضة للاستنساخ ونشرت هذه الصور في موقعها الإلكتروني www/paritiapiccinini/net .


من أكثر الكتب رواجا في العالم العربي كتاب ” حوار صحفي مع الجني المسلم مصطفى كنجور ” لمؤلفه عيسى بن داوود. والذي طبع عشرات المرات منذ صدوره سنة 1993.
في هذا الكتاب يدعي المؤلف أنه شاهد عيان في هذه القصة وأنه عاش التجربة شخصيا مع شخص تلبس به جني كان على غير الإسلام ثم أسلم (ص.5). وهذا الجني هندي الأصل من مومباي. وقد كان مسيحيا “كافرا” ثم أسلم. إسمه مصطفى كنجور وعمره 80 سنة. وقد أسلم معه عشرة آلاف جني هم حرسه الخاص وحاشيته. وهو أمير كبير ذو صيت مهيب (ص.23). وهو شبيه بالإنسان إلا أن له قرنين صغيرين (ص.42)، ويلبس ثيابا ونعلين مصنوعين من ورق البردي (ص.45). ومن الجن من يعيش ثلاثة آلاف عام. وهم يعيشون بالخصوص في دورات المياه والبؤر العفنة (ص.83). كما تعيش في التماثيل والمجسمات والصور(ص.84). وهناك مراكب شياطين وسفن جن فضائية (ص.113). وسن زواج الجن بين 170 إلى 180 سنة وأحيانا هناك من يتزوج في 250 سنة. والكتاب موثق جيدا حيث يضم خرائط بأمكنة الجن وصوره الشبحية…الخ.


في المغرب هناك جماعة دينية سياسية يقول شيخها أنه يقرأ الغيب ويشاهد الملائكة ويجالس نبي الإسلام ويحلق معه في الملكوت الأعلى، وأن الأنبياء غسلوا رجليه وأن أمه نطقت من قبرها، وأنه هو قطب الزمان والمؤهل لتولي الخلافة ولقيادة المسلمين الذين ينذر لهم الله مبعوثا على رأس كل مائة عام. أما أتباعه فيتحدثون بخشوع عن كراماته الشخصية حيث يقولون أنهم رأوه في عدة أمكنة في نفس الوقت، وبأنه يخترق الجدران ويشفي الأبرص، ويمر أمام رجال الأمن دون أن يروه. لذلك يتابعه أتباعه بعشرات الآلاف ليتبركوا بأي شيء يلمسه أو بالطعام الذي يزكيه بلمسة من أصابعه، ويتمرغون في مكان جلوسه للضفر بالبركات10.
هذه المواقف والمعطيات المتمثلة في الشكل تجاه العلم وتجاه مكتبات التقنية الحديثة، وتجاه المنجزات والمكتسبات التنظيمية في المجال السياسي، واستساغة الاعتقاد في الخوارق والمعجزات والأساطير، هي جزء من بنية ثقافية عامة شائعة وإن لم تكن سائدة، تطال قطاعات شعبية واسعة وتتبناها العديد من النخب التقليدية، بل يطال أثرها قطاعات واسعة من النخب العصرية ذاتها.
أهم معالم هذه البنية الثقافية
ـ التقسيم الثنائي للعالم (دار الإيمان ـ دار الفكر) الولاء والبراء
ـ أمثلة (Idealisation) الماضي والتماهي المتخيل معه
ـ التصور المقلوب للتاريخ والزمن
ـ أدرمة التجربة الدينية بالتهوييل والتخويف وتغليب الاعتبارات الأخروية على الاعتبارات الدنيوية، والتشدد في الأحكام والتصورات والممارسات.
ـ تغليب التدين الشكلي والتمسك بظاهر النص مع رفض التجدييد وانغلاق باب التأويل والإجتهاد وتغليب المنطق الدعوى التكفيري على منطق التفكير والحوار.


لهذه البنية الثقافية دعائم ووسائل حيث تدعمها وتروج لها بدرجات متفاوتة آلاف المؤسسات والمدارس والجرائد والمجلات والمكتبات ودور النشر والمراكز الثقافية ومراكز البحث ودور إنتاج الكاسيت والسينما وبرامج الكمبيوتر ومواقع الأنترنيت . وهي اليوم تملك قنوات فضائية دعوية متخصصة وحتى بعض القنوات الفضائية الإخبارية تصبح بعض برامجها أحيانا أدوات ومعابر لترويج الفكر الخرافي.
غير أن هذه البنية التي دعمتها ومولتها الثروة النفطية هي بنية فكرية متوارثة منذ قرون. ذلك أن الثقافة العربية الإسلامية توقفت عن التطور منذ القرن العاشر الهجري تقريبا وظلت بمنأى عن الصدمات الفكرية الكبرى للحداثة (الصدمة الكوسمولوجية ـ الصدمة البيولوجية ـ الصدمات المتلاحقة المتولدة عن النظريات العلمية واكتشافاتها ابتداء من الفيزياء الفلكية إلى البيوتكنولوجيا). ولعل الصدمات السياسية الأساسية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية استقطبت الانتباه وغطت على الصدمات الثقافية للحداثة.
الفكر التحريمي الذي استشرى على نطاق واسع في عموم العالم العربي هو من جهة تعبير عن هذه البنية الفكرية الآسنة عبر القرون، وهو من جهة ثانية تعبير عن رد فعل ضد العدوانية السياسية للغرب وضد المفعول التفكيكي للحداثة بمختلف مستوياتها.


وقد انصب هذاالفكر في جزء كبير منه حول المرأة حيث حرم عليها ارتداء الملابس العصرية، واستعمال موانع الحمل، والإجهاض، وقيادة السيارة، والتصوير، والاختلاط وشهر العسل، وخاتم الخطوبة، ورؤية الخطيب، والوقوف في الشرفة، والمشي وسط الطريق، ورفع الصوت، والالتفات إلى الوراء، ومصافحة الرجال، وإظهار القدم أو الظفر….
(عبدالعزيز بن باز والعثيمين: من منكرات الافراح والأعراس ـ الرياض).


وقد بلغ هذا الفكر المتطرف الرافض للحداثة العلمية والتكنولوجية والتنظيمية والفكرية ذروته في العقود الأخيرة حيث شن حملات قتل (فرج فودة، حسين مروة) واعتداء (نجيب محفوظ) وتهديد (سيد القمنى بمصر وسعيد الكحل بالمغرب) ناهيك عن منع وتحريم العديد من الروايات والأشعار. بل إن أحد الفقهاء المغاربة يعتبر “المفكرين هم طائفة المرتدين والملحدين وعصابة الطاعنين في الدين” (محمد الفيزازي). وفي العربية السعودية نشرت قوائم بالحداثيين الذي تستحل دماؤهم، وأصدر أحد الشيوخ النافذين، بدعم من ابن باز، كتابا تحت عنوان” الحداثة في ميزان الاسلام”11 هو عبارة عن محاكمة دينية لكل الفكر العربي الحديث ابتداء من الشعراء (البياتي ـ درويش ـ أدونيس ) إلى المفكرين (حسين مروة ـ عبدالله العروي ـ
محمد عابد الجابري) بعد أن كفر رموز الأدب والفكر العربي المحدثين (العقاد ـ طه حسين ـ نزار قباني…).
يعتبر المؤلف الحداثة غزوا استعماريا غربيا يستهدف عقيدة الإسلام وقيمه، ومشروعا ماسونيا صهيونيا قوامه الإلحاد العقدي والفساد الأخلاقي، ويرى أن الشيوعية المادية الإلحادية هي الجوهر الفكري للحداثة 11.


هذه البنية الثقافية بنية تعكس القصور الذاتي (L’inertie) لثقافة تجمدت عن التطور منذ القرن العاشر الميلادي، ثقافة ظلت خارج الأحداث الكونية الكبرى التي عاشتها البشرية المتقدمة المتمثلة في الاكتشافات العلمية والجغرافية والفلكية والبيولوجية والفكرية التي تشكلت الصدمات الفكرية الكبرى للحداثة الكونية.
لقد تحولت هذه الثقافة بالتدريج إلى ثقافة دفاعية تبرر التخلف وتفرز بدائل تعويضية واستبدالية قوامها أمثلة الذات، وتمجيد الماضي، وتبديع الآخر، وإنكار الواقع، ونفى التاريخ.
كان مفهوم التأخر التاريخي، ذو الحمولة الماركسية، الذي استعمل في الستينات من القرن الماضي للتعبير عن هذه الوضعية مصطلحا ملائما. لكنه بدأ يختفي تدريجيا مع شيوع وهيمنة مفهوم التخلف . ومع شيوع أدبيات المؤسسات الاقتصادية الدولية تم التخلي عن هذا المفهوم واستبداله بمصطلح “البلدان التي هي في طريق النمو”، ليتم بدوره استبداله ـ بموازاة التخلي عن مصطلح العالم الثالث ـ بمصطلح الدول النامية. وهكذا ساعدت الهيئات الدولية ونفاق الخطاب الغربي على إيهام هذه الدول بأن الفارق بينها وبين الدول المتقدمة هو مجرد فارق تقني واقتصادي فقط.


لكن تطورات العقود الأخيرة قد بينت أن الفجوة أعمق من ذلك، وأن هناك فرقا في وتيرة وعمق التطور الثقافي، و لعل من الضروري أن نميز هنا بين التطور المعرفي والتطور الثقافي. فالتفاوت ليس مجرد تفلوت معرفي كما يوحى بذلك التشخيص الذي تبلوره الأدبيات الدولية الجديدة التي ترى أن “المعرفة هي الفريضة، الغائبة في أمة العرب” (تقرير التنمية البشرية العربية لسنة 2003) بل إن خلف التفاوت المعرفي (كما تمثله “الفجوة الرقمية ” مثلا) تفاوت أعمق ، أي تفاوت ثقافي وفكري في النظرة إلى الإنسان و التاريخ والكون.
إن من أكبر التحديات التي يواجهها الخطاب الإسلامي اليوم هي ضرورة تحديث هذا الخطاب أي عقلنته. أول درجات العقلنة في صورتها السلبية هي نزع الطابع الميتولوجي Demythologistion والحد من التوظيف الإيديولوجي Desidéologisation لهذا الخطاب.


أما الوجه الإيجابي للعقلنة فهو الملاءمة التأويلية للخطاب الديني مع المعطيات الأساسية للعلم، وقبول الإبداعات التقنية، واستيعاب إسهامات الحداثة في تنظيم المجتمع وتنظيم السلطة. ولعل أعسر التحديات المطروحة اليوم على الخطاب الديني هي استيعاب الثورات الفكرية التي أحدثتها العلوم الاجتماعية والإنسانية في فهم الظواهر الإنسانية، وكذا مواكبة ومواجهة النقاشات الفلسفية الكبرى لهذا العصر. وبعبارة موجزة فإن التحدي الأكبر المطروح على الثقافة العربية اليوم وعلى نواتها الصلبة المتمثلة في الخطاب الديني هي استيعاب تحولات العصر، والانخراط في زمن العالم.
والمقصود أساسا بعقلنة الخطاب الديني هو ضرورة ملاءمة هذا الخطاب ـ الذي هو أولا وأخيرا قراءة وتأويل للنص الديني ـ مع معطيات ونظريات العلم الحديث في كافة المجالات، حتى لا يصبح هذا الخطاب الديني إما نقيضا للخطاب العلمي، أو في أحسن الحالات تشبتا بحقائق معرفية أجمع المجتمع العلمي العالمي على رفضها وتجاوزها .

الهـوامـش

1- مكتبة الرياض ـ الرياض 1402 . الطبعة الثانية.ص.21.
2 – الدارالبيضاء م. ت. ع.ص30.
3 – هناك العديد من الفتاوي حول رفض التصوير والتماثيل وآلات الموسيقى وتحريم إهداء
الزهزر للمرضى.،وتحريم كرة القدم (لأنها تنهي عن الصلاة وعن ذكر الله) واليوغا
والأواني الكافرة ،والحالة المدنية وتحريم الاحتفال برأس السنة الميلادية…الخ.
4 – عبد الله ناصح علوان: (حكم الإسلام في وسائل الإعلام). دار السلام. الرياض ط.6
.1986 .
5 – خديجة البطار: في نقد البخاري. منشورات الأحداث المغربية, الدارالبيضاء 2003
.ص.239 ـ 245).
6 – محمد الفيزازي 🙁 لما لا نشارك في الانتخابات الديمقراطية ؟ – الدار البيضاء 2003)
7 – مصطفى حليمة (أبو بصير): الطاغوت.دار البيادر.
8 – ع. ياسين حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص.71.
9 – انظر: سعيد الكحل: الحركات الإسلامية والدولة الديمقراطية. جريدة الأحداث المغربية .
31 مارس 2002. ص.6-7.
10-انظر:سعيد الكحل ياسين ووسواس المهدوية منشورات الأحداث المغربية.
الدارالبيضاء.ص.15.ص.17. ومحمد البشيري: استجواب مع الأحداث المغربية 7 مارس
1999. ص.3.
11 – د. عوض القرني : الحداثة في ميزان الإسلام ،دار الأندلس الخضراء ، الرياض . انظر
القراءة النقدية لهذا الكتاب من طرف السيد ولد باه (جريدة الشرق الأوسط 26-5-2005).

أقصد بالخطاب الإسلامي كل خطاب صادر عن شخصية أو هيئة تعلن لا فقط الانتماء الأساسي للإسلام، بل الصدور عن جوهره ورؤيته وتفعيل هذه الرؤية بالنسبة للقضايا المطروحة في الحياة العامة وفي الحياة اليومية للأشخاص.
تتسم الكثير من أصناف الخطاب الإسلامي في مجتمعنا وفي عموم البلاد العربية والإسلامية بهيمنة رؤية مناهضة للرؤية العلمية للعالم، والتقنية ومكتشفاتها، ولأشكال التنظيم الاجتماعي الحديث (الديمقراطية ومؤسساتها)، وعلى مستوى ثالث للعديد من مقومات الفكر الكوني الحديث وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

I الخطاب الديني المناهض للعلم والتقنية

يميل الخطاب الديني عامة إلى النظر إلى العلم نظرية شكية ترى أنه معرفة نسبية، متغيرة، وأن الحقيقة العلمية هي حقيقة محدودة وقابلة للمراجعة وللتغيير في الزمان والمكان، وذلك مقابل الحقائق الدينية التي هي حقائق مطلقة ويقينية وغير مرتبطة بالمكان والزمان، وغير قابلة للمراجعة والدحض.
إلا أن هناك أحيانا تشكيكا في بعض حقائق العلم ورفضا لها من حيث أنها تتعارض، في نظرهم، مع المسلمات الواردة في الدين. كمثال على ذلك الفتوى التي كان قد أصدرها الشيخ ابن باز المفتى الأكبر، والممثل الرسمي للسلطة الدينية في السعودية، أنكر فيها إحدى بديهيات العلم المعاصر وهي كروية الأرض ومركزية الشمس.
فهذه الحقائق العلمية التي أصبحت بمثابة بديهيات أولية في العلم المعاصر والتي كان نيكولا كوبرنيق قد برهن عليها في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي في كتاب :
De revolution bus orbium coelsti umlibri المنشور في نورمبرغ سنة وفاة المؤلف (1543)
وفي هذه الفتوى المعنونة ب “الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب، وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض ” يقول صاحبها : ” فلقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرسين في هذا العصر أن الأرض تدور والشمس ثابتة. والواقع المشاهد في هذا العصر أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله سبحانه وتعالى، وأن وأن الأرض ثابتة، قادرة قد بسطها الله لعباده، وجعلها لهم فراشا، ومهدا، وأرساها بالجبال لئلا تميد بهم.1″
ويستمر المفتي في مناقشته لادعاء كروية الأرض ومركزية الشمس بأدلة وبراهين تعتمد على الإدراك الحسي العادي المشترك بين الناس. بل إن الشيخ بن باز ينتهي إلى تكفير من يعتقد بكروية الأرض ومركزية الشمس حيث يخلص إلى أن القول بأن الشمس ثابتة وأن الأرض دائرة هو قول شنيع ومنكر. ومن قال بدوران الأرض وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل. ويجب أن يستتاب فإن تاب فذاك وإلا قتل كافرا مرتدا، ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين “.


يتعلق المثال الثاني برفض التقنية ومستحدثاتها والتشكيك في منجزاتها.
فقد أورد الباحث السعودي عبدالله الغذامي في كتابه “الثقافة التيليفزيونية2 ، أن المسمى الشيخ عبد الكريم ألف كتابا ينكر فيه مسألة الصعود إلى القمر ويقول فيه أ،ن الأمريكيين لم يكذبوا، ولكنهم وقعوا ضحية خدعة ماكرة من إبليس. فقد انتفخ إبليس في الفضاء وبدت صورته كما لو كان كوكبا سابحا في الفضاء أشبه بالقمر، وكان يتربص برواد الفضاء ليخدعهم. وهكذا هبطت المركبة على ظهر إبليس ظنا منهم أنهم واقفون على سطح القمر. فهذا الشيخ نموذج للعديد من الفقهاء الذين ينكرون بإسم العقيدة العديد من المخترعات والإنجازات العلمية والتقنية على أساس أنها ما هي إلا قوي الشيطان وضروب من السحر والطلاسم والخوارق الشيطانية.
ومنذ عدة شهور قام الباكستانيون في إحدى المدن بحرق أجهزتهم التلفزية نتيجة فتوى تحرم مشاهدة التلفزيون، لأنها تتضمن مشاهد خليعة ولأنها تفتن الناس وتلهيهم عن ذكر الله
وهي استمرار الفتوى كان قد أصدرها ابن باز في السعودية قبل ذلك بسنوات تحت عنوان “فتوى ابن باز في تحريم التلفاز”3.


ونفس الموقف خرج به باحث إسلامي آخر حول حكم الإسلام في وسائل الإعلام حيث يقول : ما دام التلفزيون يرمي في أكثر برامجه إلى إهدار الشرف، ويوجه نحو الفساد والإباحية، ويشجع على السفور والإختلاط، فإن اقتناءه والاستماع إلى برامجه، والنظر إلى مشاهده من أكبر الحرام وأعظم الإثم “4 .
ومنذ بضع سنوات كفرت الباحثة المغربية خديجة البطار لأنها جادلت في صحة حديث رواه البخاري منسوب للنبي الكريم. وقد اعتمدت في مجادلتها على الفقهاء والمفسرين الذين سبقوها إلى إنكار صحة هذا الحديث لأنه حديث يمجه العقل والذوق السليم، كما أنه يتعارض مع الاكتشافات العلمية الحديثة حول الميكروبات والجراثيم. ونص الحديث المنسوب إلى النبي هو: “إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء”. وقد اثار تدخلها جدلا فقهيا وصحافيا عريضا، سماه البعض معركة الذباب وصدرت عنه عدة كتب من بينها كتاب الباحثة نفسها “في نقد البخاري “5.
من مظاهر أسطرة الطبيعة اعتبار المد البحري تسونامي عقابا إلهيا ضد السياحة الجنسية، واعتبار كاترينا جندية من جند الله، كما ورد في موقع إسلام أون لاين

II – رفض المنجزات والمكاسب التنظيمية للحداثة

يترى الخطاب الإسلامي بالكثير من مظاهر التشكيك في التنظيمات الإدارية والسياسية والاجتماعية الحديثة، حيث انصبت معظم الانتقادات على الديمقراطية باعتبارها نوعا من الكفر لأنها تنص على أن الشعب هو مصدر السيادة وأساس التشريع والحكم. فهذا في نظر مروجي هذا الخطاب الإسلامي الرافض ، يتعارض مع الدين لأن الله هو الحاكم الوحيد والمصدر الوحيد للسلطة 6.
وهناك اتجاهات إسلامية أخرى متطرفة ترفض كل المظاهر والمكاسب التنظيمية للحداثة السياسية كالدستور والديمقراطية، والأحزاب، والقومية، والمجالس النيابية والأغلبية، بل والأمم المتحدة ذاتها وتعتبرها كلها طواغيت7.
فالله وحده هو مصدر الحاكمية ومصدر السيادة والتشريع، أما الحكم بالدساتير وبالديمقراطية فهو حكم بغير شرع الله وبالتالي فهو شرك وكفر.
منظمة “العدل والإحسان” ترفض الديمقراطية لأنها في نظر شيخها غربية مصطلحا ومفهوما، وبالتالي فهي لائكية، أرضية دنيوية تستبعد البعد الروحي الأخروي وتعتبر التدين مسألة شخصية، وتسوي بين المسلمين وغير المسلمين، وتحل سيادة الأمة محل سيادة الله. إنها كما يقول ياسين ” تحتم الكفر والانفصال عن الدين”8 . هذا إضافة إلى عللها المعروفة في الغرب نفسه من حيث ارتباطها بالمال والرشوة والفساد والنفعية9 .

III – رفض مقومات وأسس الفكر الحديث في مجال فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية

تقتضي الروح العلمية فهم الظواهر كما هي، لا كما تبدو ذاتيا لهذا الملاحظ أو ذاك، بعيدا عن أية ذاتية وعن التفسيرات ما قبل العلمية أو المناهضة للعلم، أي التفسيرات الغيبية، والأسطورية، والإحيائية Aminisme .
تقوم الروح العلمية على خلفية فلسفية عقلانية هي بمثابة مصادرة أساسية ضمنية في العلم وهي العلية بمعنى ترابط وتفاعل وتلازم الظواهر وتأثير بعضها في بعض، وبمعنى لا تلقائية الظواهر انطلاقا من أن لا شيء بدون علة أو سبب.
والنظرية العلمية تقوم على إقصاء كل تصور غائي للظواهر (Finalisme) .وكل تفسير ذاتي أو اسطوري وإحيائي
فدينامية ظواهر الطبيعة هي دينامية داخلية تنتج عن التفاعلات والتأثيرات البينية وليست استجابة لأية إملاءات أو مقاصد خارج عملية التفاعل.


إلا أن هذه الروح تطال علوم الموضوعات أو علوم الطبيعة مثلما تطال ما يسمى في التقليد الأماني علوم الروح أي العلوم الإنسانية والاجتماعية. فالظواهر الاجتماعية والإنسانية ظواهر موضوعية خاضعة بدورها، مثل الظواهر الطبيعية، لكن بصورة مختلفة، لعلية متعددة ولانتظامات وقوانين ميلية، كما أنها هي ذاتها نتيجة عوامل بشرية ملموسة حادثة في التاريخ الحي للناس في المجتمع من حيث هو جملة علاقات تفاعلية. وأنها ليست فقط نتاج تاريخ وتطور بل إن التاريخ هو سياق ظهورها وأن للظواهر أسباب حدوث، وأنها قابلة للتطور، ومرتبطة بالزمن وآيلة للتحول، وخاضعة لنسبية الحقيقة أي لتاريخيتها. فالظواهر الاجتماعية أو الإنسانية مشروطة بالتاريخ ولا يمكن فهمها إلا في إطاره.
إن المجال الاجتماعي والإنساني هو المجال الذي تفرخ وتتكاثر فيه النظرة الأسطورية بشكل ملفت للانتباه.
منذ ثلاثة شهور انتشر في العالم العربي نبأ تحول طفلة إلى قردة مشوهة وأن الله شوهها لأنها استهانت بالقرآن الكريم. وتداولت لهذه الفتاة المسخ اسم ومكان (دمان) والعديد من الصفات. ثم تبين فيما بعد أن هذا الكائن المسخ لا وجود له على أرض الواقع وإنما هو محض تجسيدات خيالية قامت بها باحثة أسترالية مناهضة للاستنساخ ونشرت هذه الصور في موقعها الإلكتروني www/paritiapiccinini/net .


من أكثر الكتب رواجا في العالم العربي كتاب ” حوار صحفي مع الجني المسلم مصطفى كنجور ” لمؤلفه عيسى بن داوود. والذي طبع عشرات المرات منذ صدوره سنة 1993.
في هذا الكتاب يدعي المؤلف أنه شاهد عيان في هذه القصة وأنه عاش التجربة شخصيا مع شخص تلبس به جني كان على غير الإسلام ثم أسلم (ص.5). وهذا الجني هندي الأصل من مومباي. وقد كان مسيحيا “كافرا” ثم أسلم. إسمه مصطفى كنجور وعمره 80 سنة. وقد أسلم معه عشرة آلاف جني هم حرسه الخاص وحاشيته. وهو أمير كبير ذو صيت مهيب (ص.23). وهو شبيه بالإنسان إلا أن له قرنين صغيرين (ص.42)، ويلبس ثيابا ونعلين مصنوعين من ورق البردي (ص.45). ومن الجن من يعيش ثلاثة آلاف عام. وهم يعيشون بالخصوص في دورات المياه والبؤر العفنة (ص.83). كما تعيش في التماثيل والمجسمات والصور(ص.84). وهناك مراكب شياطين وسفن جن فضائية (ص.113). وسن زواج الجن بين 170 إلى 180 سنة وأحيانا هناك من يتزوج في 250 سنة. والكتاب موثق جيدا حيث يضم خرائط بأمكنة الجن وصوره الشبحية…الخ.


في المغرب هناك جماعة دينية سياسية يقول شيخها أنه يقرأ الغيب ويشاهد الملائكة ويجالس نبي الإسلام ويحلق معه في الملكوت الأعلى، وأن الأنبياء غسلوا رجليه وأن أمه نطقت من قبرها، وأنه هو قطب الزمان والمؤهل لتولي الخلافة ولقيادة المسلمين الذين ينذر لهم الله مبعوثا على رأس كل مائة عام. أما أتباعه فيتحدثون بخشوع عن كراماته الشخصية حيث يقولون أنهم رأوه في عدة أمكنة في نفس الوقت، وبأنه يخترق الجدران ويشفي الأبرص، ويمر أمام رجال الأمن دون أن يروه. لذلك يتابعه أتباعه بعشرات الآلاف ليتبركوا بأي شيء يلمسه أو بالطعام الذي يزكيه بلمسة من أصابعه، ويتمرغون في مكان جلوسه للضفر بالبركات10.
هذه المواقف والمعطيات المتمثلة في الشكل تجاه العلم وتجاه مكتبات التقنية الحديثة، وتجاه المنجزات والمكتسبات التنظيمية في المجال السياسي، واستساغة الاعتقاد في الخوارق والمعجزات والأساطير، هي جزء من بنية ثقافية عامة شائعة وإن لم تكن سائدة، تطال قطاعات شعبية واسعة وتتبناها العديد من النخب التقليدية، بل يطال أثرها قطاعات واسعة من النخب العصرية ذاتها.
أهم معالم هذه البنية الثقافية
ـ التقسيم الثنائي للعالم (دار الإيمان ـ دار الفكر) الولاء والبراء
ـ أمثلة (Idealisation) الماضي والتماهي المتخيل معه
ـ التصور المقلوب للتاريخ والزمن
ـ أدرمة التجربة الدينية بالتهوييل والتخويف وتغليب الاعتبارات الأخروية على الاعتبارات الدنيوية، والتشدد في الأحكام والتصورات والممارسات.
ـ تغليب التدين الشكلي والتمسك بظاهر النص مع رفض التجدييد وانغلاق باب التأويل والإجتهاد وتغليب المنطق الدعوى التكفيري على منطق التفكير والحوار.


لهذه البنية الثقافية دعائم ووسائل حيث تدعمها وتروج لها بدرجات متفاوتة آلاف المؤسسات والمدارس والجرائد والمجلات والمكتبات ودور النشر والمراكز الثقافية ومراكز البحث ودور إنتاج الكاسيت والسينما وبرامج الكمبيوتر ومواقع الأنترنيت . وهي اليوم تملك قنوات فضائية دعوية متخصصة وحتى بعض القنوات الفضائية الإخبارية تصبح بعض برامجها أحيانا أدوات ومعابر لترويج الفكر الخرافي.
غير أن هذه البنية التي دعمتها ومولتها الثروة النفطية هي بنية فكرية متوارثة منذ قرون. ذلك أن الثقافة العربية الإسلامية توقفت عن التطور منذ القرن العاشر الهجري تقريبا وظلت بمنأى عن الصدمات الفكرية الكبرى للحداثة (الصدمة الكوسمولوجية ـ الصدمة البيولوجية ـ الصدمات المتلاحقة المتولدة عن النظريات العلمية واكتشافاتها ابتداء من الفيزياء الفلكية إلى البيوتكنولوجيا). ولعل الصدمات السياسية الأساسية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية استقطبت الانتباه وغطت على الصدمات الثقافية للحداثة.
الفكر التحريمي الذي استشرى على نطاق واسع في عموم العالم العربي هو من جهة تعبير عن هذه البنية الفكرية الآسنة عبر القرون، وهو من جهة ثانية تعبير عن رد فعل ضد العدوانية السياسية للغرب وضد المفعول التفكيكي للحداثة بمختلف مستوياتها.


وقد انصب هذاالفكر في جزء كبير منه حول المرأة حيث حرم عليها ارتداء الملابس العصرية، واستعمال موانع الحمل، والإجهاض، وقيادة السيارة، والتصوير، والاختلاط وشهر العسل، وخاتم الخطوبة، ورؤية الخطيب، والوقوف في الشرفة، والمشي وسط الطريق، ورفع الصوت، والالتفات إلى الوراء، ومصافحة الرجال، وإظهار القدم أو الظفر….
(عبدالعزيز بن باز والعثيمين: من منكرات الافراح والأعراس ـ الرياض).


وقد بلغ هذا الفكر المتطرف الرافض للحداثة العلمية والتكنولوجية والتنظيمية والفكرية ذروته في العقود الأخيرة حيث شن حملات قتل (فرج فودة، حسين مروة) واعتداء (نجيب محفوظ) وتهديد (سيد القمنى بمصر وسعيد الكحل بالمغرب) ناهيك عن منع وتحريم العديد من الروايات والأشعار. بل إن أحد الفقهاء المغاربة يعتبر “المفكرين هم طائفة المرتدين والملحدين وعصابة الطاعنين في الدين” (محمد الفيزازي). وفي العربية السعودية نشرت قوائم بالحداثيين الذي تستحل دماؤهم، وأصدر أحد الشيوخ النافذين، بدعم من ابن باز، كتابا تحت عنوان” الحداثة في ميزان الاسلام”11 هو عبارة عن محاكمة دينية لكل الفكر العربي الحديث ابتداء من الشعراء (البياتي ـ درويش ـ أدونيس ) إلى المفكرين (حسين مروة ـ عبدالله العروي ـ
محمد عابد الجابري) بعد أن كفر رموز الأدب والفكر العربي المحدثين (العقاد ـ طه حسين ـ نزار قباني…).
يعتبر المؤلف الحداثة غزوا استعماريا غربيا يستهدف عقيدة الإسلام وقيمه، ومشروعا ماسونيا صهيونيا قوامه الإلحاد العقدي والفساد الأخلاقي، ويرى أن الشيوعية المادية الإلحادية هي الجوهر الفكري للحداثة 11.


هذه البنية الثقافية بنية تعكس القصور الذاتي (L’inertie) لثقافة تجمدت عن التطور منذ القرن العاشر الميلادي، ثقافة ظلت خارج الأحداث الكونية الكبرى التي عاشتها البشرية المتقدمة المتمثلة في الاكتشافات العلمية والجغرافية والفلكية والبيولوجية والفكرية التي تشكلت الصدمات الفكرية الكبرى للحداثة الكونية.
لقد تحولت هذه الثقافة بالتدريج إلى ثقافة دفاعية تبرر التخلف وتفرز بدائل تعويضية واستبدالية قوامها أمثلة الذات، وتمجيد الماضي، وتبديع الآخر، وإنكار الواقع، ونفى التاريخ.
كان مفهوم التأخر التاريخي، ذو الحمولة الماركسية، الذي استعمل في الستينات من القرن الماضي للتعبير عن هذه الوضعية مصطلحا ملائما. لكنه بدأ يختفي تدريجيا مع شيوع وهيمنة مفهوم التخلف . ومع شيوع أدبيات المؤسسات الاقتصادية الدولية تم التخلي عن هذا المفهوم واستبداله بمصطلح “البلدان التي هي في طريق النمو”، ليتم بدوره استبداله ـ بموازاة التخلي عن مصطلح العالم الثالث ـ بمصطلح الدول النامية. وهكذا ساعدت الهيئات الدولية ونفاق الخطاب الغربي على إيهام هذه الدول بأن الفارق بينها وبين الدول المتقدمة هو مجرد فارق تقني واقتصادي فقط.


لكن تطورات العقود الأخيرة قد بينت أن الفجوة أعمق من ذلك، وأن هناك فرقا في وتيرة وعمق التطور الثقافي، و لعل من الضروري أن نميز هنا بين التطور المعرفي والتطور الثقافي. فالتفاوت ليس مجرد تفلوت معرفي كما يوحى بذلك التشخيص الذي تبلوره الأدبيات الدولية الجديدة التي ترى أن “المعرفة هي الفريضة، الغائبة في أمة العرب” (تقرير التنمية البشرية العربية لسنة 2003) بل إن خلف التفاوت المعرفي (كما تمثله “الفجوة الرقمية ” مثلا) تفاوت أعمق ، أي تفاوت ثقافي وفكري في النظرة إلى الإنسان و التاريخ والكون.
إن من أكبر التحديات التي يواجهها الخطاب الإسلامي اليوم هي ضرورة تحديث هذا الخطاب أي عقلنته. أول درجات العقلنة في صورتها السلبية هي نزع الطابع الميتولوجي Demythologistion والحد من التوظيف الإيديولوجي Desidéologisation لهذا الخطاب.


أما الوجه الإيجابي للعقلنة فهو الملاءمة التأويلية للخطاب الديني مع المعطيات الأساسية للعلم، وقبول الإبداعات التقنية، واستيعاب إسهامات الحداثة في تنظيم المجتمع وتنظيم السلطة. ولعل أعسر التحديات المطروحة اليوم على الخطاب الديني هي استيعاب الثورات الفكرية التي أحدثتها العلوم الاجتماعية والإنسانية في فهم الظواهر الإنسانية، وكذا مواكبة ومواجهة النقاشات الفلسفية الكبرى لهذا العصر. وبعبارة موجزة فإن التحدي الأكبر المطروح على الثقافة العربية اليوم وعلى نواتها الصلبة المتمثلة في الخطاب الديني هي استيعاب تحولات العصر، والانخراط في زمن العالم.
والمقصود أساسا بعقلنة الخطاب الديني هو ضرورة ملاءمة هذا الخطاب ـ الذي هو أولا وأخيرا قراءة وتأويل للنص الديني ـ مع معطيات ونظريات العلم الحديث في كافة المجالات، حتى لا يصبح هذا الخطاب الديني إما نقيضا للخطاب العلمي، أو في أحسن الحالات تشبتا بحقائق معرفية أجمع المجتمع العلمي العالمي على رفضها وتجاوزها .

الهـوامـش

1- مكتبة الرياض ـ الرياض 1402 . الطبعة الثانية.ص.21.
2 – الدارالبيضاء م. ت. ع.ص30.
3 – هناك العديد من الفتاوي حول رفض التصوير والتماثيل وآلات الموسيقى وتحريم إهداء
الزهزر للمرضى.،وتحريم كرة القدم (لأنها تنهي عن الصلاة وعن ذكر الله) واليوغا
والأواني الكافرة ،والحالة المدنية وتحريم الاحتفال برأس السنة الميلادية…الخ.
4 – عبد الله ناصح علوان: (حكم الإسلام في وسائل الإعلام). دار السلام. الرياض ط.6
.1986 .
5 – خديجة البطار: في نقد البخاري. منشورات الأحداث المغربية, الدارالبيضاء 2003
.ص.239 ـ 245).
6 – محمد الفيزازي 🙁 لما لا نشارك في الانتخابات الديمقراطية ؟ – الدار البيضاء 2003)
7 – مصطفى حليمة (أبو بصير): الطاغوت.دار البيادر.
8 – ع. ياسين حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص.71.
9 – انظر: سعيد الكحل: الحركات الإسلامية والدولة الديمقراطية. جريدة الأحداث المغربية .
31 مارس 2002. ص.6-7.
10-انظر:سعيد الكحل ياسين ووسواس المهدوية منشورات الأحداث المغربية.
الدارالبيضاء.ص.15.ص.17. ومحمد البشيري: استجواب مع الأحداث المغربية 7 مارس
1999. ص.3.
11 – د. عوض القرني : الحداثة في ميزان الإسلام ،دار الأندلس الخضراء ، الرياض . انظر
القراءة النقدية لهذا الكتاب من طرف السيد ولد باه (جريدة الشرق الأوسط 26-5-2005).

11غشت 2013