شكالية الدولة في الفكر العربي المعاصر

الدولة المتأخرة.. حصاد بدايات مشوهة!

بقلم :

إشكالية الدولة في الفكر العربي المعاصر: محمد جابر الأنصاري وبرهان غليون نموذجا.. كتاب يقدم على أعتاب عصر التأسيس لدول عربية نفضت «دولة» الماضي، وأعاد طرح المعضلة الأولى التي سببت تأخر العرب كل هذه السنوات، وهي تتمثل في فهم «الدولة» وعناصرها والإيمان بها، فيبذل الباحث الدكتور عبد السلام الطويل جهده لدراسة الجهود النظرية لمفكرين انتقاهما بعناية، هما محمد جابر الأنصاري وبرهان غليون، وقد استطاعا تقديم رؤية جادة ومحاولة لإعادة الوعي العربي لسياق علمي، ويناقشان مفهوم الدولة، ويتبنيان النقد المصوب ناحية اختراق جدار الفشل، فكانت هذه الأوراق التي تصدر عن «دار مدارك للنشر»، في العام الثاني للربيع العربي، وكأنها تحاول الإشارة إلى أن الخلل لم يكن في الدولة التسلطية وحدها، بل يمتد إلى بدايات التأسيس، حيث علقت دول كثيرة في حالة «اللادولة»، فأين المفر، غير النقاش وهذا الحوار؟!

 

تأليف: د. عبد السلام طويل
دار النشر: مدارك للنشر
أكتوبر (تشرين الأول) 2012

في مقدمة الكتاب يقول الدكتور محمد مالكي، مدير مختبر الدراسات الدستورية والسياسية بمراكش، الذي قدم للكتاب، واعتبره محاولة جادة للانخراط في الاهتمام العربي المتأخر بقضية الدولة، وأشاد باختيار «محمد جابر الأنصاري» و«برهان غليون»، فهما حاولا فهم سبب استعصاء الحداثة، كل خط الجواب من حرف مختلف، وبمنهجه، ودراستهما منحت الكاتب مسربا متاحا لوضع توليفة مميزة تهدي كثيرا من الجديد للقراء والمهتمين.

إشكالية الدولة.. البناء المنهجي والنظري

وتضمن النقد المنهجي الذي قدمه غليون والأنصاري للنظريات السائدة حول الدولة، مرورا بمعالجتيهما للتشكل التاريخي للدولة العربية، باستحضار المحدد الجغرافي وأثره على بنية الدولة، مطوفا بين الأنثروبولوجيا السياسية وعلم السياسة، وقدم نقدا لمنهجيات التحليل السياسي السائدة، واشتمل على تماس لحدود المقتربين التاريخي والجغرافي في تفسير الدولة العربية الراهنة.
ففي الممارسة النقدية للدولة، فإن غليون اعتبر الممارسة للنظريتين الليبرالية والماركسية في الفضاء العربي تمثل «انعكاسا لشرخ واحد في الوعي والتفكير السياسيين»، فالنظرية الماركسية تتجاهل الاستقلال الذاتي (النسبي) للدولة، بينما تتجاهل النظرية الليبرالية العوامل والقوى الاجتماعية الحية الكامنة وراء كل سلطة والمحرك لها.
والأنصاري لا يختلف كثيرا عن غليون في نقده لما ينعته بـ«المناهج الأجنبية»، ولكنه يقدم نقده منصبا في التأصيل لـ«علم الخصوصية العربية في تكوينها التاريخي، المجتمعي والسياسي»، ويعبر عن توجه فكري في الفكر السياسي العربي المعاصر ينطلق من دعوة «لفهم عمق تأثير العصر الوسيط في تطور تاريخنا الحديث وقضايانا المعاصرة».

التشكل التاريخي للدولة العربية

يرى الأنصاري أن الدولة القطرية هي «امتداد للسلطنات»، والمفارقة تأتي في أنه يرى أن «التناقض التاريخي بين السلطة والمجتمع في فترات متطاولة من التاريخ العربي الإسلامي»، ويبني حله على استجلاء هذا التاريخ، فهو يربط بين الماضي والحاضر، ويذهب إلى أن الثقافة السياسية العربية الحديثة تستمد جذورها من تراث سياسي – فكري وتاريخي يعتبره من أكثر مناحي التراث العربي الإسلامي إشكالا وتأزما، وأكثرها التباسا وضعفا واضطرابا، وأقلها ثراء وانسجاما مع منظومة الإسلام القيمية، أي ينتمي لثقافات رعوية قبل الإسلام، وغاشية عليه.
أما برهان غليون فإنه يرى ذلك «يكاد يتحول إلى ما يشبه البحث عن مبدأ خطيئة أولى»، ويتبنى بديلا له «البحث عن الديناميات التاريخية الفاعلة والمستمرة والمتجددة معا».

نظرية الدولة العربية بين الأنثروبولوجيا السياسية وعلم السياسة

مع إقرار غليون ووعيه بأهمية البعد التاريخي في فهم مختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية، إلا أنه يعتبر هذا البعد غير كاف لفهمها، كما أنه لا يمثل البعد الرئيس أو الحاسم في تشكلها، معتبرا أن «فهم الحاضر ينبغي أن يبدأ من تحليل شروط الحاضر..» نفسه ما دام «الحاضر يتضمن الماضي» ويستبطنه، والدراسة التاريخية، تبعا لذلك، لا تتجاوز أهميتها الإسهام في إضاءة هذا الحاضر.
حاول المؤلف التوليف بين الأنصاري وغليون، وغلب رؤية الأول بأن ذكر أن «الحداثة تتخذ صورة انبعاث للتراث».

الدولة العربية ورهان تجاوز واقع التأخر التاريخي

ترتبط عملية التنظير للدولة لدى كل من محمد جابر الأنصاري وبرهان غليون بإشكالية محورية تتمثل في السعي للوقوف على العوامل المعيقة للتقدم التاريخي للمجتمعات العربية من جهة، والسعي بالمقابل لتحديد الشروط والمقومات اللازمة لكسب رهان هذا التقدم من جهة أخرى، من خلال افتراض أن «الدولة القطرية مرحلة إقطاعية مؤجلة» تبعا لذلك يتبلور مفهوم «الدولة العضوية» للأنصاري، وتطوير مفهوم «الدولة التحديثية» لغليون.

وجه من وجوه الاختلاف الجوهرية بين غليون والأنصاري الذي يعتبر أن المجتمعات العربية «ما زالت في مرحل ما قبل الحداثة، وما قبل الدولة…» فغليون يذهب، على النقيض من أطروحة الأنصاري تماما، إلى أنه «بموازين النظام العالمي الراهن يماثل التفتت الراهن للفضاء العربي وتوزيعه على دول متعددة ترفض تنظيم التعاون فيما بينها.. التفتت الذي عرفته أوروبا في القرون الوسطى، وتقسيمها بين إقطاعات مستقلة ومنعزلة واحدتها عن الأخرى. وفي الحالتين النتيجة الأساسية هي وضع عقبة كبرى أمام تطور القوى الإنتاجية، المادية والتقنية والفكرية معا».
يخلص الأنصاري إلى أن التاريخ السياسي العربي منذ التجزؤ المبكر لإمبراطورية الخلافة.. وهو يشهد باستمرار «عملية استئناف تشييد للدولة من الصفر»، حيث ظلت الدولة في المنطقة العربية تعاني حالة تكون وانحلال دائمين، إلى أن قامت الدولة القطرية في العصر الحديث، وقدمت بحدودها وإقليمها الجغرافي وقاعدتها السكانية ومؤسساتها المتنامية التجارب والنماذج الأولى في التاريخ السياسي العربي لنواة الدولة بمعناها «العضوي المتكامل».

الدولة التحديثية ومستويات تشكلها

هذه الدولة تعتبر دولة وظيفية بامتياز، وتبرز «كمثال للقدرة على التدخل التاريخي الفاعل، وكأداة إجرائية وتنفيذية خطيرة، من جهة، وكذاتية جماعية مقلوبة من جهة ثانية، وتمثل التجسيد البسيط والمطلق لأمل التقدم الحضاري الذي يثيره مفهومها، وتأخذ على عاتقها مهام تحقيقه». كما أنها دولة متعينة من خلال نماذج وتجارب تاريخية محددة في الزمان والمكان خلافا لـ«الدولة العضوية» كما يتصورها الأنصاري، والحداثة عندهما جاءت تعبيرا عن توسع نمط إنتاج الطبقة البورجوازية، لذلك فإن المقاربات التي يقترحها الأنصاري للبلدان التي لم تعرف هذه الطبقة، أو جاء ميلادها فيها متأخرا، تشي بأن قوة خارجية من خارج المجتمع المدني تتدخل لإضفاء عناصر الحداثة، أو على الأقل لتعديل وتيرة نموها وتسريعها. فتنتج عن تفاعلاتها أن تغدو الدولة أداة فوقية للتحديث.
غليون يتجه لاتجاه أكثر تحديدا لإبراز أهم خصائص هذه الدولة التحديثية، كاشفا عن أنها، من جهة أولى، تمثل «دولة المركزية الشديدة والسلطة المطلقة»، وهي أداة لاستدراك التأخر التاريخي، لذلك فهي «دولة غير تمثيلية وغير ديمقراطية»، ويرى أن أصل الاستبداد فيها يتمثل في «وجود دولة حديثة مراكمة للسلطة ومجتمع مفتقر إلى التنظيم»، إلا أنه يعود لينبه، في مفارقة واضحة، إلى أن استبداديتها لا يعني أنها بالضرورة دولة لا قانونية!

أنماط الدولة.. الإصلاحية.. الوطنية.. الليبرالية

يصنف غليون الدول إلى ثلاث، الإصلاحية التي تعتقد أن تحقيق التقدم كشرط لحيازتها على الشرعية يتوقف على مدى قدرتها على استلهام المنابع الدينية الصحيحة والاقتداء بها من جديد، أما الدولة الوطنية فهي تعتقد أن وظيفتها الرئيسية تتمثل في بناء المجتمع الوطني من خلال توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، في حين جاءت الدولة الليبرالية (أو دولة الانفتاح) للتعويض عن فشل الدولة الوطنية، من خلال السعي إلى إعادة دمج الاقتصادات المحلية العربية بالاقتصاد العالمي، ويقول: «رغم التباين الظاهر بين كل من الدولة الإصلاحية والدولة القومية ودولة الانفتاح، إلا أن هذا التباين ليس إلا تباينا ظاهريا يستبطن وحدة بنيوية عميقة». بنية السلطة الأساسية، رغم كل التباينات الشكلية، لا تتغير.

التأزم السياسي العربي.. بئر معطلة وقصر مشيد

بحث الأنصاري وغليون جذور الاستبداد العربي، وأصلا القطيعة بين المجتمع والدولة، في أصل الطبيعة السلطوية للدولة العربية الراهنة، ويرى الأنصاري أن ثمة تأزما سياسيا عاما يعانيه العرب على مختلف المستويات والميادين، وفي مختلف المواقع، ويرى أنه «تأزم يطال السلطة كما المعارضة، والمجتمع كما الدولة»، أما غليون فيرفض المنطق التاريخي في تبرير الاستبداد، ويخلص إلى أن المركزية في الأشكال التاريخية للسلطة تختلف اختلافا جذريا في وظيفتها وأسبابها ومفهومها عن نماذج الحكم الديكتاتوري الحديثة، ومع أن الأنصاري، مثله مثل غليون، لا ينفي الطبيعة السلطوية أو التسلطية الحادة للأنظمة العربية، راديكالية كانت أو تقليدية، إلا أنه يختلف عنه في تفسير العوامل الكامنة وراء هذا النـزوع السلطوي، معتبرا أن الدولة في كل مكان وفي كل التجارب، بما في ذلك تجارب الدول الليبرالية، لم تجنح نحو ما عبر عنه بـ«المركزية السلطوية المفرطة» إلا استجابة لضرورات تأسيسها وتثبيت كيانها.

برهان غليون

برهان غليون

الموقف من الدولة القطرية

الأنصاري يعتبر الدولة القطرية دولة أصيلة وليست صنيعة للاستعمار، يعتبرها دولة عريقة تجد أصولها في صيرورة التطور التاريخي للمجتمعات العربية الإسلامية، بينما يراها غليون امتدادا طبيعيا للدولة الحديثة التي خلقها الاستعمار، وتبعا لذلك فإن الدولة العربية الراهنة «لم تعد تعكس جماعة سياسية تستند إلى أساس فكري أو فلسفي من رابطة دين أو رابطة قومية أو رابطة عرف، ولكن وجود الدولة بفعل الأمر الواقع، وعليه فإن المصدر الأول لتأزم الدولة العربية الأخلاقي والسياسي يكمن، إذن، في طبيعتها اللاوطنية، وعجزها عن الاستجابة الفعالة للحاجات والمطالب الاجتماعية».

الدولة العربية وأزمة المشروعية

أزمة الدولة العربية الراهنة تكمن في تمحور هذه السلطة على خدمة مصالح شديدة الخصوصية والضيق، كما أن الطابع القطري للدولة العربية جعل الجمهور ينظر إليها باستمرار على أنها خطوة على طريق تحقيق دولة الوحدة القومية، أي أنها مؤقتة وغير مطابقة للتصور المعياري السائد عن الهوية والشخصية الحضارية، كما أن ضعف ولاء الأفراد الروحي، وغياب ثقتهم بالدولة القطرية، جعلا حصولها على الشرعية مشروطا بإنجازاتها المادية ونجاحها الاقتصادي فقط، هذا التوظيف الأداتي للدولة يعبر عن فشلها في بلورة مبادئ عملها ومهامها من داخلها.

أزمة الدولة التحديثية

الأزمة العميقة التي تخترق الدولة العربية لا تكمن في ارتفاع وتيرة الاستبداد والقمع فحسب، وإنما في القطيعة بين المجتمع والدولة، والنتيجة أن انهيار «مشروع البناء الوطني» قد أدى إلى تفريغ الدولة الحديثة من أي مشروع، وبالتالي إلى إبراز ممارستها من جديد كتعسف مطلق غير قابل للتبرير.. الأمر الذي جعلها تعيش مأزقا تاريخيا حقيقيا، وانعداما لأي أفق، ولا يتردد غليون في الجزم بأنه يكمن وراء إعادة إنتاج هذه الشروخ «إفلاس ثقافة سياسية مضى زمنها».

أزمة النظام المدني.. دولنة المجتمع

العلاقة المضطربة بين الدولة والمجتمع المدني هي التي تفسر الأزمة التي يعانيها الفكر السياسي العربي، ويرى المؤلف أن تدمير المجتمع المدني لن يقود إلا إلى تدمير السلطات الوسيطة المدنية، وحرمانها من التشكل، وإلغاء مبدأ وجودها، ويضيف أن أصل الفساد في كل المجتمعات لا يكمن إلا في وضع مؤسسات المجتمع المدني ومصالحه في خدمة مصالح النخب المتنافسة على السلطة.
ويشير الباحث نقلا عن غليون إلى أن «الأمر الجديد والخطير في آن، هو أن المجتمع الدولي الذي يغذي تفكك المجتمع المدني العربي ويمنعه من التبلور والانصهار وتحقيق التوازن الداخلي، هو في طريقه اليوم إلى أن يطور وسائل جديدة ومستحدثة لم نعرفها من قبل للتدخل العسكري والسياسي والثقافي، حتى يمد قدرته على التحكم في المجتمع المدني العربي والسيطرة عليه من الداخل، من خلال التوظيف الآيديولوجي لمفهوم المجتمع المدني. ذلك لأن الحديث المتزايد في الغرب الأوروبي والأميركي عن الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان لن يؤدي إلا إلى تعميق ارتباط المجتمع المدني المحلي بالخارج، ومن ثم التحكم فيه ماديا ومعنويا».
ويمكن لنا هنا أن نتذكر أزمة المجتمع المدني في مصر وبعض دول الخليج، إذا بدأ استخدامه كيد لمنظمات خارجية، وهو يفقد المجتمع المدني شرعية تحركه، ويصيبه في مقتل.

من «المجتمع الأهلي» إلى «المجتمع المدني»: في الخبرة الحضارية العربية الإسلامية

شهد التاريخ العربي الإسلامي أشكالا مختلفة من الدول، وإن لم تختلف في نوع وظائفها، فقد اختلفت في أشكال إدارتها وأعرافها وقوانينها، غير أن التاريخ العربي – الإسلامي عرف نموذجا موحدا ومتناهيا للمجتمع المديني، كان المجتمع المديني تعدديا من الناحية الدينية (مسلمون، مسيحيون، يهود)، إلى جانب الجماعات والأعراق والجنسيات المتنوعة، بالإضافة إلى طرائقه الحرفية وطرقه الصوفية، وغير ذلك، على أن هذا المجتمع كان مشمولا برعاية الشريعة التي توحد ثقافته، وكان العلماء هم قادة هذا المجتمع المديني وليس الأمراء أو الحكام، ولذلك فقد كان الإسلام يتحقق في الجماعة وليس في الدولة.

محمد جابر الأنصاري

محمد جابر الأنصاري

الاستعصاء الديمقراطي والبنية التسلطية للدولة العربية

الانتقال نحو الديمقراطية لا يتم إلا عبر سيرورة تاريخية طويلة ومعقدة، ولا يتحقق إلا بالنجاح في اعتماد تنشئة اجتماعية وسياسية ديمقراطية، تثمر ثقافة سياسية ديمقراطية على نطاق مجتمعي واسع.. غير أن التفسير الذي يهمنا أكثر من غيره في هذا المقام هو الذي يعلل صعوبة الانتقال الديمقراطي نحو الديمقراطية في المجتمعات العربية بإشكالية بناء الدولة الوطنية الحديثة في الوطن العربي.
هكذا يرى الأنصاري، وهذا ما تكشفت سنوات الربيع العربي عنه، أن الديمقراطية تحتاج إلى أرضية حقيقية لتنمو فيها، وإلا استحالت إلا دوامات عامرة بالخراب، واحتفالات بالخيبة، وانقطاع الرجاء.

دور الدولة في عملية التحول الديمقراطي

أي مسعى لتحقيق الديمقراطية لا يأخذ في اعتباره علاقتها العضوية بطبيعة الدولة ومستوى نموها ودرجة استعدادها مسعى طوباويا غير تاريخي. وليست الدولة هي شريك التحول فحسب، بل حتى المعارضة، فوجود المعارضة وفاعليتها بوصفها مقوما أساسيا وشرطا لازما لبنيان أي دولة ديمقراطية حقيقية، أس الأمر، وهو يرى أن مشكلة الديمقراطية نابعة من أزمة المعارضة أكثر مما هي نابعة من قوة النظم، خاصة أن أغلب المعارضات العربية لم يعرف الحياة السياسية أو التنظيمية إلا من خلال ارتباطه بالدولة، ويطرح الدولة الديمقراطية كتجاوز للدولة العلمانية والدولة الدينية.
ووعيا من الأنصاري بالبعد الوظيفي للديمقراطية، فقد شدد، مثل غليون، على أهمية وحيوية العمل على استنباتها مثلما يجري الحرص على استنبات التكنولوجيا وأكثر، معتبرا أنه إذا كان ثمة مشروع جاد لاستنبات التكنولوجية، «فلا بد من التفكير، وبجهد أكبر، في كيفية استنبات الديمقراطية في الأرض العربية، بكل ما تقتضيه عملية الاستنبات من شروط ومستلزمات».

اتفاق الأنصاري وغليون على الغائية الكلية للديمقراطية لا ينفي وجود تباينات كثيرة بينهما بصددها، فبينما نجد غليون، على سبيل المثال، لا يربط الديمقراطية معياريا بأي آيديولوجيا محددة، مسلما بإمكانية صدورها عن أي منظومة مرجعية لا تتناقض جوهريا مع منظومة قيمها في الحرية، والمساواة، والعدالة، والاختلاف، والتعددية، والغيرية، والتسامح، والنسبية المعرفية.. نجد الأنصاري يربطها بالليبرالية ونظام السوق.
وبصيغة أكثر وضوحا، فإن غليون يشدد على ضرورة الاعتراف بأن نمو التيارات العقدية يعبر عن مشاكل واقعية وحقيقية وليست مفتعلة، تستوجب أخذها بعين الاعتبار، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها بدل الاكتفاء بإدانتها.

الكتاب محاولة جادة من مثقف جاد، أراد وضع النقاش المفاهيمي أمام الساسة، ليعيدوا صياغة التعاقد الأول، وليحسموا الهلاميات، لينقلوا الفكر العربي من حالة اللادولة إلى بدايات الدول.
أهمية الكتاب تنبع من لفته النظر لأهمية الإيمان بالمواطنة كشرط واجب للتحول من مقاعد «المتخلفين»، فالوطن ما لم يكن الحقيقة الأسمى، فإنه يظل مرحلة انتقالية، غريقة بأهلها، ومتى صارت هي الإيمان والتمكين، تحولت إلى جسر لتفاهمات إنسانية أكبر، فهل يعي العرب؟

***

عمر البشير الترابي

باحث وكاتب سوداني.عمل في مركز الاتحادي للدراسات والبحوث، ترأس تحرير مجلة الاتحاد الطلابية بجامعة الشارقة، ، يكتب مقالاً أسبوعياً بصحيفة الصحافة السودانية. شارك في عدد من كتب المسبار بدراسات مثل: استخدام حركات العنف الإسلامية للنساء والأطفال، الصوفية في السودان قراءة في التاريخ و الحاضر