رسالة الفلسفة والفيلسوف

د. حسن حنفي

الأحد, 11 أغسطس 2013

الفلسفة رسالة وليست مهنة، قضية وليست حرفة. وأستاذ الفلسفة هو الأمين عليها. صحيح أن مهمته هي التعليم، لكن ليس الصنعة بل ممارسة أفعال الفكر وتحليل الواقع. لا فرق بين المدرّج والشارع، بين عالم الأذهان وعالم الأعيان. ليس من المعقول أن يعطي درساً في حقوق الإنسان في الأروقة وتنتهك حقوق الإنسان في المجتمع دون ربط بين هذا وذاك، ودون قياس الفارق بين النظرية والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. ليس من المعقول أن يعطي درساً في منطق أرسطو وأشكال القضايا، وضروب القياس المنتج وغير المنتج، والشارع العربي ينتفض، والأراضي تـُحتل، والشهداء يتساقطون، والطالب موزع بين عقله في الجامعة وقلبه في الشارع. إنه معلم الصنعة وليس شاهد العصر الذي قد يكون شهيداً فيه. في هذه الحالة يكون العلم تعويضاً عن الفعل، والصنعة غطاء لغياب الرسالة، والتخصص الدقيق بديلا عن العمل العام، وإيثار الأسهل على الأصعب… والجنة محفوفة بالمخاطر.

 

 

إن الأستاذ يحمل هموم الفكر والوطن على حد سواء، يقوم بالعلم وبالمواطنة دون تمييز حتى يؤثر في الطالب، فيكون الطالب معه بالعقل والقلب، بدلا من أن يكون عقله داخل المدرج وقلبه في الشارع والطريق. وحتى يحترم الطالب الأستاذ، ويعلم أنه ليس موظفاً في الجامعة، بل صاحب موقف، وحتى لا يعتبر الأستاذ الطالب مشاغباً سياسياً يبلغ عنه سلطات الأمن، يعكر عليه صفو العلم، ويمنع الطلاب من التحصيل.

 

إننا لسنا الجيل الذي سيخرج منه الفلاسفة. فمازلنا جيل عصر النهضة الأول الذي كبا بعد مائتي عام ليعود فجر نهضة عربية جديد. ما زال الواقع لدينا مغطى بالأنساق المعرفية والقيمية القديمة. وما زالت الأسئلة الثلاثة التي جعلها كانط شرط التفلسف: ماذا يجب عليّّ أن أعرف؟ ماذا يجب عليّّ أن أفعل؟ ماذا يجب عليّّ أن آمل؟ ما زالت إجاباتها القديمة مطروحة. ومن ثم فلا سؤال. والأسئلة الكبرى في كل فلسفة: من أين آتي؟ ومن أين أتى العالم؟ وإلى أين ينتهي؟

 

لكن أي سؤال متنطع: هل لدينا فلاسفة؟ سؤال خارج عن سياقه التاريخي، فالفلسفة تبدأ بالسؤال، ويوضع السؤال عندما تغيب الإجابة، والإجابات عندنا جاهزة تعطينا وئاماً معرفياً بيننا وبين الواقع.

 

لقد نشأت الفلسفة في الغرب في بدايات العصور الحديثة بعد أن تكسر الغطاء النظري بين القديم والجديد، وثبت أن أنساق أرسطو وبطليموس والكنيسة لا تتفق مع العقل والطبيعة والإنسان والمجتمع. فبدا الواقع عاريا من أي غطاء نظري. وبدأت التساؤلات والإجابات البديلة. فنشأت الأنساق الفلسفية والتيارات الفكرية للإجابة على هذه التساؤلات. الفيلسوف بهذا المعنى هو صاحب النسق الفلسفي. وليس لدينا فيلسوف بهذا المعنى، واضع نظرية في المعرفة، ونظرية في الوجود، ونظرية في القيم.

 

إنما الفيلسوف لدينا هو المفكر والناقد، وربما المثقف والأديب، صاحب الموقف النقدي من الموروث القديم الذي يحاول التخلص من سيطرته، والتحرر من سلطانه. الفيلسوف هو من يعيد بناء التراث القديم ليكون أصلح لروح العصر، ويعيد الاختيار بين البدائل، واختيار بديل أنفع للناس.

 

الفيلسوف هو الذي يحاول نقل حضارته من مرحلة إلى أخرى، من الإصلاح إلى النهضة، ومن الهيمنة إلى التحرر، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التجزئة إلى الوحدة، ومن الاحتلال إلى التحرر، ومن الظلم الاجتماعي إلى العدالة الاجتماعية، ومن الاغتراب إلى إثبات الهوية، ومن السلبية واللامبالاة والفتور إلى الالتزام والفعل وأخذ المواقف. الفيلسوف هو ابن عصره، والقادر على تشخيص طبيعة المرحلة التي تمر بها حضارته، والتأثير في أكبر قدر ممكن من الناس، ومخاطبة الخاصة بالقول البرهاني، والمثقفين بالقول الجدلي، والعامة بالقول الخطابي.

 

والفيلسوف هو الذي يتمثل الوافد بعد نقله والتعليق عليه وشرحه وتلخيصه وعرضه والتأليف في موضوعاته ثم الإبداع فيه. ولما كان الوافد الحديث هو الوافد الغربي وليس الوافد اليوناني، فكل ناقل له من أجل تمثله وليس من أجل إذاعته والترويج له، كل من يعرضه ويؤلف فيه ويبدع في موضوعاته ولا يكتفي بحمله، فهو فيلسوف.

 

ليست مهمة الفيلسوف الذي يتعامل مع الوافد الغربي نقله وزرعه في بيئة أخرى، وبناء مذاهبه ومدارسه في بيئة غير مواتية. فقد حاول رواد النهضة ذلك ببناء صروح ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو حتى إسلامية مستنيرة فوق أرضية تراثية محافظة موروثة ترفض الجسم الغريب. فسرعان ما انهارت، وظهر الموروث القديم حاملا لحركات إسلامية محافظة تتهم التنوير بالتغريب. وكلما تفاقمت الأزمات، وتعاظمت التحديات، ظهرت الحركات الدينية باعتبارها المخلص من أزمات الأيديولوجيا العلمانية للتحديث، الليبرالية والقومية والماركسية. فكل من يأخذ موقفاً نقدياً من الغرب، محوّلا الغرب من كونه مصدراً للعلم كي يصبح موضوعاً للعلم، هو الفيلسوف كما كان الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد فلاسفة بالنسبة للوافد اليوناني، ومسكويه بالنسبة للوافد الفارسي، والبيروني بالنسبة للوافد الهندي.

 

والفيلسوف هو الذي ينظِّر للواقع تنظيراً مباشراً ويحوله إلى نص. ولا يكتفي بتأويل النصوص القديمة أو الحديثة وإلا كان عبداً للنصوص.

 

لذلك اتهمنا بأننا حضارة نص، بينما يزهو الغرب علينا بأنه وحده صاحب حضارة الفعل وحجة العقل بعد أن قضى على حجة النص. ونحن مازلنا نعتمد على حجة النص. فالنص أساس العقل كما ورثنا عن الأشعرية القديمة. وعرفنا بالتأويل والاشتباه، والظاهر والباطن والفكر، والازدواجية في السلوك.

 

الفيلسوف هو الذي يعطينا نظرية في تحرير الأرض ويقدم لنا ثقافة المقاومة، ولاهوت الأرض، وعقائد التحرير، ويعطينا نظرية في حرية المواطن، ويبحث عن الجذور التاريخية لأزمة الحرية والديمقراطية في وجداننا المعاصر، كما حاول الكواكبي في «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، وهو الذي يصوغ نظرية ويضع آلية للعدالة الاجتماعية. وهو الذي يضع عقيدة وحدوية لحماية الأمة من التشرذم والتجزئة، ويدافع عن الهوية ويضع قانوناً للذاتية كما حاول محمد إقبال ضد التغريب والاغتراب في الآخر، وهو الذي يعطي نظرية في التنمية المستقلة ضد التبعية والمعونات الأجنبية والاستيراد وقيم الاستهلاك، وهو القادر على تجنيد الجماهير وحشد الناس، ونقلهم من اللامبالاة إلى الالتزام، ومن الفتور إلى الحماس، كما حاول الكواكبي في «أم القرى».

 

الفيلسوف هو صاحب الموقف الحضاري والذي يعي المرحلة التاريخية لأمته، ويحاول نقلها إلى أخرى. الفيلسوف ابن عصره، وابن وقته، وابن زمنه، وابن مجتمعه… لا يعيش خارج الزمان، يعلِّم أرسطو كما يعلِّم حرفة، ويلقِّن المنطق كما يفعل الشيخ مع المريد في العصر العثماني. الفيلسوف ليس مؤرخ الفلسفة الذي يحمل بضاعة يبيعها لمن يشاء من أبناء وطنه ولدور النشر. الفيلسوف هو صاحب الوعي الفلسفي. فالفلسفة ليست معلومات فلسفية ينقلها معلم إلى تلميذ، بل هو الذي يمارس فعل التفلسف، وفي فعل التفلسف تتوحد الذات والموضوع، فلا ذات بلا موضوع، ولا أستاذ بلا قضية، ولا موضوع بلا ذات، ولا وطن بلا مواطن.

 

كان معظم الفلاسفة في التاريخ أصحاب قضايا وحملة رسالة. كان سقراط صاحب قضية لتنوير الناس، وأفلاطون حامل رسالة لتربية المجتمع وتكوين المدينة الفاضلة، وأوغسطين مدافعاً عن المسيحية ضد الشكاك والمانويين والوثنيين، أما ديكارت وبيكون فأرادا تأسيس المعرفة الجديدة، كما أراد كانط بيان إمكانيات العقل، وهيجل الكشف عن قوانين الجدل، وفشته تأسيس نظرية في العلم، وماركس تغيير العالم، وهوسرل إكمال المثالية المتعالية متمثلة في الكوجيتو.

 

وفي تراثنا القديم، كان المتكلمون والفلاسفة والصوفية والأصوليون، أصحاب قضايا. وكانت الفرق الكلامية أحزابا سياسية تؤول العقائد الدينية إلى أيديولوجيات للسلطة القائمة أو للمعارضة السياسية. وأراد الحكماء تمثل الوافد داخل الموروث في جدل ثقافي بين الحضارات. وكان الصوفية يريدون الاستمرار في المقاومة، مقاومة النفس، إذا ما استعصت مقاومة الظلم والطغيان في العالم الخارجي. وأراد الأصوليون وضع مناهج للتشريع ومنطق للاستدلال في ظروف متغيرة وعصور متوالية.

موقع التجديد العربي