نظام العفو الخاص بالمغرب وراهنية إصلاحه

غسان باحو أمرسال *

         لأول مرة في تاريخ المغرب يثير موضوع العفو الخاص ضجة كبرى وردود فعل قوية من قبل المجتمع المدني بكافة شرائحه ، بعد أن كان النقاش بخصوصه محصورا في الدراسات الأكاديمية و تقارير المنظمات الحقوقية . إن موضوع العفو لم يكن من أولويات ورش إصلاح المنظومة القضائية المفتوح اليوم على عهد وزير العدل الأستاذ المصطفى الرميد. ولم يكن لهذا الموضوع أن يطفو على السطح لولا العفو الممنوح للإسباني دانيال المدان بثلاثين سنة سجنا من أجل اغتصاب أطفال قضى منها مدة جد يسيرة.

         فالعفو حسب الأستاذ غسان رباح” إجراء أو تدبير صفح ، يعفى بموجبه المدان من تطبيق العقوبة التي كان يتوجب عليه قضاؤها في السجن “.وحسب الأستاذ إدريس بلمحجوب فإن العفو من العقوبة هو “انقضاؤها كلها أو بعضها أو إبدالها بعقوبة أخف منها ، أو وضع حد لتحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها في جميع مراحل المسطرة و أمام أي هيئة قضائية بمقتضى أمر ملكي” . وهو في المغرب إما فردي أو جماعي بخلاف بعض الأنظمة المقارنة التي تجعل منه عفوا فرديا فقط. وهذا هو المعروف بالعفو الخاص الذي يختلف عن العفو العام  .  و نظام العفو هو نظام قديم يوجد في أغلب التشريعات المقارنة و إن اختلفت المساطر المتبعة بشأنه من دولة لأخرى ، ولقد سبق لفرنسا أن ألغته إبان الثورة الفرنسية من قبل الجمعية التأسيسية إلا أن مساوئ الإلغاء ظهرت بسرعة ، مما حدى بمجلس المستشارين إلى تسوية هذا الوضع .

والهدف منه عامة هو استعماله كوسيلة لتدارك الأخطاء القضائية و إنهاء عقوبتها في الحال دون اللجوء إلى إجراءات معقدة تقتضيها إعادة النظر في الحكم . كما أنه قد يكون بهدف تشجيع المحكوم عليه  لإصلاح سلوكه بالرغم من وجود عدة أليات قانونية أخرى تسمح ببلوغ هذه الغاية و ذلك كالإفراج المقيد بشروط .ولقد وجهت لنظام العفو عدة إنتقادات على المستوى النظري باعتباره يتعارض مع مبدأ إستقلال السلط بمنحه لرئيس الدولة الحق في شل تنفيذ أحكام قضائية. غير أن هذا الإنتقاذ  أضاع قوته بسبب التراجع عن فكرة إعتبار فصل السلط هو فصل مطلق كما أن هذا الطرح يفقد فعاليته في المغرب على اعتبار أن الأحكام القضائية تصدر باسم جلالة الملك. كما أن العفو لا يمحو الجريمة و الإدانة الصادرة بخصوصها بل لا يؤثر فقط إلا في العقوبة والتي هي تنبع تقليديا من سلطات السلطة التنفيذية. فالعفو لا يحدث أثره إلا بالنسبة للمستقبل لأنه لا يمحو الجريمة و لا الحكم و إنما يعفي من تنفيذ العقوبة في حدود ما هو منصوص عليه في أمر العفو ما لم ينص على خلاف ذلك . كما أن من بين الإنتقادات الموجهة له ، هو اعتباره يؤدي إلى الإفلات من العقاب ، حينما يستعمل في حالات معينة لا تكون مستحقة لنيل العفو مثل تمتيع بعض النافذين  أو أقاربهم أو مقربيهم بالعفو في جرائم ارتكبوها مستغلين صفاتهم أو علاقاتهم في الإقدام عليها.

         وحسب الفصل 58 من دستور 29 يوليو 2011 ، فإن الملك يمارس حق العفو. كما أن المادة 93 من القانون الجنائي إعتبرته كواحد من الأسباب المؤدية إلى انقضاء العقوبة و الإعفاء منها . وهو منظم في إطار الظهير الشريف 387-57-1 المنشور بالجريدة الرسمية في 21 فبراير 1958 ويتضمن 14 فصلا. والذي خضع لثلاث تعديلات جزئية خلال السنوات 1963 و 1977 و 2011. فبالرجوع إلى الفصل الأول من هذا الظهير نجد بأن العفو يرجع النظر فيه إلى الملك و الذي يمكن أن يصدره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا. فالعفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف نشرها حسب الحالة ، في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض.ولقد كان ظهير 6 فبراير 1958 في صيغته الأولى و قبل خضوعه لتعديل 8 أكتوبر 1977 يتطلب للتمتع بالعفو أن يصبح الحكم بالعقوبة قطعيا و قابلا للتنفيذ ، فكان بذلك آخر وسيلة يمكن اللجوء إليها من طرف المحكوم عليه . وهذه الصيغة تعتبر أكثر تقدما و انسجاما مع الصيغ الواردة في القوانين المقارنة ،غير أن التراجعات الحقوقية و القانونية التي عرفها المغرب خلال فترة السبعينات أدت إلى شمول هذا الفصل بالتعديل دون أن يتنبه المشرع في أي لحظة من اللحظات إلى إعادة النظر في مقتضيات هذا القانون ، رغم ما كان يوجه له بين الحين و الأخر من انتقادات. لدى وجب حصر العفو في الحالات التي صدر بشأنها حكم نهائي إستنفذ كل وسائل الطعن الممكنة أو أصبح غير قابل للطعن.

ومما تجدر الإشارة إليه فإن الكثير من التشريعات المقارنة تعمل على تضييق نطاقه ، مثل التشريع الفرنسي الذي منحه لرئيس الجمهورية بصفة فردية بمقتضى المادة 17 من دستور 1958 كما تم النص عليها في الفصل 133ـ7 و133ـ 8 من القانون الجنائي الفرنسي، حيث يشترط القانون الفرنسي للإستفادة منه أن يكون هناك حكم نهائي غير قابل لأي نوع من أنواع الطعن ، وقابل للتنفيذ بحيث لا يشمل الأحكام الموقوفة التنفيذ أو الأحكام الغيابية ، وأن تكون العقوبة جنائية بحيث لا يشمل العقوبات التأديبية. فالمنطق القانوني من جهة و كذا غايات تحقيق العدالة و الهدف من المحاكمات يدفعنا إلى القول بأن العفو يجب أن لا يشمل المراحل السابقة لصدور الحكم النهائي. وذلك من أجل تكريس الحق في المحاكمة العادلة والتي قد تغني عن عفو كان من الممكن أن تقول فيه المحكمة كلمتها ببرائة المتهم. كما أنه يجنب من فخ الوقوع في تكريس الإفلات من العقاب. أما الدستور الإسباني ل 27 دجنبر 1978 فيمنح هذا الحق للملك بحيث لا يشمل إلا الأشخاص المدانين بأحكام نهائية على أن يتم بشكل فردي و أن لا يؤدي إلى التسبب في ضرر أو مساس بحقوق الأغيار وعلى أن يتم الإستماع في ذلك للطرف الخصم. كما يجب أن يصدر بناء على قرار معلل تم التداول فيه بالمجلس الوزاري ومنشور بالجريدة الرسمية حسب القانون الإسباني الصادر في 18 يونيو 1870 و الذي يحدد مسطرة العفو.

ـ ما لا يشمله العفو في القانون المغربي:

إن العفو حسب القانون المغربي لا يشمل إلا الجريمة أو العقوبة التي صدر من أجلها بحيث لا يشمل باقي الجرائم التي لم يمكن أن يكون قد توبع بها الشخص ولم يصدر بشأنها عفو . كما لا يحول دون تنفيذ باقي العقوبات الأخرى الغير المشمولة به. كما لا يمتد العفوإلى الغرامات الصادرة بطلب من الإدارات العمومية والمصاريف العدلية والعقوبات التأديبية الصادرة عن المنظمات المهنية وكذا الإجراءات التربوية المتخذة ضد القاصرين المجرمين. ولا يجرى العفو على تدابير الأمن العينية، ولا على التدابيير الوقائية بمقتضى المادة 97 من القانون الجنائي. وفيما يخص المصادرة فإن العفو لا يجرى كذلك على الأشياء المصادرة التي بوشر توزيعها بموجب حكم المصادرة.

         ونقترح في هذا الصدد أنه يجب أن لا يصدر العفو إلا بعد استشارة و سماع رأي المتضررين في حال وجودهم و تسلمهم للتعويضات المحكوم بها ، أو التي وقع بشأنها صلح مع الشخص المتقدم بطلب العفو ، حتى لا يكون للعفو تأثير سلبي على نفسية هؤولاء المتضررين و حتى يكون نوع من جبر الضرر و مشاركتهم في العفو .

         ـ اللجنة المكلفة بدراسة ملفات العفو :

         إن للعفو مسطرة خاصة يجب اتباعها . حيث ترفع الطلبات إلى لجنة خاصة لدراسة الملفات ، كما لها حق تقديم اقتراحات تلقائية بهذا الشأن.حيث تضع اللجنة معايير داخلية لتقديم اقتراحاتها تراعي بالإضافة إلى الحالة الإجتماعية و الصحية للمحكوم عليه ، ومدى انخراطه في برامج التأهيل للإندماج في المجتمع إذا كان معتقلا ،و نوع الجريمة و مدى خطورتها على النظام العام الإجتماعي و الإقتصادي بالإضافة إلى المعطيات الخاصة المستمدة من الملف الجنائي للمرشح . وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه لجنة العفو بعدم إقصائها للإسباني دانيال مغتصب الأطفال. فبالرجوع إلى أشغال اللجنة و إحصائياتها سوف نلاحظ بأنه خلال سنة 2010  مجموع الملفات المعروضة على اللجنة هو  8242  استفاد منهم فقط 3140 أي تمت غربلة اللوائح بنسبة 38 ٪ . وفي سنة 2011 كان عدد الملفات المعروضة على اللجنة 7809 لم يستفد منهم سوى 2826 أي بنسبة 36 ٪ . وهنا يبرز دور اللجنة و أهميته . وهنا تتجلى مدى جسامة مسؤوليتها في إتقان عملها و عدم تقديم أسماء لا تستحق العفو للملك ، لأن المهام التي يضطلع بها الملك لا تسمح له بدراسة هذا العدد الكبير من الملفات بصفة شخصية و مدققة.مما يجعل اللجنة التي يترأسها وزير العدل تتحمل مسؤولية كل خطأ يتسرب إلى هذه اللوائح المقدمة للملك، خصوصا في ظل الدستور الجديد الذي يعطي للحكومة و أعضائها صلاحيات واسعة ، و تبنيه لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وبالتالي أية دريعة يمكن أن تتحجج بها اللجنة و رئيسها من أجل التنصل من المسؤولية تكون عديمة الجدوى و غير قائمة على أساس.

 وتتركب لجنة العفو حسب الفصل 10 من الظهير من :

–  وزير العدل أو نائبه بصفة رئيس؛
–  مدير الديوان الملكي او نائبه؛
–  الرئيس الأول لمحكمة النقض أو ممثله؛
–  المدعى العام لدى محكمة النقض أو ممثله؛
–  مدير الشؤون الجنائية والعفو أو ممثله؛
–  المندوب السامي للإدارة العامة للسجون؛

 ـ ضابط من الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية يعينه وزير الدفاع الوطني إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية.
–  و يتولى كتابة اللجنة موظف تابع لوزارة العدل.

         وأمام ما طرحته قضية المعفى عنه المغتصب الإسباني دانيل من إشكاليات كان لهذه اللجنة دور كبير في حدوثها إن لم نقل بتحملها كامل المسؤولية في حدوثها كما يستشف من خلال بلاغ الديوان الملكي في الموضوع ، فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في تركيبة و صلاحيات هذه اللجنة . وعليه فإننا نقترح أن تضم إلى جانب الشخصيات السابق سردها ، كلا من : رئيس مجلس النواب و رئيس مجلس المستشارين و رئيس المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان و رئيس هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز و كذا ممثلين عن جمعيات الحقوقية يعينون من قبل رئيس الحكومة. ففي عملية توسيع و تنويع تشكيلة اللجنة تقليص لهامش الخطأ بتعدد المقاربات المعتمدة في تقييم ملفات العفو و إشراك أكبرعدد ممكن من الفاعلين في تحمل مسؤولية المقترحات المقدمة لجلالة الملك. ذلك أن الكثيرمن المؤاخذات سجلت تاريخيا على  لجنة العفو أثناء ممارستها  لعملية دراسة الملفات قبل تقديمها للمصداقة.

         ـ إقتراح إلزام تعليل مقترحات العفو مع وضع معايير دقيقة لمنحه.

         ليس هناك بالقانون ما يلزم بتعليل المقترحات المقدمة إلى الملك بشأن العفو . وغياب هذا المقتضى جعل المقترحات لا تخضع لمعايير محددة في انتقاء حالاتها من قبل لجنة العفو. فإذا كان قانون المسطرة الجنائية و كذا الفصل 125 من الدستور يلزمان بتعليل الأحكام  الصادرة عن المحاكم و التي تقول إما بإدانة أو براءة المتهمين ، و ذلك من اجل ضمان حسن سير العدالة و تحقيق شروط المحاكمة العادلة . فكيف لقرار بضخامة و حجم قرار العفو أن لا يقدم تعليل بشأنه من قبل اللجنة المكلفة بتقديم المقترحات . إن روح دستور 2011 وما ورد به من مقتضيات حامية للحريات و الحقوق وضامنة للأمن القضائي يدعو المشرع إلى الإجتهاد في وضع كل المقتضيات التي تنسجم مع اختياراته التي لا محيد عنها. فقد جاء في ديباجة الدستور:” إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن،يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم،في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”. كما يجب وضع معايير دقيقة لمنح العفو تتمثل في وجود أسباب اجتماعية أو صحية أو تحسن سير وسلوك المسجون أو صدور الإدانة  لأسباب سياسية .

         ـ ضرورة إحترام مبدأ المناصفة متى كان العفو جماعيا:

         إن من أهم التعديلات الواجب إدخالها على ظهير العفو ، هو ضرورة النص على احترام مبدأ المناصفة أتناء دراسة و تقديم المقترحات ، حتى لا يكون العفو ذكوريا و غير مستجيب لمقتضيات دستور 2011 ، ومن ثم تبرز أهمية إقتراحنا لإضافة رئيس هيئة المناصفة و ومكافحة جميع أشكال التمييز للجنة . فالمناصفة كما هي مطلوب تحققها في تقلد المناصب و توزيع المنافع ، فهي اكيد مطلوبة و ضرورية في عملية منح العفو ، وذلك لكون هشاشة هذه الفئة يجعلها جديرة بأن تنال حظها من العفو على قدم المساواة مع الرجال.

         لقد أصبح ضروريا اليوم التعجيل بإصلاح نظام العفو الخاص بالمغرب و ذلك لتفادي أية إنزلاقات يمكن أن تحدث في المستقبل من قبل اللجنة المكلفة بدراسة ملفات العفو . كما أن الإصلاح الشامل و الحقيقي لمنظومة العدالة سيؤدي بالضرورة إلى التقليص من حالات العفو .

* باحث في العدالة الجنائية و العلوم الجنائية

محام بهيئة فاس