واقع ومستقبل الديمقراطية في العالم العربي

شنكاو هشام

الديمقراطية المستبعدة عربيارغم التحولات الكبري التي شهدها العالم, سواء على المستوى الدولي او الاقليمي ,وبالرغم من تصاعد وتيرة هذه التطورات المتلاحقة للنمو العالمي, مازال العالم العربي لم يحرك ساكنا لأنه تحت وطأة مايسمى بالدولة التسلطية التي تعمل على قمع المجتمع وتجعله يذعن للقهر والتسلط حتى يبقى المشهد السياسي خاضعا للرقابة مع استبعاد تواجد ديمقراطية متكافئة وعادلة. ان الديمقراطية في جملة أهدافها هو إيجاد صيغة متكاملة وممكنة لحل مشكل الحكم وذلك بجعل الحاكمين خاضعين لإرادة المحكومين. إن متطلبات الحد الأدنى من هذه الديمقراطية يمكن القول انه قد بدا في بعض البلدان العربية الثائرة ولم تكتمل معالمه بالشكل المطلوب, خصوصا أن هذه الدول في بداية صناعة أرضية تمهد نحو ترسيخ هذه الديمقراطية والتي ان تم تطبيقها على أرضية الواقع العربي, الأمر سيكون عبارة عن انقلاب سوف يغير مجري التاريخ ولقد نجحت في ذلك مصر وتونس ومازالت ليبيا وسوريا واليمن تحاول صياغة هذا المشروع الحضاري وان صياغته لن تكون سهلة. فالديمقراطية في بعض الأحيان النضال والمثابرة المتتالية حتى يتم إيصال هذا المشروع وجعله امرا واقعيا لارجعة فيه. ان أي تأجيل للديمقراطية في المشهد السياسي العربي سوف يساهم في تعطيل المشروع الديمقراطي النهضوي وذلك من اجل التوافق عليه كليا .
وبهذا يمكن القول إن هذه الديمقراطية حتى وان ظلت غائبة عربيا, إلا انها أصبحت هاجسا ومطلبا شعبيا عند الفرد العربي الذي اصبح يرى في هذه الديمقراطية الحل الحاسم لجميع مشاكله الحضارية.الديمقراطية المغيبة عن الواقع السياسي العربي

الصيرورة التاريخية بماضيها وحاضرها ومستقبلها ظلت غنية بالصراعات على السلطة وظهور حركات سياسية معارضة ومناهضة لأي سلطة أبدية, ذلك ان الواقع السياسي العربي تميز بانعدامية الايجابية فيما يخص مسألة التداول على السلطة, والملاحظ في عالمنا العربي ان يمر بمرحلة مايسمي بالعطب السياسي, فيما يخص التداول على السلطة وهذه الأخيرة تبقى الحلقة المفقودة في التاريخ العربي والإسلامي, فمند تحول الحكم إلى حكم ملكي جبري , انتهت الإرادة الشعبية وأقصيت عن السياسة وبهذا أصبحت مسألة التداول على السلطة غير ممكنة, فاستفحل معها النزوح نحو التغير وان كان في غالب صوره يأخذ صورة العنف الرافض للاستبداد, وبهدذا لاتجد اية قيادة عربية تؤمن بهذا التعدد اوتقوم بالتخلي عن السلطة بمحض إرادتها والى جانب هذه الانعدامية في التداول على السلطة نجد هناك توريث السلطة الذي حاولت الأنظمة العربية تكريسه وجعله امرا واقعيا لارجعة فيه, وهو ماخلف موجة غضب موسعة في عدة أقطار عربية رافضة لأية ركوض سياسي علي مستوى المشهد السياسي العربي.
إن قضية التداول على السلطة تظل مرتبطة بطبيعة الدولة وبمعايير الشأن العام وسلطة القانون, وأما دول الجنوب فهي دول النخبة وليست دولة المجتمع, لأنها منفصلة عنه ومرتبطة بمصالحها الخارجية ولايمكن القول بأنها دولة الشعب, بل هي دولة الخارج لاتراعي مصالح المجتمع الداخلي ولكن قوتها موجهة من اجل السيطرة على الشعوب وخير دليل على ذلك مايحدث في سوريا واليمن وليبيا وماكان عليه النظام المصري والتونسي.

العالم العربي وإشكالية
التنمية والديمقراطية

بطالة خريجي العالم العربي من الجامعات سوف تظل في تزايد مستمر مادامت الدول العربية لاتريد تبني سياسة تنموية شاملة تدمج خريج الجامعات في عالم الشغل . والبطالة تظل من بين القضايا الرئيسية في الوطن العربي, فحتى ان اقصينا جيلا كاملا متعلما ومتخرجا من الجامعات من هذه الحقوق, إذن المشكل الأساسي حول الأجيال القادمة هل سوف يستمر الحال كما هو عليه, أم اننا قد نتحول من اللامبالاة الي التوجه نحو الاهتمام والوعي بالمشكلة وبكل الأزمات التي يعاني منها المواطن العربي والذي قد تحول إلى مجموعة من الشعوب التي ترى في الهروب الي اروبا واستراليا وكندا وامريكا مخرجا للهروب من اليأس والفقر والجوع وهو هروب أيضا من الوصول الي انعدامية صلاحية إنسان كانسان ان البلدان العربية في المرحلة الراهنة وفي ظل ثورتها المطالبة بالحرية والديمقراطية سوف يكون عليها من اللازم النضال من اجل الوصول الي مرحلة التجديد والمنجزات في ديمقراطية خلاقة تسود فيها العدالة الاجتماعية والاقتصادية حتي يستطيع بذلك الانسان العربي الرجوع الي دائرة صناع التاريخ, لأننا سلمنا مشعل الحضارة الي غيرنا وأهملنا بعد ذلك واقعنا وحاضرنا ومستقبلنا في ظل عالم متغير اصبح يؤمن بالتغير والديمقراطية العادلة التي أصبحت مطالبا لكل شعوب وخصوصا شعوب العالم العربي.

ديمقراطية في ظل عدالة اجتماعية

إن الديمقراطية في مضمونها الجوهري ,تظل على ارتباط وثيق بالعدالة الاجتماعية التي تعتمد على الجانب الاقتصادي فيما يخص تحقيق عدالة متوازنة في توزيع الثروات وعائدات النمو التي تمثل مجموعة من مداخيل الدولة ,ان هذه الديمقراطية المنشودة استطاعت ان تجد طريقا للبروز والظهور من خلال دول العالم الأول التي أعطت لهذا المفهوم الصلاحية الكاملة في التطبيق والممارسة الفعلية داخل مجتمعاتها,ذلك ان العدالة والمساواة الاجتماعية تظل من بين الشروط الأساسية لأي نظام ديمقراطي ناجح يحسن التصرف بالثروة العامة حتي يتم القضاء على التفاوتات الاجتماعية.
وأما فيما يخص العالم العربي, فإن الديمقراطية فيه تتميز بانعدامية العدالة في توزيع الموارد وهي بذلك تقوم باستبعاد القوى الاجتماعية من عملية الاستفادة وهو مايولد في العالم العربي طبقات محرمة سياسيا واقتصاديا مع انتشار الحرمان واتساع دائرة الفقر والتهميش, بحيث بعد ذلك لانجد هناك معنيى للحريات او حقوق الانسان في ظل هذا التفاوت الديمقراطي .
إن الانتفاضات التي يمر بها العالم العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا تعد تعبيرا عن غياب العدالة التوزيعية. تم توسيع دائرة الفقر مع تعاظم غياب العدالة الاجتماعية. إن من بين العوامل التي سوف تساهم في زيادة الاضطرابات في العالم العربي إلى فضاء سياسي مطالب بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي باتت تنصب نحو محاولات يائسة لم يوجد لها سبيل إلى الوجود من خلال واقع عربي يغلب عليه الخلل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي سوف يؤدي الي زعزعة الاستقرار في العالم العربي.

الديمقراطية المطلوبة عربيا

إن العالم العربي شهد تحولات كبرى في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة, هذا التحول اقتصر على بعض الدول دون الاخري, ويمكن القول انه بالإمكان الجزم ببعض التحولات وإقرارها عربيا ودوليا, لأن الديمقراطية وحقوق الإنسان مجالات تعد من بين القضايا الكبرى التي أصبحت تشغل اهتمام الباحثين والمدافعين عن الحقوق والحريات العامة, ذلك ان هذا الأمر اصبح ينطبق في غالبيته على دول العالم العربي.
والتي لم تنجح في كسر قيود الفساد والتظلم وعوامل التخلف التي أرجعت هذه الدول إلى الوراء.
إن هذه الدول أصبحت تتطلع إلى بروز نوع جديد من الديمقراطية تحقق نوعا من التوازن العادل بين شرائح المجتمع عن طريق التضامن والتكافل الاجتماعي مع التركيز علي العدالة التوزيعية في الموارد والثروة, وكل ذلك من اجل تحسين الأوضاع المادية للمواطنين حتى تستطيع الحصول على واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي سليم ومتجدد يعتمد على ديمقراطية عادلة بغية تجنب الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية مع وضع حد لكل السياسات الديكتاتورية.
إن العالم العربي أصبح على وعي تام في انتفاضات العربية المتأججة على الساحة السياسية. على ان الديمقراطية التي ترسخ الإصلاح وتساعد على التنمية التي أصبحت من أولويات مطالب هذه الدول, خصوصا ان هذه الدول بدأت تشعر أن هناك انغلاقا وان جميع الأبواب موصدة أمام التغير, لأجل دذلك فإن الدول العربية مازالت تطالب بديمقراطية عادلة من اجل كسب رهانات القرون القادمة.

تنشئة سياسية متوازنة وسليمة
في العالم العربي

إن عالمنا العربي في حاجة الى تنشئة سياسية تعمل على تأطير الفرد العربي بما يتناسب مع مصالحه العليا من اجل رسم مخطط للسياسات العامة داخل هذه البلدان لكي تستمر على نهجها,من اجل خلق مناخ تنموي متوازن وعادل, هذا المناخ قد يساهم في تشكيل ثقافة مستنيرة تعتمد على إعلام ورؤي واديولوجيات وقيم سياسية متعددة , يهدف الحزب اوالمنظمات أو الفعاليات السياسية الي تأصيلها في أذهان المتعاطفين والمنخرطين ضمن أية إديولوجية سياسية.
كما أن هدذه التنشئة لاتبقي في مناي عن ضرورة تدعيمها بمبدأ المشاركة السياسية مع الاهتمام بهذا المبدأ وجعله ثقافة سياسية موحدة في الأذهان والشعور, حتى يتم بعد ذلك تفعيل واقع الحياة السياسية. فالتنشئة السياسية تظل مرتبطة بمدى قدرة الحزب على التأثير في العملية السياسية.
وبهذا, فإن هذا الأمر يحتاج الى التكوين السياسي المستمر, سواء عن طريق الإعلام المرئي والمسموع أو عن طريق الأحزاب السياسية, كل هذه الفعاليات تظل المسؤول الوحيد نحو تحقيق هذا الوعي المتكامل من اجل الوصول الى التنشئة السياسية المطلوبة في العالم العربي, بحيث يجب ان تكون متلازمة مع مقومات الديمقراطية العادلة حتى نتمكن من صناعة جيل ديمقراطي يؤمن بالتعددية ويؤمن بالاختلاف والرأي الآخر وكل ذلك لن يتم إلا عن طريق الدعوة الى تنشئة سياسية سليمة ومتوازنة يمكن أن تربي لنا جيلا يؤمن بهذه القيم سواء على المستوى الانساني أو السياسي.

باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي

8/13/2013