النقد الذاتي أو شرط الحوار البناء

أبو يعرب المرزوقي

منزل بورقيبة في 2013.08.04

من البين أن ما بلغ إليه الوضع من اصطفاف قد آل إلى التشكيك المتبادل في نزاهة اعتراضات كل صف على مقابله حتى صارت جلها من جنس الحق الذي يراد به الباطل. أصبح كل واحد منهما يدعي احتكار الإخلاص للثورة وللوطن. وإذن فالمسيطر على التفاعلات السياسية في الوضع الراهن لم يعد الأفعال وتقدير المصالح بل هو محاكمة النوايا وأحوال النفوس حتى كاد الواحد لا يجد في نهج النخبة السياسية شيئا من خصائص العمل السياسي:

الفعل ورد الفعل من منطلق التهم المتبادلة إلى حد التعنيف المتجاوز للتجاوزات اللفظية المعبرة عن أحوال النفوس في غياب خاصيات رجل الدولة.

إلغاء شروط التعاون المحافظة على أساسيات الحياة المدنية السلمية الشارطة لكل عمل سياسي سوي بين جماعات لا تسعى إلى الإلغاء المتبادل.

لا أكاد أصدق ما أراه أو أسمعه من خطاب صادر عن زعماء الأحزاب التي نتوقع أنها ذات وزن انتخابي سواء كانت من الحكم أو من المعارضة أو حتى من أشخاص كان لهم وزن رمزي استمدوه من الصمود في عهد الاستبداد والفساد.فجل النخبة السياسية إن لم تكن كلها باتت تتصرف تصرف متزعمي الأحزاب المجهرية التي لا يكاد عدد المنتسبين إليها يتجاوز عدد أعضاء هيئتها المؤسسة. ذلك أن الاحتكام إلى الشارع والشائعات بناء على محاكمة نوايا المنافسين (عكس شروط التعامل الراشد مع الواقع) من منطلق أحوال النفوس (عكس خاصيات رجل الدولة) ليس من الحكمة السياسية في شيء.

فالحكمة تقتضي الانطلاق من المعطيات الموضوعية ومن تقدير المصلحة العامة. وتلك هي العلة التي تجعلني أميل إلى التفسير الوحيد الذي يبدو لي تفسيرا معقولا لهذا السلوك: الخوف من انفراط عقد الأحزاب التي كثر فيها صراع الزعامات ومن ثم الخوف من حكم الصندوق المنتظر داخل الأحزاب وبينها. إن الصراعات المحتدمة وتحكيم الشارع لن يورث إلى الفوضى العارمة التي تحول دون ممارسة العمل السياسي السوي فضلا عن تحقيق شروط التعاون والتبادل والتواصل بين الأفراد والجماعات في مناخ من الحياة الراضية.

حوار الصم

فمن بيدهم الحكم لم يعودوا قادرين على الاستماع إلى من بيدهم المعارضة حتى لو قالوا حقا. وهم يقولون بعض الحق دون شك: وأهم حق يقولونه هو أن المسار الانتقالي متعثر وأن التعاون عليه بالتوافق بات ضرورة. وكان من المفروض أن يعتبر الحاكمون ذلك نقدا ذاتيا من المعارضة قبل أن يكون نقدا للحكم لأن المعارضة هي التي رفضت الانطلاق على هذه القاعدة مباشرة بعد الانتخابات وفضلت منطق الحكم والمعارضة بدلا من حكومة الوحدة الوطنية.

ومن بيدهم المعارضة لم يعودوا قادرين على الاستماع إلى من بيدهم الحكم حتى لو قالوا حقا. وهم يقولون بعض الحق دون شك. وأهم حق يقولونه هو أن المسار الانتقالي قابل للتسريع خاصة وهو قد أشرف على غايته ولا مصلحة لأحد في محو كل ما حصل والبدء من الصفر. وكان من المفروض أن تعتبر المعارضة ذلك نقدا ذاتيا من الحكم قبل أن يكون نقدا لها لأن الحكم هو الذي كان يشتت الاهتمام في مشاكل جانبية أطالت المرحلة بدلا من الاشتغال بشروط الانتقال الأساسية.

وبعبارة وجيزة فإن كلا الصفين وقع في أخطاء لو اعترف بها بنقد ذاتي وبتواضع من يريد البناء السليم على تعاون الجميع لأصبح الاستماع المتبادل ممكنا ولأمكن الانتقال السلس دون حاجة إلى الصدام الذي ليس هو من ثم ناتجا عن هذه الأخطاء بحد ذاتها بل عن عدم الاعتراف بها بنقد ذاتي يؤسس للحياة السياسية السلمية فيصبح بالإمكان استئناف البناء المشترك من جديد لتحقيق أهداف الثورة وأهمها بناء الجمهورية الثانية المتحررة من انحرافات الجمهورية الأولى انحرافاتها المتعلقة بشروط الحرية والكرامة شروطهما القريبة والبعيدة. وإذن فمن شروط الخروج من المأزق الحالي النقد الذاتي في صفي الصدام.

النقد الذاتي الواجب على المعارضة

وهذا يقتضي أن تبدأ المعارضة فتعترف بفشلها هي بدورها بدلا من الاقتصار على مطالبة الحكم بهذا الاعتراف. ذلك أن الحكومة الأولى اعترفت بالفشل وحاولت أن تقترح حلولا لم تقبلها المعارضة إلا قولا لتأزيم الحكم وتشفيا من الحزب الأغلبي وليس لخدمة الصالح العام. والدليل أن الشروط التي وضعتها المعارضة حصرت الحل في ما تريده هي وليس في ما يتم التوافق عليه. فأي معنى للدعوة إلى التوافق إذا كانت مشروطة بفرض حل الداعي إليه؟ ذلك أن حكومة الكفاءات التي اقترحها السيد الجبالي غير ما كان يفكر فيه المعارضون إذ هم كانوا يريدونها بمعزل عن التوافق بين الأحزاب-بدعوى رفض المحاصصة-فمعنى ذلك أنها ستعمل من دون موافقة المجلس ما يعني ضمنيا رفض نتائج الانتخابات وهو بالذات نفس الأساس الذي تستند إليه المطالب الانقلابية الحالية .

ونفس هذا النهج الضمني نجده حاليا الدعوة إلى التوافق. فالقصد ليس التوافق بل القبول المطلق برأي المعارضة حلا لا نقاش فيه وليس الوصول إلى حلول وسطى يتوافق فيها الحاكم والمعارض لكأن الفشل إن سلمنا به ليس حصيلة جدلية بين طرفي الحكم حكما ومعارضة. ومن ثم فدعوى رفض تغول الأغلبية الحاكمة لا يستند إلى اقتراح حلول وسطى بل هو استبداله بتغول الأقلية. وذلك في كل المجالات: مثال ذلك أن رفض رائحة الإسلام في الدستور يعني فرض دستور علماني وليس علماني بأي معنى بل بالمعنى اليعقوبي المطلق ومن ثم فرض إرادة الأقلية في الخيارات الجوهرية لأسس الحكم في البلاد. لم يبق إلا أن ندعو روباس بيار لحكمنا وإلا فإن الدستور لن يمر إلى على جثث المعارضة الديموقراطية جدا.

ومن ثم فإذا كان القصد الحكم التوافقي لتقوية الشرعية المؤسسية فعلى المعارضة أن تعترف بأنها في حقيقة الأمر لم تقبل هزيمة الانتخابات من البداية وأنها ضد التوافق ما لم يكن فارضا رأيها على الجميع. وإذن فهي قد كانت خاسرا سيئا. وقد لعبت استراتيجية الإطاحة السريعة بالحكم ففشلت وهي الآن تلعب آخر أوراقها حلما بتكرار ما يحصل في مصر. ولو كانت لها شيء من الحكمة لعلمت أن ما يجري في مصر هو نهاية نظرائها ونهاية هذه اللعبة السخيفة المتمثلة في استيراد الدساتير وفرضها على الشعوب بدلا من استمدادها مما يمكن أن يحقق شرط الحياة الهادئة في الجماعة أعني الدستور الذي ينال الرضا فحقق المحكومية الطوعية المغنية عن الحكم المستبد.

وإذا كان الحكم قد اعترف بفشله الجزئي إذ لم يحقق المطلوب في الأجل المسمى فإن المعارضة عليها أن تعترف بفشلها الكلي. فهي قد فشلت في كل المناوشات التي بادرت بها فضلا عن كونها مزقت الأحزاب التي كانت ذات مصداقية. وهي لم تكون إلا أحزابا هجينة ليس لها مرجعيات واضحة ولا برامج ذات مصداقية بل هي اكتفت بتعريف ذاتها سلبا. ثم هي تعرف نفسها بكونها تجميع هجين لمحاربة عدو وهمي أي من ليسوا بديموقراطيين.وكل ذلك مبني على احتكار ما لا دليل عليه أعني تمثيل التنوير والحداثة والديموقراطية. لكن سلوكها وخطابها الإقصائي يدل على أنها أكثر دكتاتورية من الأحزاب الحاكمة.

وهبنا فرضنا الحكم الحالي ترك لها الحكم فهل تنوي اللجوء إلى طرق النظام السابق في إلغاء الحاكمين الحاليين من اللعبة السياسية كما عبر عن ذلك من يريدون محاكاتهم في مصر ؟ لن نبحث عن جواب هذا السؤال لأنهم في تونس وكذلك في مصر أعجز من أن يفرضوا شيئا بالقوة حتى لو حالفتهم كل أجهزة الدولة الظاهرة والباطنة. وتلك هي دلالة الربيع العربي.

هبهم إذن تنازل الحكم لهم الآن عن الحكم وتركهم يديرون البلاد. فهل المؤسسات التي ستكون من جنس الهيئة التي عينت أعضاءها الحكومة الثالثة أكثر شرعية من المؤسسة المنتخبة الحالية حتى لو سلمنا بأنها تجاوزت أجلها: إذ يدعي السبسي أن له تصور للمؤسسات البديل من المجلس وهو حتما يعني نفس الهيئة أو لعله يريد أن يخيط كسوة جديدة لخروتشاف ؟ من سيضمن تمثيلها للإرادة العامة إذا لم تكن ناتجة عن انتخابات؟ ثم لماذا لا يكون الحل مثلا انتخاب الهيئة البديل لتكون مجلسا نيابيا يشرف على ما بقي من المرحلة الانتقالية؟ فالمجلس الحالي الذي جاء بالانتخابات لا يمكن أن يحله إلا أحد أمرين:

إما الانتخابات العادية بعد أن ينهي مهامه وهي على وشك الفراغ منها لو حسنت النوايا ولم يتصرف النواب تصرف الأطفال المدللين بسبب ضعف الإرادة الحاكمة في تطبيق القانون: ذلك أن تعطيل المؤسسة التأسيسية يحكمه قانون يجعل رئيس الحكومة صاحب السلطة التشريعية بمقتضى ما يوجبه النظام العام بمعنييه شروط تطبيق القانون وشروط الأمن.

أو الانتخابات المبكرة التي يمكن أن يدعى إليها الشعب ولو باللجنة القديمة وبالقانون القديم مع مطالبة الهيئات الدولية بالمراقبة التامة لكل مراكز الانتخاب. فهل المعارضة مستعدة لهذا الحل الذي يستجيب لطلبها ولكن بصورة مؤسسية لا شوارعية؟

إن استراتيجية المعارضة التي لم تعترف بشرعية الانتخابات التي خسرتها واختارت استراتيجية المناوشة والمناورة السياسة والنقابية والشارعية والإعلامية للإطاحة بالشرعية من البداية وليس بعد 23 أكتوبر 2012كانت ضحيتها الأولى مهابة الدولة والمؤسسات الناشئة. ومعنى ذلك أن المعارضة لم تنجح إلا في شيء واحد خطير على مستقبل البلاد ومستقبل أي حزب أو جبهة حاكمة: الحط من مهابة الدولة من خلال السعي لتشليك مؤسسات المرحلة الانتقالية وتوظيف مؤسسات الدولة العميقة لتعطيل عملها. فقد جعلوا المجلس ركحا للمزايدات والمناكفات وشغلوا الحكومة بالسفاسف واستهانوا بالرئاسة من خلال العبث بكرامة الرئيس.

والغريب أن أحد أكابرهم بلغت به البذاءة إلى حد وصف الرئيس بأنه يبرطع ووصف السياسيين بأنهم أمارك وإحدى السفيهات تصف الرئيس بأنه مجنون ورئيس الحكومة بأنه إرهابي إلخ.. ظنا منهم أنهم بذلك تحققون أهدافا ضد الأحزاب الحاكمة في حين أنهم يحطون من الحكم والمعارضة ومن الدولة في الغاية. إن فشل المعارضة في المناوشات أداها في الغاية إلى الحل الوحيد المتبقي في القضاء على العمل المؤسسي: الانقلاب الشارعي للعودة إلى النظام السابق بالاعتماد إلى أجهزة الاستبداد والفساد لأنها من دون هذه الفرضية لا يمكنها أن تكون أقدر من الأحزاب الحاكمة التي هي أقرب إلى الشعب منها. وإذا كانت تجهل ذلك فمعنى ذلك أنها بحق ليست جديرة إلى ما ستؤول إليه أعني الانتحار.

النقد الذاتي الواجب على الحكم

وعلى الحكم أن يعترف بأنه في حقيقة الأمر أخطأ عندما دخل في لعبة رفع هذا النوع من التحدي فسقط بذلك في استراتيجية دفاعية لكأنه غير واثق من شرعيته معتمدة على رد الفعل على تلك استراتيجية المعارضة ودخل في منزلق التنازلات للاتحاد وجماعات الضعط فأسهم بذلك في الحط من قدر الدولة والمؤسسات. ففضلا عن كون ذلك أضاعالوقت في معارك جانبية لا فائدة منها فإنه قد أسهم في ما سعت إليه المعارضة من محاولة التقليل من مصداقية الأحزاب الحاكمةأعنيما كانت المعارضة تريد ترسيخه في ذهن المواطنين. وبدلا من الاهتمام بتحقيق ما انتخبت هذه الأحزاب من أجله دخلت في صراع داخلي على الزعامة وفي صراع بينها على الكراسي وصراع مع المعارضة على الشرعية ومع الإعلام وتقريبا مع جميع المؤسسات.

وقد كانت الحكمة تقتضي عدم التفكير في معركة الإصلاح والمحاسبة إلى ما بعد الانتخابات الموالية للمرحلة الانتقالية وحصر الهم في شروط الحكم الناجع وتحقيق برنامجالانتخابات التي أتت بهذه الحكومة أعني تحقيق المهمتين المزدوجتين التاليتين اللتين عرضتهما ذات مسامرة أمام كتلة النهضة بحضور السيد رئيس الحكومة دعوة مني للزملاء إلى عدم شغل الحكومة بما يطالبون به من إصلاح ومحاسبة إلخ… لأن ذلك مستحيل في المرحلة الانتقالية بل ينبغي أن ينتظر تتأسس الدولة الجديدة التي عليها أن تقوم بذلك استنادا إلى شرعية مستمدة من الدستور الجديد ومن برنامج انتخابي تعرض فيه هذه المطالب وتقدم لنيل الثقة من أجل تحقيقها لأنها لم تكن في برنامج الانتخابات السابقة.

المهمتان السياسيتان التأسيسيتان

مهمتان سياسيتان تتعلقان ببناء الجمهورية الثانية التي تنقلنا من عهد الاستبداد والفساد إلى عهد الحرية والصلاح. وهاتان المهمتان هما:

تحرير الدستور الذي يحدد ضمانات الحرية والكرامة وبناء الجمهورية الثانية غاية تؤسس الشرعية التي تحقق أهداف الثورة.

وأدوات ختم المرحلة الانتقالية أي قانون الانتخابات ومؤسسة الإشراف عليها أداة تمكنان من انتخاب الشرعية الجديدة.

وكان يمكن ربحا للوقت أن نختصر مسألة الأدوات فنبقي على أدوات الانتخابات الأولى أعني الهيئة والقانون (وهو ما دافعت عنه دون جدوى) وتيسيرا للأجماع بين الحكم والمعارضة. كما كان يمكن حصر مهمة المجلس من البداية في تحقيق التوافق حول القضايا الخلافية في الدستور للحصول على الإجماع ثم تكليف لجنة مختصة في صوغها في شكل دستور. وبذلك كانت مهلة السنة تكون كافية وزيادة. وبذلك يمكن للمجلس أن يتفرغ بعدها إلى الوظيفة التشريعية في مجال العدالة الانتقالية ومراقبة عمل الحكومة العادي.

ذلك أن تحقيق التوافق حول المسائل الخلافية هو الذي كان ينبغي البدء به وهو الوحيد الذي يشترط فيه أن يكون تعبيرا مباشرا على إرادة الجماعة من خلال التوافق بين نوابها. فشرعية التعبير عن الإرادة لا يمكن أن تصدر إلا عن ممثلي الشعب. أما الصوغ الفني لهذه المبادئ فيمكن تكليف أهل الاختصاص في القانون الدستوري لربح الوقت والتقليل من النقائص الفنية مقصودة كانت أو غير مقصودة. كما أن المرور المباشر للاستفتاء مغن عن آليات معقدة لمناقشة البنود بندا بندا ثم القراءتين لأن ذلك كله لم يعد ضروريا بعد حصول التوافق حول المبادئ من البداية.

فيكون الاستفتاء عملية رمزية لإضفاء التزكية الشعبية لما حققه نوابه من المعبرين عن إرادته خاصة والتغيير بين الدستورين الأول وهذا الذي نسعى إليه ليس بالكبير حتى يقتضي ذلك البدء من الصفر: فالعملية كلها هي تخليص دستور الاستقلال مما شابه من شوائب الدكتاتورية وتحصينه ضد عودتها مع جعل تفعيله يكون حقيقيا وليس مجرد نص لا يطبق.

المهمتان الاقتصاديتان الاجتماعيتان

مهمتان اقتصاديتان اجتماعيتان هما الشروع الفعلي في علاج القضيتين اللتين مثلتا أصل المطالب الأساسية في خطاب التظاهرات الشعبية التي تحولت إلى ثورة أطاحت بالنظام المستبد والفاسد أعني البطالة وعدم التوازن الجهوي. وفي هذا المضمار كان يكفي أن يشعر المواطنون بأن الشروع الجدي في علاجهما على الأرض بإجراءات فعلية خاصة وعلاج عدم التوازن بما هو تنمية يمكن أن يكون في آن علاجا لإشكالية البطالة مقبولا: فتوظيف العاطلين في مشاريع تنمي الجهات المحرومة يمثل ضربا لعصفورين بحجر واحد.

لكن الأمر الأهم هو أن النجاح السريع في المهمتين الأولين كان يمكن أن ييسر علاج المهمتين الثانيتين بما يوفره من الأسباب. فهو يحقق ضمانة المناخ السياسي والأمني المساعدين على الاستثمار والثقة في الداخل والخارج فضلا عن البرهان على قضية كانت محل شك: أن الإسلاميين قادرون على تحقيق الانتقال الديموقراطي تحقيقا نزيها وشفافا.

ومعنى ذلك أن النجاح في المهمتين السياسيتين التأسيسيتين يوفر الثقة في النظام لدى ممولي الاستثمار الذي يقترحه سواء كانوا أجانب أو تونسيين فييسر علاج الهدفين الثانيين والنجاح في هذا العلاج يهدئ المناخ الاجتماعي فيصبح ذلك كله دليلا على نجاح الحاكمين في ما كلفوا به ما يمكنهم في النهاية من ضمان الحصول على ثقة الناخبين لنوبة ثانية مباشرة بعد المرحلة الانتقالية للشروع في الإصلاحات العميقة. أما التمديد في المرحلة الانتقالية فهو بحد ذاته دليل على الفشل ومن ثم ضمانة لعدم النجاح في الانتخابات المقبلة إن جرت بالشفافية المطلوبة.

آمل ألا يكون كلامي هذا من جنس اللوم بعد القضاء بدعة. فالتدارك ما يزال ممكنا. وقدأردت هذا الكلام دعوة للنقد الذاتي من كلا صفي الصدام الحالي الذي يهدد مستقبل بلد ليس له إمكانات الدخول في حرب لا تبقي ولا تذر. فليس لتونس ما تبيع لتعيش عدا جهد أبنائها. وهذا الجهد يتوقف بمجرد تقديم مصالح الأحزاب والفئات على المصالح العليا للشعب. وعندئذ فإن العمل قابل للاستئناف على قاعدة تسليم المعارضة بأنها فشلت استراتيجية رفض نتائج الانتخابات وعليها أن تعد نفسها لربحها. فإذا كانت تؤمن حقا بأن الحكومة فشلت وتصدق نفسها بأنها ذات وزن انتخابي حقيقي فعليها أن تعتبر فشل الحكومة فرصة تمكنها من إقناع الشعب بإعطائها الأغلبية للحكم بدلا من محاولة الانقلاب التي ستضعها في مأزقين: التنكر لما تعلن من دفاع عن الديموقراطية واكتشاف حجمها الشعبي الذي سيكون في الحقيقة بداية خروجها النهائي من الساحة. ولله في خلقه شؤون.