ما الذي تمّ نقله للثقافة الاسلامية من الحضارات القديمة؟

يحيى محمد

إن ما تم نقله داخل الثقافة الإسلامية لم يكن مجرد رؤى ومضامين فكرية بقدر ما هو طريقة خاصة للنظر والتفكير يحددها – أساساً – دينامو التفكير الوجودي الفلسفي المتمثل بقانون (الأصل والشبه). وإذا ما كانت عملية النقل قد تمت بالحفاظ على هذا الدينامو كأساس، فإن ما يسمى بالفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي النظري، كلاهما يعبّر عن«عقل مفصّل» للعقل المجمل الذي سبقت إليه الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات القديمة. فمع أن هناك العديد من القضايا التي واجهتها «الفلسفة الإسلامية» لأول مرة والتي لا يمكن إرجاعها بسهولة إلى فلسفة الاغريق والرومان وغيرهما، إلا أن تحديدها من زاوية منهجية على ضوء دينامو التفكير أو الأصل المولّد الفعّال يجعل من النسق الفلسفي داخل الثقافة الإسلامية معبّراً عن «العقل المفصّل» للأصل المؤسس.وينطبق هذا الحال على قضايا كثيرة؛ كالتفاصيل المتعلقة بمباحث الوجود والماهية والعلة والمعلول، وقضايا التفسير الفلسفي والعرفاني للنبوة والنص الديني وتفاصيل الجنة والنار وتأسيس المدينة الفاضلة وغيرها. وكما ذكر المرحوم الطباطبائي بأن عدد المسائل التي ترجمت عن اليونان إلى العربية لم تكن أكثر من مائتي مسألة، في حين أنها بلغت لدى المسلمين ما يقارب السبعمائة مسألة[1]. لكن كل ذلك يعبّر عن عقل مفصّل للعقل اليوناني وغيره من عقول الحضارات الأخرى السابقة.

فما تمّ نقله داخل الثقافة الإسلامية هو كل ما انتجه فلاسفة اليونان والرومان ومن على شاكلتهم وفق قانون (الأصل والشبه)، منذ آدم الفلاسفة طاليس، أو من سبقه من حكماء الحضارات القديمة، وحتى افلوطين والهرمسية. وقد استفاد المتأخرون من جمع آراء المتقدمين وتنظيمها، فضلاً عما أفاضته قريحتهم الخاصة، مما جعل تأثير القدماء حاسماً وعميقاً داخل الثقافة الإسلامية. فقد خلّفت كل من الهرمسية والافلاطونية المحدثة -كما في كتاب أثولوجيا افلوطين وكتاب الايضاح في الخير المحض لـ (ابرقلس) – بصمات قوية على الفكر الإسلامي، سيما وأن المدرسة الافلوطينية إمتازت بجاذبية فريدة وهي أنها جمعت ونظمت كافة الخيوط الفلسفية التي سبقتها، فشكلت منها صورة متكاملة ومستندة إلى أصل مشترك من التفكير بلغ أقصاه في الكشف عن سر الوجود وحقيقته.

وأصبح من المعروف أن الثقافة العربية والإسلامية تأثرت بالعديد من المدارس الفلسفية المنتشرة في الشرق قبل ظهور الإسلام وبعده، كما هو الحال في مراكز الاسكندرية وحران وانطاكيا والرها ونصيبين والحيرة وجنديسابور وغيرها من المدارس الأخرى.وأعطى الكثير من المؤرخين والمفكرين المستشرقين والمسلمين لمركز حران دوراً عظيماً على الفكر الإسلامي، ربما لا ينافسه مركز آخر. وهناك من ظن بأن من أوائل الباحثين المعاصرين الذين عرفوا الصلة بين الحرانيين والفلاسفة العرب هو الدكتور جبور عبد النور، في بحث له في مجلة (الكتاب) المصرية عام 1946م، إذ اعتبر الفلاسفة العرب قد اقتبسوا من مدرسة الصابئة القسم الأعظم من مذهبهم في ما وراء الطبيعة، فضلاً عن العلوم الأخرى؛ كالفلك والهندسة وغيرهما[2]، والتي بدورها كانت مقتبسة عن البابليين والكلدانيين. فحران هي المركز الوحيد الذي ظل بعيداً لم يتنصر بالديانة المسيحية، وبعد ظهور الإسلام – وبالتحديد منذ خلافة المأمون – أطلق الحرانيون على أنفسهم إسم (الصابئة) واختاروه غطاءً دينياً يحفظ لهم وجودهم داخل الحضارة الإسلامية، كما نصّ على ذلك إبن النديم في (الفهرست)[3].

ومع أن هناك من يعتبر مدينة حران لم تكن مركزاً فكرياً قبل زمن المتوكل إعتماداً على المسعودي الذي حدد إنتقال العلم إلى حران في زمن هذا الخليفة العباسي واستمر فيها لمدة أربعين سنة[4]، لكن بعضاً آخر يرى أن هذه المدينة كانت منذ ذلك الزمن مفتوحة على الفكر المشائي، حين انتقل إليها مجلس التعليم خلال رحلة هذا المجلس المشهورة من الاسكندرية إلى بغداد، أما قبل هذه الفترة فقد أُعتبرت مركزاً فكرياً يونانياً غير مشائي، فهي مطبوعة بالفيثاغورسية والافلاطونية. إذ انتقلت الفلسفة اليونانية إلى حران وغيرها من المراكز الموجودة في شمال سوريا والعراق وفارس مع فتوحات الاسكندر المقدوني واستمرت متواصلة حتى بعد ظهور الإسلام[5].

لقد صُورت فلسفة حران كـ «قنطرة» كان فلاسفة الإسلام في المشرق يقرأون من خلالها الفلسفة الأرسطية، فتأثيرهم على الفكر الإسلامي تم من خلال نقلهم للعلوم الفلسفية التي ترجموها إلى العربية وقاموا بتدريسها، وبذلك إستطاعوا أن يمرروا من خلالها مفاهيمهم الهرمسية الخاصة[6].

لكن مهما كان تأثير مدرسة الاسكندرية على حران – إذ أن مجلس التعليم لم ينتقل إلى بغداد مباشرة إلا بعد أن تحول إلى أنطاكيا ثم إلى حران – فإن طبيعة التفكير لدى هذا المركز وغيره من المراكز الأخرى لم تختلف جوهراً. فهي قائمة جميعاً على أصل مشترك من دينامو التفكير الوجودي. ومع ما يلاحظ من تقديس الحرانيين للكواكب وعبادتها، طبقاً لديانة المدينة أو تبعاً لفكرها الفلسفي، فإن ذلك لم يشكل حائلاً بينها وبين المدارس الأخرى التي تنصّرت، كالمدارس السريانية مثل الرها وانطاكيا والنصيبين وغيرها. ذلك أن جميع هذه المراكز تتجوهر بأصل مشترك واحد للإنتاج المعرفي، وهو الأصل الذي كان له الدور الحاسم في أن يجعل ظاهرة تقديس الكواكب وعبادتها مشروعة تماماً، إن لم نقل أنها لازمة بالفعل، إلى درجة يمكن القول بأن هذه القضية لم يتخلّ عنها أكثر الفلاسفة المسلمين «رشداً» كإبن رشد، ولا حتى أكبر الفلاسفة اليونانيين «عقلاً» كأرسطو.

ويبدو أن أول الفِرق الإسلامية التي تأثرت بدينامو التفكير الوجودي هي فرقة الكيسانية.فطائفة من هذه الفرقة لم يكفِها أن تتخذ طابعاً غنوصياً للمعرفة، بل زادت على ذلك بمدّ يدها في بحر هيولى «الشبه»، على قرب من منابعه العميقة. لكن هنا ومع هذه الطائفة بالخصوص نجد لأول مرة ينبسط هذا البحر – إجمالاً – على جزر الوحي والنص بعد أن كان منحصراً في مشارف الكون والوجود.

فقد جاء في (الملل والنحل) للشهرستاني أن أتباع أبي هاشم اعتقدوا بأن محمد بن الحنفية قد أفضى إلى إبنه (أبي هاشم) أسرار العلوم وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق على النفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، فقالوا: «إن لكل ظاهر باطناً، ولكل شخص روحاً، ولكل تنزيل تأويلاً، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم. والمنتشر في الآفاق من الحكم والأسرار يجتمع في الشخص الإنساني..»[7].

مع هذا لا نجد في الكيسانية – حسب ما ينقل عنها – وضوحاً كافياً ومفصلاً لتأسيس معارفها على دينامو التفكير الوجودي كشكل منظم ومنظّر. وبالتالي فإن أول إمتداد حقيقي للثقافة اليونانية وما قبلها من حضارات يتمثل بالإسماعيلية. فهي من أقدم المذاهب الإسلامية التي استعانت بالباطن كأساس منتج ومدرك للمعرفة الوجودية والدينية، إذ بنَتْ معارفها ووظفتها لأغراض دينية وسياسية انطلاقاً من دينامو التفكير الوجودي؛ كأصل مولّد للفهم والإنتاج المعرفي.

وتعد شخصية جابر بن حيان الكوفي (المتوفى حوالي سنة 199هـ) أقدم شخصية قامت بتوظيف الباطن طبقاً لدينامو التفكير الوجودي. فأهم ما عُرف به هذا الفليسوف الباطني هو استعانته بالحروف والأسماء والأعداد في الكشف عن المماثلات الوجودية ومعرفة حقائق الأشياء وطبائعها[8]، معتمداً في ذلك على قانون الشبه بين الوجودات. فهو إستناداً إلى قاعدة (الإمكان الأشرف) اعتبر آثار المؤثر شبيهة به؛ لأنها أمثال خواصه على الوجه الأحسن لإختلاف الفاعل والقابل في الفضيلة والنقص[9]. وهو على شاكلة انكساغورس والافلوطينية يقول: «ليس في العالم شيء إلا وهو فيه جميع الأشياء»[10].. «إن في الأشياء كلها وجوداً للأشياء كلها». فربَطَ ذلك بالكيمياء، بإعتباره عالماً متضلعاً ومبدعاً فيها، وأضاف قائلاً: «لكن على وجوه من الاستخراج، فإن النار في الحجر كامنة ولا تظهر، وهي له بالقوة، فإذا زُند وأُوري ظهرت»[11]. وهذا الربط لا يختلف عما وجدناه لدى افلوطين من نصوص، كما لا يختلف عن نص هرمسي مؤسس هو الآخر على قانون الشبه كالتالي: «ما من طبيعة إلا وهي مجذوبة بطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي مقهورة لطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي تهيمن على طبيعة أخرى»[12].

تلك هي فكرة الكيمياء القديمة في تحويل الأشياء بعضها إلى البعض الآخر، وهي مبرر البحث عن طرق تحويل المعادن الخسيسة إلى الذهب والجواهر الثمينة، إستناداً إلى قانون (الأصل والشبه).

كما وإستناداً إلى هذا القانون نجد لأول مرة في تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي الإعلان عن إعتبار الإنسان نسخة مختصرة ونموذجاً مضاهياً للعالم، حيث يكون الإنسان عالماً صغيراً، والعالم إنساناً كبيراً، فكلاهما له نفس وروح[13].

أما رجال الإسماعيلية التابعون فهم لا يختلفون عن الأصول العلمية التي رسمها لهم جابر بن حيان ومن على شاكلته. فهم مصرحون أيضاً بعلاقة الشبه والتماثل بين عوالم الوجود ومراتبه، بل ويضيفون إلى ذلك علاقة التماثل بين تلك العوالم والإعتبارات الذهنية والأمور الدينية.

ولأول مرة نجد إخوان الصفا – وهم من الإسماعيلية – يعولون على مدار «الشبه» كأصل يمنع الناس من الإختلاف في التوصل إلى الحقيقة كما هي. فاعتبروا أن هناك أصلاً واحداًَ وقياساً واحداً لحل الإختلافات جميعاً والوصول إلى الحقيقة، ألا وهو «صورة الإنسان»، أي تشبيه العالم بالإنسان، فيقاس كل شيء في العالم على ما موجود في الإنسان ذاته، فهو عندهم نسخة مختصرة ونموذجاً مضاهياً للعالم، لذا أطلقوا عليه(العالم الصغير) في قبال العالم الكبير المشار إليه بلفظة (الإنسان الكبير)، حيث كلاهما له نفس وروح مطيعة لربها[14].

وهذا التأسيس للنظر وتوحيد الرأي المستند إلى (صورة الإنسان) يرتد في النتيجة إلى قانون الشبه والتماثل بين الوجودات. وهو القانون الذي يحلّق به الإسماعيلية طولاً وعرضاً ليحيط بكافة مراتب الوجود، مع الوقوع في التردد حول مبدأ الوجود الأول. فأغلبهم يأتم بطاليس ومن على شاكلته دون افلوطين، كما هو الحال مع رجال الإسماعيلية القدماء الذين يعتبرون المبدأ الأول لا يقبل الوصف إطلاقاً، ويجعلونه أساس ظهور سلسلة عوالم الوجود، حيث أبدع بالأمر العقل الأول الموصوف بالتام بالفعل، ثم بتوسطه أبدع النفس التالي الذي هو غير تام، وهكذا يتسلسل الوجود[15].

كذلك الأمر تقريباً عند بعض الإسماعيليين كالكرماني، إذ يقرر بأن المبدأ الأول هو هوية لا يقبل الوصف ولا يعبر عنه إلا بالسلب، ثم يأتي بعده مرتبة العقل الأول الذي يسطع منه نور نتيجة اغتباطه بذاته، فيخرج عنه المنبعث الأول الذي هو العقل الثاني المسمى بالقلم. والى العقل الأول يعود وجود كل ما سواه، فهو الفاعل الذي لا يحتاج في فعله إلى غير ذاته، والمحرك لكل ما هو متحرك، وهو في حدود ذاته عبارة عن عقل وعاقل ومعقول بلا فرق[16].

لكن الأمر مع إخوان الصفا يبدو مغايراً، إذ يأتمون بدرجة ما بإفلوطين دون طاليس وأتباعه، فهم – على ما يبدو – يطبقون قانون الشبه حتى على مبدأ الوجود الأول، فيجعلون من العقل الذي هو أول فعل المبدأ الأول عبارة عن مثاله، بإعتباره معلولاً له[17]. ثم من هذا العقل الذي فيه صور جميع الأشياء تستمر سلسلة الإبداع بالإفاضة من جوهر إلى آخر[18]..

ولعل أهم ما لدى الإسماعيلية هو توظيفها لقانون الشبه وتطبيقه على ما تعتقده من تماثلات بين نواحي الوجود والشريعة والعدد. وقد اقتبس الإسماعيليون فكرة العدد من مدرسة فيثاغورس ووظفوها في مختلف نواحي الوجود والشريعة. وأول الآثار التي أظهرت هذا الإهتمام هي آثار جابر بن حيان، إذ كان مهتماً بكل من العدد والحروف والأسماء. وقد تغلغل هذا الإتجاه وتعمق لدى أتباع إبن حيان، حتى وصل إلى إخوان الصفا، فكانت رحى مماثلاتهم تدور في أغلبها على كل من الأعداد (4، 7، 12). وأصل العدد عندهم من الواحد إلى الأربعة، وسائر الأعداد الأخرى تنشأ وتتركب منها.

فمن مماثلاتهم الخاصة بالعدد (4) اعتبروا مراتب فوق الطبيعة أربع، أولها المبدأ الأول ثم دونه العقل الكلي الفعال، ثم دون ذلك النفس الكلية، وأخيراً الهيولى الأولى.وكذا اعتبروا عناصر الطبيعة أربعة أيضاً، النار والهواء والماء والتراب[19]، وبرأيهم أنها تكونت من أصول أربعة، هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. كما ويقابل هذه العناصر فصول السنة الأربعة، وأيضاً الأعضاء الرئيسة الأربعة للإنسان، وهي الدماغ والقلب والكبد والانثيتان، كذلك الأخلاط الأربعة (الصفراء والدم والبلغم والسوداء)[20]. يضاف إلى ما يماثل ذلك من قوانين دينية أربعة، هي: التوحيد، والعلم بمراتب الحدود، والمواعظ المنبهة على ذلك والمشوقة إليه، والعمل بالأوامر والنواهي الشرعية[21].

أما مماثلاتهم الخاصة بالعدد (7) فكثيرة، منها أن الموجودات التي تتألف منها الطبيعة سبعة، هي: النار والهواء والماء والتراب مضافاً إليها المتولّدات الثلاث: المعدن والنبات والحيوان. كما أن جواهر جسم الإنسان سبعة، هي: المخ والعظم والعصب والعروق واللحم والجلد والشعر، ويقابلها سبعة أعضاء مستورة في الجسم، هي: الدماغ والقلب والكبد والطحال والرئة والمرارة والكلى. كذلك هناك سبع نفوس جزئية للنفس الكلية، هي: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغازية والنامية والمصورة. كما هناك سبع قوى روحانية، هي: الباصرة والشامة والذائقة والسامعة واللامسة والناطقة والعاقلة.إضافة إلى وجود سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة كواكب نيرات[22]، وسبعة بحار في الأرض[23]، وسبعة أيام في الاسبوع. وأن عدد الأنبياء النطقاء المشرعين سبعة، وعدد الأسس سبعة، كما أن عدد الأئمة سبعة أيضاً.. وهكذا [24].

تبقى مماثلاتهم الخاصة بالعدد (12)، فقد ذكروا بأن المدينة الروحانية الفاضلة لا يقوم أمرها إلا بأثني عشر داعياً يتولون إدارتها ويتوزعون على الأقاليم الاثني عشر الموجودة في الأرض، وهي اقليم العرب والترك والبربر والزنج والحبشة والخزر والصين وفارس والروم والهند والسند والصقالبة، والتي يقابلها اثنا عشر برجاً في السماء، هي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. كما أن في جسم الإنسان اثني عشر منفذاً، هي: العينان والأذنان والمنخران والثديان والسبيلان والفم والصرّة. كما وأن السنة الكونية تنقسم إلى أثني عشر شهراً، وكذا ساعات النهار وساعات الليل. والدعوة الإسماعيلية مؤلفة من اثني عشر شخصاً، وهم بحسب الترتيب: الناطق والأساس والامام والحجة والباب والداعي والمتم واللاحق والجناح والمأذون والمكاسر والمستجيب. كما وأن عدد أصناف المعادن الكريمة اثنا عشر، هي: الطفل والمغرة والكدان والجص والصوان والرخام والأسرب والكبريت والملح والكحل والشب والحديد والنحاس والرصاص والقصدير والفضة والذهب والعقيق والياقوت… وهكذا [25].

وقد فسّر الإسماعيليون الآية: ((عليها تسعة عشر))[26]، عن طريق جمع العدد (7) مع العدد (12)[27].

ولو أردنا اكمال المسير مع الإسماعيلية وهي تطبق علاقات التماثل بين الأعداد والوجود والخطاب الديني، لأعيانا الأمر لتضخم ما لديها من الممارسات المناطة بتشكيل العلاقة بين المماثلات والمماثلة بين العلاقات، إلى الحد الذي تفضي بقانون الشبه إلى نوع من «التسيّب»، إذ ما تقيمه لا يتخذ إتجاهاً محدداً، بل يجري لأدنى مناسبة، وهو متحرر عن أي إعتبار عام، رغم أنه كثيراً ما يستهدف أغراضها الدينية الآيديولوجية، بدعوى الكشف عن الباطن. وعليه صار عدوى لم تبرأ منه الطريقة الصوفية وهي تحاول وضع يدها على نصوص الشريعة. وإذا كان للإسماعيلية دواع وأغراض مذهبية تستهدفها من تشكيل علاقات التماثل وتماثل العلاقات، فإن هذه الدواعي والأغراض لا تعني – في الغالب – شيئاً لدى الطريقة الصوفية، رغم أنها لم تنج من عدوى ممارسة هذه «الألاعيب» بلا هدف ولا غرض، كالزائدة الدودية التي فقدت وظيفتها ودورها في الحياة.

أما مع الفلاسفة المحترفين فقلّما نجد مثل هذه الألاعيب، فهم محافظون في الغالب على قانون الشبه بانتظام دون تسيّب، بالرغم مما يعتريهم من تردد حول مبدأ الوجود الأول، بل والوجود الأخير (الهيولى)، مثلما حصل مع أسلافهم من فلاسفة اليونان.وهذه قصة أخرى سردناها في محل آخر..

 


[1] الطباطبائي: الشيعة، نص الحوار مع المستشرق كوربان، ترجمة جواد علي كسار، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الثانية، 1418هـ، ص104.

[2] جعفر آل ياسين: المدخل إلى الفكر الفلسفي عند العرب، الموسوعة الصغيرة (24)، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، 1978م، ص43.

[3] إبن النديم: الفهرست، تعليق ابراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى ، 1415هـ ـ1994م، ص389ـ390.

[4] صالح أحمد العلي: دراسات في تطور الحركة الفكرية في صدر الإسلام، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1403هـ ـ 1983م، ص126.

[5] محمد عابد الجابري: نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، 1986م، ص132.

[6] المصدر السابق، ص131 و137.

[7] الملل والنحل، ص64.

[8] زكي نجيب محمود: جابر بن حيان، مكتبة مصر، ص119ـ139.

[9] مختار رسائل جابر بن حيان، ص544.

[10] عن: عبد الله نعمة: فلاسفة الشيعة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ص228.

[11] مختار رسائل جابر بن حيان، ص6.

[12] عن: تكوين العقل العربي، ص182 و195.

[13] جابر بن حيان، ص145ـ146. أيضاً: مختار رسائل جابر بن حيان، كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل، ص50ـ51.

[14] الرسالة الرابعة والثلاثون من رسائل إخوان الصفا، ج3، ص212 ـ214، وج4، ص9 وما بعدها.

[15] الملل والنحل، ص82.

[16] الكرماني: راحة العقل، تحقيق وتقديم محمد كامل حسين ومحمد مصطفى حلمي، دار الفكر العربي، القاهرة، ص109. كذلك رسالة الكرماني: اسبوع دور الستر، ضمن أربع رسائل إسماعيلية، مقدمة وتحقيق عارف تامر، دار الكشاف، بيروت، الطبعة الأولى، 1953م، ص62 وما بعدها.

[17] رسائل إخوان الصفا، ج4، ص206 ـ207.

[18] المصدر السابق، ج3، ص187.

[19] يوحنا قمير: إخوان الصفاء، ضمن سلسلة (فلاسفة العرب 7)، دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية ببيروت، 1986م، ص71ـ72.

[20] جابر بن حيان، ص145ـ146.

[21]علي بن محمد الوليد:رسالة جلاء العقول، ضمن منتخبات إسماعيلية، تحقيق عادل العقرا، مطبعة الجامعة السورية، 1378هـ ـ 1958، ص119ـ120.

[22] وهذه الكواكب هي: القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل.

[23] وهذه البحار هي: الروم والصقالبة وجرجان وقلزم وفارس والسند والصين.

[24] الأنبياء النطقاء هم: آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد والقائم. أما الأسس فهم: شيث وسام واسماعيل وهرون وشمعون وعلي والقائم الذي امتنعوا عن ذكر اسمه حرصاً على سرية المعتقدات. والأئمة السبعة هم: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق واسماعيل بن جعفر.

[25] لاحظ ما يخص مشاكلات العدد (7) كلاً من المصادر التالية: مقدمة مؤلف أربع رسائل إسماعيلية، ص10ـ12. كذلك: النعمان بن حيون: كتاب تربية المؤمنين أو تأويل دعائم الإسلام، ج1، ضمن منتخبات إسماعيلية، ص9ـ11 و75ـ76.وأساس التأويل، تحقيق وتقديم عارف تامر، دار الثقافة، بيروت، ص44ـ45. أما ما يخص مشاكلات العدد (12) فلاحظ: مقدمة أربع رسائل إسماعيلية، ص12ـ14. وأساس التأويل، ص45ـ46. ورسالة جلاء العقول وزبدة المحصول، ص110 ـ111.

[26]سورة المدثر/ 30.

[27] أساس التأويل، ص47.