نحن أولى بالديمقراطية من الأمريكان!

بقلم احمد عبد المعطي حجازي

الخميس 15 أغسطس 2013

لست مفاجأ ولا مندهشاً لأن بعض الغربيين الذين يفخرون بأنهم آباء الديمقراطية وأبناؤها يتنكرون أحياناً للديمقراطية، خاصة حين يكونون فى السلطة، وحين يشهدون على ما يحدث للديمقراطية خارج بلادهم، وحين يجدون أن مصالحهم تتعارض مع ديمقراطيتهم فيقولون عندئذ ما قاله عبدالمطلب بن هاشم يوم جاء أبرهة الحبشى ليهدم الكعبة فسارع عبدالمطلب إلى إبله يحرسها، وترك بيت الله يواجه الأحباش المغيرين بلا حراسة، فلما سئل كيف فعل هذا وهو سادن من سدنة الكعبة، قال: أما الإبل فإنها لى، وأما البيت فله رب يحميه!

هكذا قدم الغربيون بترول الشرق الأوسط على الديمقراطية، وحين أصبحوا قادرين على اجتياح العالم والاستيلاء على طرق مواصلاته وأسواقه ومواده الخام رفعوا راية الاستعمار عالية وأنزلوا راية الديمقراطية، وكانوا إلى عهد قريب لا يرون بأساً فى إقامة الديمقراطية واسترقاق الزنوج وإبادة الهنود الحمر. والنظام العنصرى الذى أقامه البيض فى جنوب أفريقيا كان نظاماً ديمقراطياً، واليهود الصهيونيون فى فلسطين ديمقراطيون إلا إذا منعتهم الديمقراطية من اغتصاب المزيد من أراضى الفلسطينيين، فهم عندئذ يغتصبون الأرض، وأما الديمقراطية فلها رب يحميها!

والفرق ضخم بين موقف عبدالمطلب من الكعبة وموقف الغربيين من الديمقراطية، عبدالمطلب لم يكن قادراً على التصدى لجيش أبرهة وكان واثقاً من أن الله سيحميها، أما الغربيون فكانوا قادرين دائماً على الدفاع عن الديمقراطية لكنهم تخلوا عنها كثيراً، وحين خرجنا لها بالملايين ندافع عنها ونسقط الطغيان تحرشوا بنا وشهدوا ضدنا وسموا ثورتنا انقلاباً!

ولقد كنا نظن أن التطورات التى شهدها العالم فى القرن الماضى، وانتهت بسقوط الإمبراطوريات الاستعمارية وانهيار النظم الشمولية واستعادة الديمقراطية ما فقدته ووصولها لمجتمعات لم تعرفها من قبل – كنت أظن أن هذه التطورات ستمنح الديمقراطية فى الغرب حصانة أكبر، وستفرض على الغربيين أن يراجعوا مواقفهم منها، ويصححوا ما ارتكبوه فى حقها من أخطاء. غير أن الموقف الذى يقفونه فى هذه الأيام مما يحدث فى مصر يفرض علينا نحن أن نراجع ظنوننا الحسنة فى الغربيين، وظنوننا السيئة فى أنفسنا. فالديمقراطية ليست ملكية خاصة للغربيين، كما أن الطغيان ليس ملكية خاصة لنا.

لقد نشأت الديمقراطية ونضجت فى الغرب، ونحن ندين بما نعرفه عنها لأفلاطون، وأرسطو، وجون لوك، وجان جاك روسو. لكن الغرب صنع أيضاً بيزستراتوس، وهيبياس، ونيرون فى العصور الماضية، وصنع هتلر، وموسولينى، وستالين فى العصور الحديثة.

ولا شك أن الطغيان فى الشرق قديم، لكن هذا راجع إلى أن الدولة ظهرت فى الشرق قبل أن تظهر فى الغرب بزمن طويل. وقد ارتبط ظهور الدولة فى الشرق بظهور الدين الذى أصبح سلطة اتحدت بسلطة الدولة، فظهر الملك المتأله كما حدث فى مصر، وكما حدث بعد ذلك فى روما. لكن هذا لم يمنع من قيام ديمقراطيات شرقية فى هذا العصر لا تقّل أصالة عن ديمقراطيات الغرب كما نرى فى الهند واليابان. أما ما حدث فى مصر خلال الشهرين الأخيرين فهو الدليل القاطع على أن الديمقراطية ليست ملكية غربية خاصة، بل هى أسلوب فى تنظيم الحياة المشتركة، وفى ممارسة السلطة يمكن أن يهتدى له الجميع، ويمكن أن يمارسه الجميع. ولقد قدم المصريون فى يونيو ويوليو الماضيين تجربة فى فهم الديمقراطية، وممارستها تجلت فيها صورتها الأولى التى كنا نحسب أنها اختفت منذ زمن طويل.

ونحن نعرف أن الديمقراطية هى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وذلك بأن يجتمع الشعب كله كما كان الأثينيون يفعلون فى أثينا، إذ كانوا يجتمعون فى ساحة المدينة «الأجورا» ليحكموا أنفسهم بأنفسهم، فهم الحكام والمحكومون. وهم الذين يسنون القوانين ويطبقونها، وينتخبون الحكام ويحاسبونهم، ويصدرون الأحكام ويخضعون لها.

وإذا كان بوسع هذه الديمقراطية المباشرة أن تتحقق فى الدولة حين كانت الدولة مدينة واحدة، فهذا لم يعد ممكناً حين اتسعت الدولة، وتشكلت الأمة، وأصبحت تعد بالملايين الذين يسوسون أنفسهم وينظمون حياتهم بواسطة نواب يمثلونهم، ويتحدثون باسمهم.

وقد رأينا أن الانتخابات التى ظلت تجرى فى بلادنا خلال العقود الستة الماضية كانت فى معظم الأحوال مزورة، وأن الذين كانوا يتحدثون باسمنا كانوا مفروضين علينا حتى فاض الكيل فخرج المصريون عن بكرة أبيهم يمثلون أنفسهم بأنفسهم، ويحاسبون حكامهم ويعزلونهم، ويسقطون النظام كله، ويطالبون بنظام ديمقراطى صحيح. فكيف كان موقف الغرب من هذه الثورة التى تجلت فيها الديمقراطية كما لم تتجل من قبل؟

الغربيون أو المتحدثون باسمهم فى الولايات المتحدة وإنجلترا وألمانيا، وحتى فى فرنسا، لم يكتفوا بإنكار الجوهر الديمقراطى للثورة المصرية، بل زعموا أنها انقلاب عسكرى، لأن الجيش قرر أن يحمى الثورة والثوار، ويمنع النظام الساقط من شن الحرب عليها باستخدام ميليشياته المسلحة، ومعها أجهزة الدولة، التى سلمها لأنصاره والمنتفعين به. والأغرب من تنكر الغربيين للديمقراطية المصرية التى تجلت فى هذه الصورة الفريدة دفاعهم عن الفاشية الدينية الإرهابية التى سقطت. هنا نمد نحن أيضاً أرجلنا فى وجوه هؤلاء الغربيين كما فعل أبوحنيفة مع من جاء يستفتيه فوجده أبوحنيفة شيخاً مهيب الطلعة لا يجوز لأحد ولو كان الإمام أبا حنيفة نفسه أن يمد رجله فى حضرته فثناها، وإذا بالشيخ المهيب يسأل فى أمر تافه لا يحتاج إلى فتوى فعندئذ أخذ أبوحنيفة راحته ومد رجليه ولا حرج!

نحن أيضاً نمد أرجلنا فى وجوه هؤلاء الغربيين، ونقول لهم إن ما يعرفونه عن الديمقراطية لا يؤهلهم لأن يكونوا أساتذة أو قضاة عدولاً فيها. لأن مصالحهم تمنعهم للأسف من معرفة الحق وإقامة الميزان. وربما أُتيح لنا نحن أن نعرف ما لا يعرفونه، لأن معاناتنا من الطغيان تفتح لنا أبواباً لا تفتح لغيرنا كما فتح طغيان بيزستراتوس وأسرته للأثينيين القدماء طريقهم للديمقراطية، التى انتزعوها انتزاعاً بعد صراع عنيف تحالف فيه الطغاة مع الغزاة الأجانب ضد وطنهم، وهو ما لا يجب أن نستغربه، لأن الطاغية خائن بطبعه مستعد لارتكاب أى جريمة تمكنه من السلطة، التى اغتصبها، وتضمن له البقاء فيها. وقد بقى بيزستراتوس فى السلطة تسعة عشر عاماً ثم تركها لأولاده، ومنهم هيبياس الذى ثار عليه الأثينيون ففر إلى فارس، وعاد مع الغزاة الفرس ليستعيد سلطته. وقد نجد تشابهاً بين استعانة هيبياس بالغزاة الفرس، واستعانة الإخوان بحماس وحزب الله فى اقتحام سجن وادى النطرون وإطلاق سراح زعمائهم، الذين خرجوا من السجن ليتسلموا السلطة بمؤامرة دولية شاركت فيها الولايات المتحدة، فكان وصولهم إلى السلطة بداية طريقنا للخلاص منهم.

لقد وجدنا أنفسنا فى مواجهة نظام شرير يحاصرنا من جميع الجهات، ويأتى إلينا من الماضى ومن الحاضر، من الولايات المتحدة ومن قطر، ومن تركيا وباكستان حتى سد علينا كل منفذ، ولم يعد أمامنا إلا أن نلجأ لأنفسنا ونجتمع بملاييننا فى المدن والقرى والساحات والشوارع فى مشهد لم يخطر إلا لجان جاك روسو وهو يتحدث عن ضرورة قيام الإجماع الكامل مرة على الأقل حتى يمكن الحديث عن عقد اجتماعى، وربما كنا فى أشد الحاجة الآن لمراجعة ما كتبه روسو فى «العقد الاجتماعى» وما كتبه جون لوك فى رسالته الثانية عن الحكم المدنى، وما جاء فى الدساتير والبيانات التى صدرت خلال الثورة الفرنسية، وخلال الثورة الأمريكية عن حق الشعب فى عزل حكامه، وربما أدرت مقالتى القادمة حول هذا الحق، وما جاء عنه فى المواثيق الغربية التى يبدو لى أن السيناتور الأمريكى جون ماكين لم يقرأها جيداً ولا يعرف عنها ما يمكنه من الحكم على ثورتنا.

لكن السيناتور الأمريكى المتطفل لا يكتفى بأن يفتى فيما لا علم له به، إنما يتعمد أن يأتى إلينا فى القاهرة، التى شهدت ثورة الثلاثين من يونيو ليقول لنا إنه لا يعترف بثورتنا، ويعتبرها انقلاباً عسكرياً، ويعتبر ممثلى الفاشية الدينية الإرهابية ممثلين للديمقراطية، ويراهم حكاماً شرعيين، وهذا ليس مجرد جهل، لكنه إلى جانب الجهل تطاول وقلة أدب وسوء تربية لا نستغربها ممن بنوا ديمقراطيتهم على أشلاء الهنود الحمر وآلام الزنوج المستعبدين. فليتحدث جون ماكين عن بترول الشرق الأوسط إذا شاء، أو عن أمن إسرائيل إذا كان لابد أن يتحدث، أما الديمقراطية فنحن أولى بالحديث عنها الآن!

عن الموقع الالكتروني المصري اليوم