د. السيد ولد أباه

بينت الأحداث الجارية في مصر وفي بقية بلدان “الربيع العربي” أن هندسة الأوضاع الانتقالية في الديمقراطيات الناشئة تتطلب المرور بصيغ توفيقية توافقية لتسيير أزمات ومصاعب التحول من الأحادية الاستثنائية للتعددية التنافسية المستقرة.

كان المفكر السياسي والقانوني الموريتاني وزير الخارجية الأسبق “محمد الحسن ولد لبات” قد بلور من موقع خبرته الميدانية الطويلة في الساحة الأفريقية مفهوم “الديمقراطية التوافقية” التي اعتبرها في دراسة منشورة له عام 2006 النموذج الملائم للبلدان ذات التركيبة المجتمعية والسياسية الخاصة التي قد تفضي فيها الديمقراطية التصادمية إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وتقويض البنية الأهلية وتأجيل الاحتقان والفتنة.

وفق هذا المنظور، لا تختلف الديمقراطية التوافقية عن المسلك التصادمي في مدونة الحقوق الأساسية والحريات العامة، ولا في التركيبة الحزبية والاستحقاقات التنافسية، وإنما في مقتضيين أساسيين هما: الاشتراك في نظام السلطة كل من موقعه الانتخابي بدل الصراع على مركز الحكم، والتوافق حول برنامج مجتمعي مشترك يستوعب مطالب وتطلعات مختلف مكونات الجسم الاجتماعي دون تهميش أو إقصاء.

فلقد أثبتت التجارب المأساوية في أفريقيا والعديد من مناطق العالم الأخرى أن آليات التصادم السياسي التي تؤدي عادة دور صمام الأمان في الديمقراطيات العتيدة المستقرة قد تؤدي دوراً معاكساً في الديمقراطيات الوليدة الهشة، بحيث تصبح بؤرة فتنة وصراعاً أهلياً مدمراً نتيجة لغياب سقف إجماع وطني وانعدام بنية بيروقراطية إدارية معايدة، ولتداخل الحقل السياسي مع باقي مكونات الحقل الاجتماعي.

تختلف الديمقراطية التوافقية عن مفهومين آخرين قد يلتبسان بها هما نظام المحاصصة الطائفي ونظام الديمقراطية الإجماعية. نظام المحاصصة – كما هو متبع في لبنان منذ تكون الدولة المستقلة- مناقض في روحه وآلياته للنظام الديمقراطي لكونه يفرض على الفرد دائرة انتماء عضوي مرتبطة بالمجموعة لا بالإرادة الفردية الحرة التي هي الإطار الشرعي الوحيد للاختيار الديمقراطي القائم على الهوية السياسية المبنية المفتوحة لا الهوية القبلية المفروضة أو المغلقة.

ومع أن نظام المحاصصة قد يحفظ السلم الأهلي مؤقتاً بما يؤمنه من توازنات بين الفئات المتصارعة، إلا أنه في الواقع يعيد إنتاج التراتب والغبن من خلال آليات وقواعد النظام السياسي، فيفضي إلى فترات احتقان وتأزم حادة مثالها الحروب الأهلية المتصلة في لبنان.

ويبدو من الجلي أن العراق ما بعد الحكم “البعثي” قد اعتمد نظام المحاصصة الطائفية لتقنين التوازنات الجديدة الناجمة عن حرب 2003 ، وإنْ لم ينجح هذا النظام في انتشال البلاد من الحرب الأهلية المتفاقمة. ومن الواضح أن الصيغة الدستورية الجديدة لتقنين نظام المحاصصة هي نمط خاص من المسلك الفيدرالي اللامركزي يكرس تقاسم السلطة والثروة، بين الطوائف وفق توزيعها الجغرافي مما هو مختلف عن فلسفة ورؤية النظام الفيدرالي المعروف عالميا المرتبط بالتركيبة الإقليمية لا الهويات العضوية. نشير هنا إلى أنه برزت مؤشرات على إمكانية استنبات هذا النموذج في ليبيا الجديدة ما بعد القذافي استجابة لمطالب مناطقية وقومية قد تجر هذه الدولة حديثة التوحد إلى مخاطر الانقسام والتحلل.

أما مفهوم “الديمقراطية الإجماعية”، فيرجع إلى أدبيات الحزب الواحد والعهود الاستثنائية التي عرفها العالم العربي وبلدان الجنوب إجمالًا بعد حقبة الاستقلال، في تأثر واضح بالأيديولوجيا الشيوعية ونسقها المركزي (الحزب الشامل المعبر عن الكيان الاجتماعي الموحد). وفق هذه الرؤية، لا يمكن للديمقراطية التعددية أن تتلاءم مع مجتمعات متنوعة في تركيبتها القبلية والطائفية يفضي فيها التصادم السياسي إلى التفكك والحرب الأهلية. ومن ثم، فإن البديل عن هذا النظام هو ديمقراطية الإجماع الوطني داخل حزب جامع تنصهر فيه الخصوصيات الأهلية، وتنتفي فيه التناقضات الضيقة. اعتمد هذا النظام الحزبي الأحادي في مجموع الجمهوريات العربية، واشتهرت في هذا الباب أحزاب للدولة من قبيل “الاتحاد الاشتراكي العربي” في الحقبة الناصرية و”جبهة التحرير” في جزائر بومدين ، والحزب الاشتراكي اليمني في عهد التجزئة…

ولسنا بحاجة إلى التدليل على فشل هذا النموذج الذي كرس الاستبداد والشمولية دون أن ينجح في توطيد وتدعيم وحدة الكيان الاجتماعي.

الديمقراطية توافقية كما نفهمها تنطلق من القيم الليبرالية التي هي وحدها القادرة على تجسيد مثال التحرر والانعتاق الذي هو مبدا الحداثة السياسية وإطارها المعياري، كما أنها تستوعب وتتبنى آليات التمثيل السياسي التي أبدعها الفكر الديمقراطي الحديث، وترى فيها الحاضن المؤسسي الضروري للإرادة المشتركة، بيد أنها تدرك الإشكالات النظرية والإجرائية المعقدة التي يطرحها تشكل هذه الإرادة الجماعية التي لا يمكن اختزالها في مبدا الأكثرية الانتخابية، كما لا يمكن تحميلها كفاءة تلقائية في تجسيد الجسم السياسي في تنوعه.

تنطلق الديمقراطية التوافقية من مقولة المجال العمومي من حيث هو أرضية الفعل السياسي، وإطار المشاركة السياسية التي هي مضمون المواطنة الفاعلة، في مقابل النظريات الليبرالية المتطرفة التي تتصور البناء السياسي بحسب نموذج السوق الحرة في تنافسيتها ومنطقها الفردي النفعي.كانت “حنة ارنت” قد بينت في أعمالها الرائدة الاختلالات الخطيرة التي يؤدي إليها هذا التصور الناتج عن استبدال المجال العمومي السياسي بالمجال الاجتماعي ميدان الصراعات الطبقية وحركية المجتمع المدني التصادمية، مما يفضي إلى تحلل العالم المشترك وضياع البعد الجماعي، الذي هو أفق السياسة. وقد أرجعت “حنة آرنت” مصدر هذه الاختلالات إلى تمدد الحرية بالمفهوم الفردي الخاص إلى الدائرة العمومية التي قلصت لمجرد مجال تصادم الإرادات الذاتية المستقلة.

التوافق كما نفهمه هنا هو حصيلة حوار مفتوح ونقاش عمومي غير مقيد، ومقاصده النهائي هو الحيلولة دون أن تؤدي الموازين الانتخابية الظرفية والمؤقتة إلى تأزيم الوضع السياسي والاجتماعي عبر تهميش وإقصاء الأقليات التي هي الضامن الوحيد للتعددية السياسية الديمقراطية.

مفهوم التوافق هنا أقرب للمفهوم الذي صاغه الفيلسوف الأميركي “جون راولز” في نظريته للعدالة وعنى به المبادئ الضرورية التي يتوصل إليها الفاعلون في النظام الاجتماعي التعاقدي عبر عملية توفيق متواصلة وممتدة بين آراء متضاربة عبر نقاش عقلاني عمومي حر.

تحتاج الديمقراطيات العربية الناشئة إلى تصور واختبار مفاهيم وقواعد الديمقراطية التوافقية لإدارة وتسيير الأزمات الانتقالية الراهنة، التي تنذر بتدمير الحياة السياسية وتقويض السلم الأهلي الذي هو الشرط الضروري لأي ديمقراطية ناجحة ومستقرة.

الاثنين, 19 أغسطس 2013

عن موقع التجديد العربي