تكامل العقل والإيمان عند ابن رشد
عبدالقادر بنعبد الله*

عن موقع مجلة التسامح

19 غشت 2013

يعد فيلسوفنا الكبير أبو الوليد بن رشد رائد العقل والتنوير في عصره وفي العصور التي تلته. والعودة إلى فكر هذا الفيلسوف الرائد- الذي أقر إقراراً قويا بتكامل العقل والأيمان، ونجح في البرهنة على لزوم بعضهما بعضاً وتكاملهما- أمر مطلوب خصوصا في زماننا هذا الذي تقاذفت في فكرنا العربي والإسلامي تيارات عاتية، كادت تشل قوته وقدرته على الإسهام في ريادة البناء الحضاري.

إن صلابة وقوة فكر ابن رشد ضمنت له تلك النتائج التي كان أهمها طلب الحقيقة، وهي عدم تعارض العقل السليم والإيمان، كما عبر عن ذلك القرآن الكريم، وإذا بدا الخلل للبعض بين هذين القطبين، فإن مرد ذلك- كما رأى هو- إلى الطرق العقلية غير المحكمة، والتي تذهب في تأويلاتها للقرآن سبلا خاطئة غير سليمة.

لماذا العودة لأبي الوليد بن رشد؟ اعتبارات شتى تدعو إلى هذه العودة.

أولا: اعتبار إرثه تراثا إنسانيا خالدا، وجد تجلياته وامتداده، وعرفته بيئاتٌ مختلفةٌ علمية وفلسفية وفقهية وغيرها، وقد استفادت كل هذه المسارات من فكره.

ثانيا: تموضع ابن رشد داخل سياق الإصلاح في عصره، حيث جاء في فترة معينة، وعاش همومها في لحظات تاريخية هامة، وأجاب عن حاجيات وأسئلة عصره وفكره. ونحن إذ نعايش الهموم نفسها – تقريباً- نرى أن ابن رشد راهن بفكره – كما هو الشأن مع الفكر الإسلامي المعاصر – على التفاعل مع أفضل وأصلح ما ينتجه الفكر العالمي، كما فعل هو في شأن إدخال الفكر اليوناني الإغريقي إلى ساحة الفكر الإسلامي، والاستفادة مما صلح منه.

إن نزعته تنويرية تدعو إلى الانفتاح على كل الثقافات والتيارات الأجنبية، وتأخذ ما صلح منها، وحين اتجه إلى شرح أرسطو، قال: “فلنضرب بأيدينا إلى كتبهم- فلاسفة اليونان- فإن كان فيها شيء يعد صوابا منهم شكرناهم عليه، وإن كان فيها شيء خطأ نبهنا إلى هذا الخطأ”(1).

ثالثا: شأنه الخاص الذي لا يقل خطراً عن شأنه في تاريخ الفكر البشري العام، فالمشادة العنيفة التي دارت بين الفلاسفة والمتكلمين كادت تقوض الفكر الفلسفي في الشرق، وتقضي على أسس العقل والإيمان قضاءً تاماً لولا وجودُهُ وتمكُّنُهُ من الدفاع عنهما بعزيمة خارقة وإعلائه لسلطان العقل.

إن النزعة التنويرية والنقدية بوأته المكانة اللائقة وجعلت لفلسفته وفكره ذيوعاً في تاريخ الفكر الفلسفي العالمي عامة، والإسلامي خاصة، ومهما يكن من خطر الفارابي وابن سينا وابن ماجه وابن طفيل والغزالي، فإنهم لم يحتلوا تلك المكانة رغم رسوخ أقدامهم في العلم والفلسفة.

“وحدة العقل” عند ابن رشد

إن وحدة العقل عند ابن رشد هي التي فجرت المواقف بين الفلاسفة واللاهوتيين اللاتين في القرن الثالث عشر الميلادي، حتى إن هذه القضية أثارت حفيظة من لم يسمحوا بدخول أرسطو طاليس إلى حلبة الصراع الفلسفي اللاهوتي.

ويأتي على رأس هؤلاء توما الإكويني الذي قال: “إن الشارح ليش مشائيا بمقدار ما هو مفسد للفلسفة المشائية” وقد حمل على المدرسة الرشدية (لا على ابن رشد مباشرة) في كتابة “وحدة العقل” أو الرد على الرشديين، وكذلك كوليم دوفريني، وألبير الكبير، وريموند مابيني وغيرهم.

وفريق آخر أخذ بأقواله دون تحفظ، ورأى أن من خالف الشارح في الفلسفة يخطئ لا محالة.

وبقي أثر ابن رشد قوياً طيلة قرون، ومدرسة بادوا الإيطالية اعتمدته كلياً حتى القرن السابع عشر تقريبا، وأخذ بعد ذلك في القرن الثامن عشر النهج الفلسفي الرشدي نفسه بعض كبار فلاسفة ألمانيا كمندلسون (1780م) ولتسنيك (1781م) في نظرتهم إلى العقلية الدينية. وعندهم أنه مهما بلغ الاختلاف في الأديان ظاهريا فهي واحدة في الجوهر. وما الاختلاف الظاهري الشكلي إلا تعبير جمهوري عن الحقيقة فقط.

وقد احتدم النزاع بين الفريقين حول بعض القضايا الفلسفية البحتة نجمت عنها نتائج لاهوتية ناقضت العقيدة المسيحية صراحة. وتعود جذور هذه القضية أصلا إلى ” كتاب النفس” لأرسطو، فقد طرح المعلم الأول سؤالا فحواه: هل العقل واحد يشترك فيه جميع البشر به يعقلون؟ أم أنه خاص بكل إنسان فرد يصح بموجبه القول: ” إن هذا الإنسان يعقل”؟

وقد ذهب ابن رشد في تأويله للعقل الهيولاني إلى أن العقل واحد غير متجزئ بالنوع والعدة، ولا يطرأ عليه أي فساد، وإذا تم الانحلال للجسد بعد الموت يعود العقل إلى حالته الأولى من الوحدة ما دامت علة الكثرة عند فيلسوفنا هي المادة.

 

العقل عند ابن رشد

يرى ابن رشد أن القوة الناطقة جُعِلَتْ في الإنسان من أجل وجوده على الوجه الأفضل، لأنها قاعدة الصنائع العملية والعلوم النظرية التي تستقيم للإنسان دون الحيوان، وُجعِلَتْ فيه من أجل سلامته فقط.

إن هذه القوة الناطقة في نظره تتصل بثلاث مسائل:

1- المعرفة بوجودها.

2- مباينتها لقوى النفس الأخرى.

3- حالتها التي توجد عليها تارة بالقوة وأخرى بالفعل.

ويرى أن الجواب على هذه المسائل الثلاث كفيل بمعرفة: هل هي ذات هيولي أم لا؟ وما هو المحرك الذي يحركها بإخراجها من القوة إلى الفعل؟ وهل هي أزلية أم حادثة؟

وقد قسم العقل إلى عملي ونظري (حسب المدركات والغرض من إدراكها)، فما يحصل بالتجربة يدركه العقل العملي كقوة تدرك هذه المعقولات.

وهذه العملية تتصل بصور خيالية تحدث فيها، وإن كانت هذه الصور حكرا على الإنسان، بل هي شي في طبع الحيوان؛ لأنها ضرورةٌ لبقائه وسلامته (مثل الحياكة لدى العنكبوت والتسديس عند النحل… وهكذا) إلا أن الإنسان يفوق الحيوان لأته يدرك هذه الصورةَ فكراً واستنباطاً.

والعقل العملي يدرك الصور الخيالية للأفعال الإرادية التي يتمثلها والمتصلة بالفضائل العملية (الشجاعة.. الوفاء…الصداقة… الحمية..الخ) لأن وجود هذه الفضائل منوطٌ بتقديرٍ تخيلُّيٍ لما ينبغي فعلُهُ في مقامٍ ما وعلى قَدْرٍ ما(2).

أما العقل النظري فيدرك الكليات (المعقولات) دون ارتباط بالعمل بسبب. ولمعرفة هذه القوة يجب الوقوف على طبيعة الكليات النظرية: هل هذه المعقولات موجودة بالقوة أم بالفعل؟ أم فقط بالفعل؟

ولإدراك ذلك تجب معرفة ماهية اتصالها بنا. فإذا كان الاتصال بنا كاتصال المفارقات بالمادة (كالعقل من حيث اتصاله بالموجودات التي تكتسي من صورها) لكانت المعقولات تحصل مستقلة عن الزمن الذي يجري علينا (أي العمر)، ففي الصغر لا ندركها، حتى إذا توافرت الملكة لذلك ظهرت فيه، فحصل الإدراك لها، فهي وإن لم توجد في الصغر بالقوة موجودة على سبيل الكمون والاستتار(لأنها لا توجد وجود القوة أو الصور الهيولاني)، لأن هذه الأخيرة لها مراتب: لها صور العناصر البسيطة أولاً، وصور الأجسام المتشابهة الأجزاء ثانيا، والنفس الغاذية ثالثا، فالحاسة رابعا، فالمتخيلة خامسا.

وكل هذه الصور تشترك بخواص بينها، بالإضافة إلى صفات أخرى منفردة لكل صورة كالانقسام وقبول الكيفيات المتضادة التي تستند إلى الهيولي والعناصر البسيطة. وإدراك هذه المعقولات غير متناه.

ومن خصائص الإدراك العقلي أن يعقل نفسه (هو المعقول بعينه) لأنه يجرد المعقولات عن المادة ويعقلها، كما أن خصائصه كذلك أن هذا الإدراك ليس انفعالا (أي لا تضعف هذه القوة إذا عظم موضوعها)، وتضاف خصيصة أخرى أن العقل يقوى مع تقدم العمر بينما تضعف قوى النفس الأخرى.

والمعقولات تدرك بالحس والتخيل لأنها متصلة بقوة بهما. يقول ابن رشد: “مضطرون في حصولنا لنا أن نحس أولا ثم نتخيل، وحينئذ يمكن أخذ الكلي”(3). وذلك بأن يحدث ذلك عن طريق الترقي في مراتب من الحس إلى مرتبة الخيال فالنطق، وهي مراتب التجريد التي تمر بها النفس في إدراكها للمعقولات الكلية وغير الحاوي لحاسة ما فاته كثير من المعقولات المتصلة بها، فالأعمى يدرك المعقولات المتصلة بالألوان، ويفوته العلم بالألوان، والمعنى الكلي يحصل بالتكرار والحفظ. والعقل ذو جوهرٍ هو بالقوة جميع المعوقات(4).

والعقل الفعال عنده يصير المعقولات التي بالقوة إلى معقولات بالفعل (وبحسبه أن المعقولات بالقوة هي صور خيالية، وحسب التراتب في الإدراك يصبح الإدراك عقلا مستفادا، وهو التمام والكمال والفعل الذي كان العقل الهيولاني قوة عليه، فصير العقل الفعال تلك القوة التي فيه فعلا، وهي أسمى مراتب الكمال الإنساني.

وابن رشد يباين الفلاسفة العرب في قضية العقل الفعال، وذلك أنهم (وعلى رأسهم ابن سينا والكندي وآخرون) رأوا أن لا صلة لهذا العقل بالنفس عرضا، وهو يرى أن له صلة قوية جوهرية بقوى النفس كصلة الصورة بالمادة، وإلا لما كان الإدراك (أو النطق) من خواص النفس وكمالاتها الجوهرية. وهذا تجاوز لما كان عليه مفهوم الإدراك قبله.

وعلى أساس ما تقدم، من نظر ثاقب وتمحيص نظري دال على مجهود عقلي كبير، يمكن أن يرشح ابن رشد رائدا لفلسفة التنوير النظري الإسلامي. لأنه بهذا أعلن سيادة العقل. وهذا سبب تلقف أوربا له، وهي تستيقظ من غفوتها فتعمقت في أفكاره، وظهر ما سمي بالرشدية اللاتينية والسياسية- في باليرمو وباريس ونابولي. بل يمكن أن نقول: إن هذه اليقظة العقلية (والنفسية معا) أسهمت إلى حد كبير في هدم صرح لاهوت القرون الوسطى وتهيئة الأجواء للنهضة الأوربية.

لقد كان ابن رشد يَقِظاً نبيهاً حين عرف أن العقل قدرة إنسانية متعاظمة، قادر على معرفة الأشياء، ومعرفة الاطراد الناموسي في الطبيعة، وعرف أن كمال هذه القوة الإنسانية هو العقل الفعال المشترك في النوع الإنساني. وقد عرف مفكرو أوربا خلال النهضة انتباه ابن رشد لهذا.

كما فطن إلى أن العقل النظري يرتقي هو نفسه، وأن لا سبيل إلى الارتقاء إلا في الاعتناء بالعلوم، إذ بدون العلوم يمتنع ارتقاء العقل إلى الكمال. وهذا ما يتحقق فعلا في كل ارتقاء يشهده الإنسان على مستوى كل الحضارات البشرية السابقة واللاحقة.

هذا المنهج العقلاني الصارم أتاح لأفكاره وفلسفته الاستمرارية في أوربا، بل تطورا يتماشى مع استعداد أوربا للتغيرات الاجتماعية الحديثة.

وتحت اسم “الرشدية اللاتينية” تحولت الفلسفة الرشدية إلى رشدية سياسية، لعبت دورها الخطير في تطور النهضة الأوربية، حيث كانت الترجمات اللاتينية لشروح ابن رشد لأرسطو وما تضمنته من أفكار تزعزع هيمنة الكنيسة؛ لأن هذه الترجمات (منها ترجمة مؤلفات ابن رشد من قِبَلِ ميخائيل الإسكوتلاندي في بلاط الإمبراطور فريديريك الثاني في صقلية بباليرمو) هذه الترجمات لشروحه لعبت دورا حاسما في بروز ثورة ثقافية عارمة وفكرية سياسية استقبلتها بحماس كثير من الأوساط الثقافية في الجامعات اللاتينية (كما كان في باريس) وأصبح “AVEROES” كما يلقبونه رمزا من رموز التحولات الفكرية في أوربا، بل إنه ما بين سنتي 1246-1460م سادت فلسفته، وهيمنت على التدريس في كليات الفنون، وأصبح من العسير مقاومتها، حتى إن الأسقف الأغسطيني إتيان تامبيه (ETIENNE TEMPIER) بإيعاز من البابا يوحنا الحادي عشر سنة 1270م وقف بضراوة ضد هذا الاكتساح الرشدي، وذهب في مقاومته إلى حد إصدار مرسوم يحرم كثيراً من القضايا الأرسطية التي اعتمدها توما الإكويني لدعم العقيدة المسيحية، والتي تتلاءم وهذه العقيدة.

فالرشدية اللاتينية أخذت اتجاهها وأسسها من فكرة ابن رشد. ولنتأمل فكرته في “فصل المقال” حيث يقول: “إن الأمر الغالب على الجمهور من معرفة الله إلى طريق وسط ارتفاع عن حضيض المقلدين، وانحط عن تشغيب المتكلمين، ومنه الخواص على وجوب النظر التام في أصل العقيدة”.(5)

وهذه المراتب المذكورة في هذا النص: 1- التقليد. 2- الطريق الوسط. 3- تشغيب المتكلمين. 4- نظر الخواص في البرهان. الغرض منها عند ابن رشد الابتعاد عن التقليد، وتشغيب المتكلمين، والآخر بالطريق الوسط للجمهور، ورد النظر العقلي للحكماء. تلك هي عين الأفكار الأساسية لابن رشد والتي تمس بقوة قضايا العقل والإيمان التي اتهمت بها الرشدية اللاتينية والتي قاومتها الكنيسة بضراوة شديدة.

 

مم استفاد ابن رشد في بناء منهجه العلمي؟

استفاد قطعا من دراسة الفقه والاشتغال بالقضاء. وقد اتبع منهجا نقديا عبر بالفعل عن فكر صاحبه الذي خالف الأسبقين. وهذا المنهج كان قائما على ذاتيته المتميزة التي تحرك التفكير المستقل، فانطبعت بهجوم كبير على كثير من الأفكار والمذاهب، ومهما يكن من درجة هذا في علة نكبته فقد كتب الخلود لفكره ومنهجه.

ولعل أسبق هذين العاملين في رسم منهجه العلمي الدقيق دراسة الفقه، ثم الاشتغال بالقضاء.

فدراسة الفقه نَمّتْ فيه حسَّ النقد الفلسفي، وتوليته القضاء (بل إنه تولى منصب قاضي القضاء في عهد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن) هذه الوظيفة الخطيرة نمّت فيه إلى جانب روح النقد ترجيح الآراء على بعضها بعضاً. وقوة الترجيح أدت به إلى الكشف عن كثير من الأخطاء والتناقضات في فكر الأسبقين.

والدارس لكتابه القيم “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” يلاحظ ملامح هذا المنهج النقدي. يقول ابن فرحون في تقريظه: “وله تآليف جليلة الفائدة، منها: بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، ذكر فيه أسباب الخلاف، وعلل وجوهه، فأفاد وأمتع، ولا يعلم في وقته أنفع منه، ولا أحسن سياقا”(6).

وقال عنه كذلك: إن الدراية كانت أغلب من الرواية، ويعني بذلك طغيان جانب النظر العقلي في منهجه.

وإلى جانب رسوخ قدمه وكفاءته في الفقه، فقد كان عارفاً بالفتوى على مذهب الإمام مالك، طويل الباع في علم الفرائض والأصول(7). وقد اتّبع منهجاً في تناوله لأصول الفقه وفروعه، وتناول كل ما يتصل بالعقيدة والأحكام، بل إنه أرشد المجتهدين إلى طريقة النظر في قضايا الدين عامة، وطرح لذلك أصولاً وقواعد.

وفي كتابه “بداية المجتهد” يرشد إلى القياس الشرعي، ويعتمد الاجتهاد والتأويل، وقد عرف القياس الشرعي وبيّن وظيفته، فقال: “وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيءٍ ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلةٍ جامعةٍ بينهما. ولذلك كان القياس الشرعي صنفين: قياس شبه وقياس علة”(8).

ثم يبين الفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: “أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره”، ثم يبين ما التبس على الفقهاء في هذا المجال، فيزيد في الشرح: “أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ؛ لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من حيث تنبيه اللفظ ليس بقياس، وإنما هو من باب دلالة اللفظ. وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا”.

وبهذا يدفع الفقيه إلى القياس الشرعي في الأحكام الشرعية. فقد قال: “إن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بالجنس ثلاثة: إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام، فقال الجمهور: إن طرق الوقوف عليه هو القياس”(9) إلى أن يقول: “ودليل العقل يشهد بثبوته، ذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال و الإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى”(10).

إن الناظر في منهج ابن رشد الفقهي يجب أن يعتمد مؤلفاته القيمة الثلاثة:

1-       “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” الذي يتناول فيه فقه الفروع.

2-   “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” ألفه ابن رشد في أشبيلية عام 575هـ/1179م، تناول فيه آراء المتكلمين ثم نقدها وبرهن على مذهبه، وتناول مشكلات فلسفية وبعض قضايا علم الكلام.

3-   “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” تناول فيه طريق العقل للنظر في المشكلات الفلسفية، وطرق التأويل والقياس العقلي، ومسائل الدين.

والكتب هذه جميعها تحوي نوعاً من التقارب والتكامل بين اتجاه فقيهنا في كتابته الفقهية والفلسفية، فهو من دراسة الأحكام (في الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح) في “فصل المقال” استفاد من هذه الدراسة في مجال الفقه. وعند انتقاده للحشوية (التي وقفت عند ظاهر الآيات) في كتابيه: “فصل المقال” و”مناهج الأدلة” كان على اتصال وثيق بمسائل كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”.

وأما في كتابه: “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” فحاول إيجاد علم كلام جديد عمدته البراهين اليقينية المستمدة من النظر العقلي الذي أمر به الوحي. ويرى أن البراهين العقلية (الفلسفية) هي التي جاء بها القرآن الكريم.

ولإقامة هذا الصرح الفكري العتيد كان عليه أن يقوض ما بناه الآخرون من جميع فرق المتكلمين مبيِّناً هفواتهم (من أشاعرة ومعتزلة وباطنية وحشوية) وما أنتجته هذه الهفوات من زيغ عن روح شريعة الأمة الإسلامية إلى ملل ونحل ومذاهب أشد ما تكون على التباين والاختلاف عن طريق الحق الذي ارتضاه الشرع الشريف لنا.

قال: “إن الشريعة قسمان: ظاهر ومؤول، وإن الظاهر فرض الجمهور، وإن المؤول فرض العلماء. وأما الجمهور فغرضهم فيه حمله على الظاهر وترك تأويله، وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور. ثم هاجم سائر فرق المتكلمين لعدم استعمالهم للبرهان بالطرق السليمة(11).

وابن رشد يسقط الدليل كليا، متهما المتكلمين بأنهم خطابيون يعالجون القضاء العويصة بعقلية وهمية وأساليب بسيطة عامية تبطل الأسباب والمسببات. ولا يكتفي بهذا الهجوم بل يرى بأن المتكلمين بهذا الاستدلال البسيط يجرمون حيث يجردون خلقُوا من الغاية التي خلق لها، بل نفوا الحكمة عن أفعال – الله تعالى -، وليس في الشرع مطلقا دليل ساذج مثل هذا. فالله عنده كل شيء بمقدار، إشارة إلى قوله تعالى: “الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقـدار”(12)، وعنده كل شيء بحسبان إشارة إلى قوله – سبحانه-: ﴿الشمس و القمر بحسبان﴾(13)، وأنه خلق السماوات والأرض بالحق، إشارةً إلى قوله – تعالى-: ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق﴾(14)، وكل أفعاله سبحانه منزَّهةٌ عن العبث، لقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾(15)، كما أنه منزه عن اللهو لقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾(16).

هذا النظر المميز في الدلائل ونقدها، والنظر في طبقات المخاطبين وتصنيفها بهذه الطريقة هو الذي جعل فلسفته تتميز، والذي زادها طرافة حين قسم الأقيسة إلى ثلاثة أصناف: برهانية وجدلية وخطابية. وتبعا لهذا التقسيم في الأقيسة، قسم الناس إلى ثلاث، يقابلها: البرهانيون والجدليون والخطابيون.

ويدخل في طبقة البرهانيين الفلاسفة (الخاصة)، وفي طبقة الخطابيين جمهور الناس الغالب (العامة)، وفي طبقة الجدليين المتكلمون (وهم دون الفلاسفة درجة، وأعلى في إدراكها عن الجمهور)(17).

واختلافها يعود إلى طرق التصور والتصديق الخاصة بها.

وطرق التصديق منها ما هو وقف على البرهانيين (الخاصة)، ومنها ما هو وقف على الجدليين والخطابيين (العامة) والشرع يشتمل على طرق التصديق الثلاث للخاصة والعامة. وأقاويل الشرع نوعان: صريح لا يحتاج في إدراكه إلى برهان، تأخذ به الخاصة والعامة على ظاهره (وكأنه محكم)، ونوع لا يدرك إلا بالبرهان، وعلى الخاصة أن تؤوله للجمهور محمولا على ظاهره.

فواجب العامة تصديق النصوص وحملها على ظاهرها (كما رأى الأشاعرة)، والمؤولون هم الفلاسفة والراسخون في العلم وحدهم، لكن لا يجب التصريح بهذه التأويل إلا لمن هم أهل لذلك، لأن التأويل يفسد إيمان العامة، ولأن الخطابيين يكفيهم الظاهر للامتثال لأوامر الشرع ونواهيه.

هذا مأخذ ابن رشد على المتكلمين عامة، فرغم تصريحهم بالتأويل، إلا أنه لم يستوف شروط البرهان، ولهذا كانت أكثر تآويلهم سفسطائية غير محكمة. ومثال ذلك الأشاعرة فهم بنوا أقوالهم على أصول عامة تنكر كثيرا من الضروريات كتأثير بعضها ببعض (السببية)، ووجود الأغراض، إضافة إلى المقدمات الواهية في وجود الله، ويكفَّرون من لا يأخذ بأدلتهم.

ومذهب ابن رشد في بنائه المنطقي للأقيسة العقلية، إنما يميز بين طبقات الناس اجتماعيا: الجمهور وأهل البرهان (أي الخاصة والعامة)، والتقسيم مطرد اجتماعيا، يرفع من شأن الفلسفة فيجعلها في أرفع مستويات المعارف البشرية، وبهذا يظهر عنده أن العقل زادُ في الإنسان لاحتوائه أرقى المعارف؛ والوحي لما كان أرقى المعارف وأشرفها درجة لأنها تنحدر من مصدر رباني كان العقل رائدها في البحث.

ورغم المؤثرات الفلسفية الأرسطية في اتجاه ابن رشد في الأقيسة العقلية وأصنافها التي أسس بها لنقد وهدم آراء المتكلمين، فإن هناك بونا شاسعا بينهما؛ لأن أرسطو تحدث عن أصناف القياس ومرتبتها من التصديق، وابن رشد ميز بينها اجتماعيا.

هذا الفقه في قضايا العقيدة، كان عنده مثل الفقه الأكبر شأن (أبي حنيفة في ذلك) وله خصص كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” أقام فيه منهجا جديدا مؤسسا على براهين يقينية مستمدة من النظر الفلسفي المؤسس بدوره على الوحي كما رأى هو.

أما منهجه في الفقه الأصغر (فقه الفروع)، فقد خصص له كتابه: “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” وكتب رسائل أخرى، مثل “رسالة الضحايا” و”رسالة الخراج” و”مختصر المستصفى” وهو ملخص منقح لكتاب الغزالي. ولكن أهم كتبه في هذا الفقه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” وقد نال حظوة عند الفقهاء، حتى قال ابن الأبار فيه: “لا يعلم في فنه أمتع منه، ولا أحسن سياقا”.

 

منهجـه الفقهـي

يتجلى مذهبه الفقهي في كتابه: “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”.

ويقع هذا الكتاب في مجلدين، يضم كل منهما جزءا، خصص الجزء الأول لأحكام الطهارة والعبادات، وألحق بهما الجهاد والأيمان والنذور والضحايا والذبائح والصيد والعقيقة. وقد قسم هذا الجزء إلى كتب كل منها يضم أبوابا، والأبواب تحوي مسائل.

والجزء الثاني سلك فيه ما سلكه في الجزء الأول، فاستهله بكتاب الأطعمة والأشربة، ثم تلاه بكتاب النكاح، وما يلحق به من طلاق وإيلاء وظهار وغيره؛ وختمه بأحكام الأقضية والشهادات.

وأحيانا يضيف إلى الكتاب فصولا كما يفعل المصنفون اليوم، وهكذا فعل في كتب الجهاد والأيمان والنذور والطلاق والظهار وغيره.

وتكاد تكون دوافع المنهج العلمي في دحض وهدم دلائل وأقوال الفرق المذكورة آنفا من تمكين للبراهين اليقينية، وتقليل من سلطان الفرق وإخضاع الأقوال لمحك الوحي والعقل هي الدوافع نفسها التي حملته على تأليف بداية المجتهد.

وقد صدر كتابه بغرضه الشخصي فقال: “فإن غرضي من هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها ما يجري مجرى الأصول والقواعد”(18).

وهو صادق في هذا الغرض ككل قاض وعالم تكمن في أعماقه الروح العلمية، لأنه كان يبحث – كما هي غاية كل قاض وعالم أصول فقه- عن الحق وبلوغه. وهي غاية العلم.

وقد روج في كتابه هذا لمذاهب أخرى، خصوصا مذاهب الرأي – كمذهب أبي حنيفة- وغرضه في ذلك فتح الباب أمام أصول المذاهب الاجتهادية الأخرى، والتخلص من ربقة التقليد الذي ساد الأندلس التي كانت منغلقة على مذهب الإمام مالك بن أنس، وكأنه حاول فك هذا السياج من التقليد والمحافظة بإقحام مذاهب أخرى، وجعل المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي في المتناول معه في الاجتهاد، ولكن ليس الأمر كما زعم صاحب كتاب “في الفلسفة الإسلامية” إبراهيم مدكور بأن ابن رشد “حاول تقويض صرح المالكية بإشاعة المذاهب الاجتهادية الأخرى”(19)، فهو لم يسع إلى هذا التقويض، وإنما نزعة العقل تدعوه إلى جعل مذهب مالك على قدم المساواة مع المذاهب الأخرى، وهو أصلا نشأ وشب على المذهب المالكي، وغرضه الظاهر مواصلة الاجتهاد والوصول إلى الحقيقة، وهو ما توخاه المذهب المالكي نفسه، وبناء مذهب فقهي يتوخى اليسر الذي هو قطب الدين الإسلامي الذي تدور عليه الأحكام التي غايتها المصلحة والتي هي كذلك أساس التشريع. ولا يتحقق هذا المقصد النبيل إلا بإعلاء سيادة العقل لكن في سبيل المصلحة. والروح الرشدية بطبعها ميالة إلى الدليل العقلي، وهو الذي عرف الحكمة بالنظر إلى الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان.

 

خصائص منهجه الفقهي من كتابه: “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”

1-   يعتمد في كتابه فقها مقارنا بعرض وجهات نظر الأئمة الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل أساسا. ويضيف إليها أحيانا وجهات نظر بعض المذاهب الأخرى: كمذهب الأوزاعي والطبري وابن القاسم وأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة وداود الظاهري وسفيان الثوري وابن الماجشون وابن أبي ليلى وغيرهم.

وهو بهذا يؤسس لعلم الفقه المقارن إدراكا منه أن جميع المسائل الظنية في أمور الفقه خاضعة للخلاف والنزاع، ومن ثم فلا مطمع في الاعتماد على مذهب واحد.

2-   يذكر المسائل ودلائلها من مصادر التشريع الإسلامي الأربعة: الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس مستعملا مصطلح: “اتفق العلماء” أو “… اتفقوا” إذا لم يكن هناك خلاف بين المذاهب.

3-       يورد الخلاف بين المذاهب والفقهاء إذا ورد خلاف، ثم يعرض نظر كل واحد مع ذكر دليله.

4-   قد يدلي برأيه في المسألة بعد عرض أوجه الأدلة المختلفة من آراء وأنظار أخرى حسب الدليل الشرعي، ويسلك هو رأيا وسطا مستندا إلى المنحى العقلي في ذلك. مثل حكم النية في الوضوء؛ فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود إلى أنها شرط صحة؛ وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري إلى أنها ليست شرطا.

وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين كونه عبادة محضة أو طهارة، فإن كان القصد العبادة كالصلاة كان عبادة، وقد يراد به الطهارة فيكون طهارة فحسب؛ وما كان جامعا بهذا المعنى (بين العبادة والطهارة) تسقط منه النية كشرط صحة. وقد توسط ابن رشد برأيه بين المذهبين فقال: “والفقه أن ينظر بأيهما أقوى شبها فيلحق به”(20)، أي أن العبادة تلزمها النية، والطهارة تسقط عنها. وقد استعمل كلمة “والفقه”.. وهي تعني عنده الفهم العميق والصحيح للمسألة.

5-   الترجيح: كترجيحه للغسل في طهارة القدمين، بعد أن عرض الخلاف في قراءة (وأرجلَكم) من آية الوضوء بالنصب وبالخفض عن المسح. فقال: “..والغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل”(21).

6-   عدم الالتفات إلى الخلاف بين المذاهب حال سكوت الشرع عن المسألة، لأن السكوت إعفاء للناس، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك: المسح على الخف المخروق؛ يقول: “قلت هذه المسألة مسكوت عنها، فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه صلى الله عليه وسلم(22)، وقد قال تعالى: “لتبين للناس ما نُزَّلَ إليهم”(23).

7-   الخروج من الخلاف دون الإدلاء برأيه بعد عرض أوجه الخلاف، كما في المقدار الواجب مسحه من الرأس عند الوضوء، هل بعضه أم كله؟ ويرجع الخلاف إلى الأصل اللغوي للكلمة. فاللفظ من قبيل المشترك غير الواضح الدلالة في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، ويضيف قائلا: “وإذا سلمنا أن الباء زائدة، بقي هاهنا أيضا احتمال آخر وهو: هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟”.

8-   العدول بالمسألة إلى الأصل، كما في مسألة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في بداية الوضوء، حيث يعرض سبب اختلاف المذاهب، ويحصره في الأقوال، في أن الأمر: سني ومستحب وواجب على المستيقظ من النوم إطلاقا، وواجب على المستيقظ من نوم الليل. ثم يعدل بالمسألة إلى أصلها، فيبين أن المراد في الأصل طهارة اليدين، فقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده” يقصد به عدم تنجيس الماء، وقد خالف العلماءَ (مالك والشافعي وأحمد وداود) في حكم اليد بأن أرجع المسألة إلى الأصل.

9-       عند تساوي وتكافؤ أدلة المذاهب يعرض أنظارهم دون أن يرجح أحدها، كما في مسألة غسل اليدين إلى المرفقين.

10-تحكيم ميول البشر وطبائعهم في الاجتهاد، كما فعل في مسألة استعمال الماء الذي تخالطه نجاسة، فبعد عرضه لآراء المذاهب في مقدار الماء الذي تؤثر فيه النجاسة، بحكم طبعه يقول: “وحد الكراهية عندي ما تعافه النفس وترى أنه ماء خبيث، وذلك أن ما يعاف الإنسان شربه يجب أن يتجنب استعماله في القربى إلى الله تعالى، وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخلـه”(24).

فهذا الإقحام لطبائع البشر في الاجتهاد يبرهن عليه عقلا ومنطقا، فمن يعارض فكرة أن ما يعاف الإنسان شربه لا بد أن ينفر منه في القربات والعبادات؟.

11-يسقط المذاهب والخلاف بينها إذا لم يكن لذلك معنى، كما في مسألة مسح الأذنين، فقد رأى قوم أنهما يغسلان مع الوجه، وبعضهم رأى أنه يمسح باطنهما ويغسل ظاهرهما مع الوجه لتردد الأذنين بين كونهما مفردا بذاته من أعضاء الوضوء أو جزءا من الرأس. وقد علق على ذلك: “وهذا لا معنى له مع اشتهار الآثار في ذلك بالمسح واشتهار العمل به”(25).

12-مقابلة الأدلة واختبارها بعرضها على القواعد المسلم بها لاستنباط الحكم. وهذا نمط آخر من خصائص منهجه الفقهي يدل على قدرة فائقة في التصرف في النصوص وبراعة في التعامل معها للوصول إلى الحكم، وتدل على تمكنه من علم أصول الفقه وعلوم الحديث. ومثال ذلك مسألة توقيت المسح على الخفين؛ فقد قال: “وأما التوقيت فإن الفقهاء أيضا قد اختلفوا فيه، فرأى مالك أن ذلك غير مؤقت، وأن لاَبِسَ الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصيبه جنابة.

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ذلك مؤقت(26).

وأما أصل القاعدة العامة فهو عدم التوقيت؛ لأن طول الوقت لا ينقض الوضوء، إنما ينقضه الحدث، وهو تعليل منطقي يجري مجرى أحكام الشرع في الوضوء والطهارة(27).

13-العمل بقاعدة “سد الذرائع” فيما هو وسيلة للمحظور. كما فعل في مسألة بيع الطعام قبل قبضه لحديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه”(28).

14-ولقد عد ابن رشد هذا النوع من بيع الطعام من أصول الربا، وإن كان بحق أنه ليس من أصول الربا، وإنما من الذرائع إلى الربا، وقال: “ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق به إلى الربا”(29).

 

كيف أَصَّلَ ابن رشد لتكامل العقل والإيمان؟

مما سبق تبدو أصالة منهجه في الفقه الأكبر (علم الكلام)، وسعيه الجاد لإيجاد منهج جديد لهذا العلم مؤسس على النظر العقلي السليم، الذي يستمد روحه من الوحي وإبادة للمنهج المبني على الوهم والخرافة. وكذلك أصالة منهجه في فقه الفروع، ودرايته الواسعة ومهارته النادرة في التعامل مع النصوص والتوفيق في تأويلها لاستنباط الأحكام.

كما يبدو تشريفه وتمجيده للعقل واضحا سواء في مناظراته أو ردوده، وسواء تعلق الأمر بالمسائل المنطقية. أو مسائل الإيمان. واتجاهه هذا صادر عن اقتناع كامل صاغه كنظرية بسطها في كتابه “فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”. وأساس هذه النظرية: أن الشرع غايته الوصول إلى الحق وتبيانه، والعقل ودوره معرفة هذا الحق، والحق واحد لا يمكن أن يتعدد، وبذلك تكون غاية الشرع والعقل معا غاية واحدة: هي معرفة الحق، ولا يمكن أن يحدث تعارض بينهما؛ لأن مقصدهما واحد، وقد قال: “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة”(30).

ولما كان العقل هو السمت المستقيم لمعرفة البراهين اليقينية، كان هو سبيل الخاصة في معرفة الحق، وذلك أمر عسير على العامة.

والوحي ينشد عين الحقيقة التي تنشدها الحكمة، وينشدها على مستوى ما تفهم العامة، وهو مستوى الظاهر فقط، وليست مطالبة بالنظر والتأويل، وإنما هي مطالبة بالطاعة لظاهر الشرع فقط.

ويرى أن الشرع ظاهرا وباطنا يرتبط بالعقل لأنه القادر على الغوص والتعمق والتأويل فيما يوافق البراهين اليقينية التي ترفض الوهم. ولا مفر من ذلك قصد التوفيق بين العقل والدين. وبهذا يبدوان متكاملين ناطقين بحقيقة واحدة.

 

…………………………………………………………………………………….

الهوامـــش

*- أستاذ مغربي متخصص في الفلسفة الإسلامية

1- لقب أبي الوليد ابن رشد commentator، أي الشارح (أرسطو)، ولد سنة 520 هجرية (1126م) وتوفي سنة 595 هجرية (1198م).

2- كتاب النفس. ابن رشد، ص71.

3- المصدر نفسه، ص79.

4- المصدر نفسه، ص86.

5- فلسفة ابن رشد، ص89.

6- ابن فرحون اليعمري: الديباج المذهب في أعيان المذاهب. ط1/1351هـ، ص285.

7- التكملة لابن الأبار. ج1، ص269. ط1. مدريد 1886م.

8- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ج1، ص2. دار الكتب العلمية. 1418 هـ.

9- المصدر نفسه ج1، ص1.

10- المصدر نفسه. ج1، ص1.

11- الكشف عن مناهج الأدلة، ص46. ط2. 1979م.

12- سورة الرعد، الآية: 8.

13- سورة الرحمن، الآية: 5.

14- سورة الأنغام، الآية: 73.

15- سورة المؤمنون، الآية: 115.

16- سورة الأنبياء، الآية: 16.

17- الكشف عن مناهج الأدلة، ص50. ط2، بيروت 1979م.

18- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ج1، ص9.

19- في الفلسفة الإسلامية. إبراهيم مدكور. ج2، ص84.

20- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ج، ص9.

21- المصدر نفسه. ج1، ص18.

22- المصدر نفسه، ص24.

23- سورة النحل، الآية: 44.

24- المصدر نفسه، ص30.

25- المصدر نفسه، ص17.

26- وهي من حديث علي وصفوان بن عسال، أما حديث علي فأخرجه مسلم (1/272) كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح على الخفين: الحديث (85/676)، وأبو داود الطيالسي (15)، وابن أبي شيبة (1/177)، كتاب الطهارات: باب في المسح على الخفين، وأحمد في المسند (1/96). الحديث أخرجه أبو داود (1/190) كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح، حديث (158)، وابن ماجه (1/185) كتاب الطهارة: باب ما جاء في المسح بغير توقيت، حديث (557) حديث صفوان: أخرجه الترمذي (1/159) كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، حديث (96).

27- بداية المجتهد. ج1، ص24-25.

28- أخرجـه مالك (2/610) كتاب البيوع، باب العينة وما يشبههـا، حديث (42). والبخاري (1/311) كتاب البيوع: باب الكيل على البائع والمعطي، حديث (3126)، (4/349) كتاب البيوع: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، حديث (2136). ومسلم (3/1160-1161) كتاب البيوع: باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، حديث (32/1526).

29- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ج2. 231.

30- فصل المقال، ص38. ط2. بيروت 1979